أضيف في 26 دجنبر 2018 الساعة 01:08

عن قصة الانسحاب الأميركي من سوريا


ياسر الزعاترة

كثيرة هي الجوانب التي تستحق التوقف فيما يتعلق بالإعلان الأميركي عن الانسحاب من سوريا، والذي شغل الدوائر السياسية خلال الأسبوع الماضي.
لا حاجة هنا للتوقف عند تقلبات مواقف ترمب من سوريا، بدءاً من رفض أي تدخل، مروراً بتعزيز القوات وتهديد النظام السوري، ومن ثم إعلان نية الانسحاب، وصولاً إلى الإعلان الأخير، فالرجل الذي يدير السياسة من خلال «تويتر» لا يستقر على رأي.
وهنا تحديداً يتبدا البعد الأكثر أهمية في الإعلان الأخير، فنحن هنا أمام رئيس فريد في تاريخ الولايات المتحدة، رئيس لا يستمع لتقديرات الأجهزة الأمنية والعسكرية، ويدير سياسته بـ «المياومة»، وبما يراه هو شخصياً بعيداً حتى عن آراء أقرب مستشاريه، وفي هذه القضية الأخيرة تكشّف حجم التناقض بينه وبين المؤسسة الأمنية والعسكرية وكبار الساسة في الولايات المتحدة، وصولاً إلى استقالة وزير الدفاع.
هذه القضية ليست هامشية بحال، إذ إنها تطرح أسئلة جوهرية فيما يتعلق بإدارة الشأن السياسي في الولايات المتحدة، كما تعيد طرح قضية مصير الرجل في ظل اشتباكه مع الدولة العميقة الذي لا يتوقف، وفي ضوء التحقيقات المتلاحقة التي يجريها المحقق «مولر».
واللافت -بل المثير في واقع الحال- هو الخدمات الجليلة التي يقدمها ترمب لروسيا، وذلك التوافق الغريب بينه وبين بوتن، والذي يطرح أسئلة كبرى، لعل مولر يلاحقها فيما يُعرف بقضية التدخل الروسي، وربما شكوكاً أخرى حول سر هذه العلاقة الغريبة، لا سيما أن الكل يعرف أن روسيا -بجانب الصين- تمثل التحدي الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة.
الجانب الآخر الذي يمكن التوقف عنده في القضية، هو سؤال ما إذا كان القرار سيمضي بالفعل، أم أنه مجرد إعلان عابر سيتم تجاوزه لاحقاً، سواء أكان بجعل الانسحاب جزئياً، أم بترتيبه خلال زمن طويل، أم بإيجاد آليات للتدخل في القضية السورية من دون التدخل العسكري المباشر، ولا شك أن الرفض الداخلي للقرار، بجانب رفض كبار الحلفاء -مثل بريطانيا وروسيا- يجعل هذا الاحتمال وارداً، ولا يُستبعد بطبيعة الحال أن يكون للنهج الذي يجيده ترمب دور في القضية، أعني نهج الابتزاز، بحيث يكون القرار محطة في اتجاه ابتزاز لبعض دول الخليج، وبخاصة السعودية من أجل تمويل الوجود الأميركي في سوريا، وربما دفع ما هو أكثر من ذلك، من أجل استمرار ذلك الوجود.
وهنا يحضر الموقف الإسرائيلي بقوة، إذ إن رفض نتنياهو للقرار ربما يؤدي إلى تجاوزه لاحقاً، لا سيما أننا إزاء رجل -ترمب أعني- يقيس معظم خطواته الشرق أوسطية على إيقاع الهواجس الإسرائيلية أكثر من أي شيء آخر، سواء فعل ذلك من أجل التيار الإنجيلي الذي يدعمه، أم من أجل اللوبي الصهيوني الذي يوفر له حماية مهمة أيضاً.
ثمة سؤال يتعلق بالانسحاب في حال تمّ بالفعل، وهنا يمكن القول إنه يمثل مكسباً مهماً لروسيا وإيران -وربما تركيا- إذا أحسنت إدارة المشهد بعد التنفيذ الفعلي للانسحاب، الذي يترك أعداءها الأكراد من دون ظهير، لكن اعتبار ذلك بمثابة نهاية للمعضلة السورية يبدو سابقاً لأوانه، ذلك أن أسئلة هذه المعضلة لا تزال شائكة، فها هنا نظام يواجه ملايين من المعارضين في الداخل والخارج، ولا يمكنه الاستقرار في زمن العنف الرخيص من دون حل يقنع غالبية السوريين، وهو حل لن يكون وارداً في ظل تغييرات شكلية في طبيعة النظام الأمنية الطائفية، ولا تنسَ قضية إعادة الإعمار وكلفتها في بلد غارق في الدمار، بجانب التناقضات الروسية الإيرانية، والحضور الإسرائيلي في المشهد.
والخلاصة أن المعضلة السورية ليست قريبة من النهاية، سواء انسحبت القوات الأميركية فعلاً، أم تغير القرار بالكامل، أم بشكل جزئي.;


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ياسر الزعاترة

كاتب ومحلل سياسي   / , فلسطين المحتلة