أضيف في 27 دجنبر 2018 الساعة 21:38

جنون الدنيا


المصطفى سالمي
تسللت الدنيا الدنيئة إلى قلبه واستوطنت الشغاف والعروق الدقيقة، وملكت عليه نفسه وجوارحه، وقع ذلك في خفية من الزمان والمكان، وفي جنح الظلام الآثم. جاء (عواد) إلى مدينة الدار البيضاء وهو شاب في العشرينات من عمره، اشتغل في البناء في أطراف المدينة ، كانت الأخيرة وقتها في عنفوانها تفتح ذراعيها لاستضافة الغريب والقريب، واستطاع (عواد) في ظرف زمني وجيز أن يشتري قطعة أرض صغيرة أقام عليها مشروعا لتجهيز آجر البناء بواسطة قوالب خاصة بهذا الطوب، كانت الأوراش وقتها تشتغل إلى وقت متأخر من الليل بشكل دؤوب لتغطية الطلبات التي لا تتوقف، فكان العمل يتم بتناوب العمال، وتضاعفت أرباح الشاب الذي اشترى مزيدا من القطع الأرضية، وكبرت المساحة حتى أصبحت ـ بعد سنوات ـ عشرات الهكتارات، لكنها كانت ضعيفة السعر و القيمة المادية بالنظر للتواجد في الأطراف النائية للمدينة، ومع ذلك كان (عواد) يشتغل بحماسة منقطعة النظير ساكبا كثيرا من الجهد والشغف والهوس بالاغتناء، حارما نفسه من لحظات السعادة التي كان ينعم بها أقرانه وقتئذ، كان لا يُرى إلا في نفس الثياب البالية التي لا تتعدى في أحسن الأحوال جلبابا أسود اللون لا يفارقه حتى في الأعياد والمناسبات، أما مأكله المعتاد فهو علب السردين والمشروبات الغازية وسجائر من الصنف الرديء يدخنها مع الشاي الأسود..
اقترب المد العمراني كثيرا من أرض (عواد) المترامية الأطراف، لكن الأخير كان يرفض ما يقدم له من عروض مغرية لبيع أرضه منتظرا الأحسن والأفضل، وتمر السنون زاحفة على حياة (عواد) لتلتهم أكثر من عقدين أخرين من العذاب والانتظار، لقد أوقف الرجل حياته مثلما يقف ذلك اللوح المعدني الذي كتب عليه (أرض للبيع)، وتآكل ذاك الحديد بفعل الصدأ، واستمر (عواد) يرفض حتى عروض وتلميحات كثير من أصدقائه الذين كانوا يريدون مصاهرته، فقد أصر أن لا يعيش عمره إلا بعد أن تكافئه حياته برصيد يوازي تضحياته الجسام، وها هو ربع قرن يبتلع هذا العمر وعروض الأرض تتوالى سخية على صاحبنا إلى أن حل يوم لا كباقي الأيام، لقد جاء ثري بسيارة فارهة سوداء عارضا مبلغ خمسة مليارات سنتيم، ارتعشت أطراف (عواد) حين تلقفت مسامعه الرقم الخيالي، خال صاحبنا أن الثري لص أو معتوه، لكن صاحب السيارة السوداء أبدى إصرارا عجيبا على شراء الأرض، وتوجه (عواد) رفقة بعض أصدقائه إلى موثق المدينة الذي تكفل بالإجراءات في ظرف قياسي، وانتقل الرصيد المالي مباشرة إلى الحساب البنكي لـ (عواد) الذي كاد يجن جنونه، وأوشك أن يحلق بأجنحة غير مرئية في فضاء السعادة، وبدأت الأحلام الوردية تتراءى حقيقة أمام ناظري شاب أصبح على مشارف الكهولة دون أن يدري، ذلك أن شعيرات بيضاء بدأت تغزو فوديه، إنه الآن في السابعة والأربعين من العمر، لكن لا بأس، فالحياة ما زالت تمد ذراعيها وبقوة المال الذي به سيحارب الزمن وسيسعى لإيقافه، سيشتري قصرا فخما وسيتزوج أجمل بنات المدينة، وسينعم بالرفاهية وبكل ما لذ وطاب..
مر أسبوع على بيع (عواد) أرضه، وبدأ بسحب أولى المبالغ المالية، وكانت البداية بشراء ملابس تليق بصاحب الأرصدة الخيالية، وفي غمرة بحث الرجل عن سكن فخم ومكالمات المحامي التي لا تتوقف عن (ڤيلا) راقية كانت هناك مكالمة هاتفية غريبة مزعجة تتكرر باستمرار، وكان صاحبنا يتردد في الرد عليها، وأخيرا فتح هاتفه، فطلب الآخر مقابلة (عواد)، واستجاب له الأخير، واستقبله في اليوم الموالي، إنه شخص لا يقل أناقة ووجاهة عن الأول الذي باعه أرضه، لقد جاء هذا الثري لنفس الغرض، لكن صاحبنا اعتذر له لكونه قدم متأخرا، فأبدى الوجيه الأسف بلباقة، وقبل أن ينصرف لحاله سأله عن الثمن الذي باع به الأرض، فرد (عواد) بكل تلقائية معلنا المبلغ بصدق وامانة، فازداد أسف الرجل الوجيه وهو يردد:
ـ لو كنت انتظرت قليلا لاشتريت منك الأرض بمبلغ خمسين مليار سنتيم، لكنها الأقدار والمكاتيب..!
انصرف الرجل الوجيه المترامي الأطراف تاركا (عوادا) ممتقعا متسمرا كعمود النور، "رباه..! ماذا يقول هذا الرجل؟ هل تراه يبالغ أم يكذب أم ماذا؟!"
مر أسبوع لم يذق فيها صاحبنا نوما مريحا ولا استلذ مطعما أو مشربا، إلى أن كان اليوم الأخير في ذاك الأسبوع حينما تناهى إلى علمه أن أرضه بيعت مرة ثانية بمبلغ خمسين مليار سنتيم لمستثمر يريد إنجاز مشروع سياحي ضخم، وهمس (عواد) في أذن صاحبه مستفسرا:
ـ كم يفصل مبلغ خمسة مليارات عن خمسين مليار سنتيم أيها الصديق؟!
رد الآخر:
ـ خمسة وأربعون مليار سنتيم يا صديقي، لكن لا تهتم، فالخير كثير في هذه الخمسة، الواحد منها يساوي ألف مليون، ستنعم بكل الملذات في قادم حياتك ما ينسيك الدنيا وشقاءها..!
ـ لكنها خمسة وأربعون مليار سنتيم التي ضاعت، انتظرت أكثر من ربع قرن من أجل خمسة مليارات، وانتظر سمسار لئيم أقل من أسبوعين ليحصل على عشرة أضعاف هذا المبلغ..!
وابتلع الصمت المطبق تلك اللحظة من الحوار الهامس، وفي اليوم الموالي وُجد (عواد) معلقا من عنقه بحبل لُفّ بإحكام عليه، بينما كان جسده يتدلى على غصن شجرة مغروسة على أرض سكب عليها الرجل عصارة العرق والأحلام والتعب، ولم ينعم فيها بلحظة سعادة حقيقية، وربما لف الشقاء عالمه الآخر تاركا خلفه مبالغ وأرصدة مالية شبه مكتملة لم تكتب لها الأيام والمقادير أن ينعم بها صاحبها الذي جرفه جنون الدنيا..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب