أضيف في 25 دجنبر 2018 الساعة 20:30

الكتابة عن ديكارت.. موت على نعش الحقيقة


محمد نفاع
لا يمكن أن نكتب عن ديكارت دون أن نكون قد طالعنا ودرسنا بشكل موسع وعميق جل ما كتبه وكتب عنه. إن لحظة ديكارت الفكرية لحظة فارقة ومهمة في تاريخ الفكر الإنساني (الفلسفي والعلمي) .. فأي سياق ظهر فيه ديكارت ومنهجه العقلي الذي زعزع أركان الفكر الإنساني؟ كما يمكن القول كذلك، فبقدر ما كتب عن ديكارت ومنهجه بقدر ما لم يكتب الكثير عنه رغم مرور قرون عديدة عن موته.
ففي اعتقادي أن ما كتب ليس إلا إعادة نفس ما كتب بطرق مختلفة لكن بمضمون واحد؛ وكأن حبل دهشة ديكارت يكبل عقول قارئيه.
يقول ديكارت:" لابد من التخلي عن كل شيء في حياتي تماما ومرة واحدة إذا أردت إثبات أي شيء راسخ ودائم في العلوم". فديكارت هنا نفسه يدعو إلى التخلي عن كل ما سبق من أفكار وأوهام كهف كي ننطلق بالفكر والإنسان إن صح التعبير نحو آفاق جديدة ومستقبل زاخر بالحياة والسعادة... فديكارت دعا إلى التحرر من كافة الهموم التي تعيق تقدم الإنسان والمعرفة، وجعل الذات الإنسانية ذاتا فاعلة تقرر مصيرها لوحدها كما فعل هو. وقد قال في هذا الصدد:" لقد حررت اليوم عقلي من كافة الهموم، أنا وحيد تماما، وأخيرا سيكون لدي الوقت لتكريس نفسي بجد وحرية للتخلص من جميع آرائي السابقة، ولكن كيف يمكنني إثبات الحقيقة الراسخة والدائمة باستخدام عقلي فقط؟
إن سؤال الشك الديكارتي لازم فكره منذ الوهلة الأولى الذي تصادم وواقع لا يمثله، وواقع مخادع كشيطان ماكر. وباعتبار مصدر الفلسفة هو السؤال به تقيم وعليه تهتدي.. فسؤال الفلسفة عند ديكارت هو طريقة جديدة تجعل الفلسفة قريبة من هموم الناس ترتوي منها وتعيش. فهل استطاع فعلا ديكارت أن يجعل الفلسفة قريبة من هموم الناس؟ وإذا كانت الفلسفة هي محاولة يراد بها معرفة الوجود ومعرفة الإنسان.. فكيف كان لمنهج ديكارت تلك القوة التي استنفرت قوى الفكر الإنساني بكل أنساقه وتياراته لأن تؤسس لنمط فكري جديد؟
في كتابه "التأملات 1641م" يدعو ديكارت إلى التأمل ومعرفة الأفكار الكاذبة والمشكوك فيها التي قبلناها طيلة حياتنا.
ففي بلورة منهجه الفكري تحدث ديكارت عن حلم كشف له النقاب عن المهمة الأساسية للفلسفة.. نتساءل ونسائل ديكارت، أ ليس حلمك هو نفس حلم الخليفة العباسي المأمون الذي دعاه كذلك إلى كشف النقاب عن المهمة الأساسية للفلسفة؟ وبالتالي يمكننا القول أن الفكر الإنساني مرتبط بشكل سببي وحتمي باعتبار الفكر الذي انبرى وانكشف وظهر مع ديكارت ما هو إلا اجتهاد وعقلنة لفكر سابق. يقول نيوتن مؤسس العلم الحديث في مقدمة كتابه" حول حركة الأجسام" عن غاليليو:" أنا لا أعرف كيف أبدو للعالم، غير أني أرى نفسي كصبي يلعب على شاطئ غاليليو الذي ترك لنا محيطا كبيرا من الحقائق".
حلم ديكارت هو الليلة التي سيؤسس فيها طريقة تفكير وتحليل ومراجعة جديدة لفكر وعلم جديدين سيغيران مسار الفلسفة الغربية وحياة المجتمع الغربي. وهي الليلة التي بدأ فيها التأسيس للفلسفة الجديدة. وفي اعتقادي أن فلاسفة لا قبل ديكارت ولا بعده ما هم إلا حلقة متصلة من الاجتهادات النظرية والعملية حاولت كل واحدة منها أن تساير ما قاله أبيقور بوعي أو بلا وعي: "الفلسفة ترشدنا إلى السعادة الحقة". وأن واجب العلوم هو إنقاذنا من النماذج الخاطئة للسعادة. فهل كل ما كتب عن السعادة الإنسانية أوفى حقها؟
قيل عن ديكارت أنه عندما كتب "مقال في المنهج" لم ينحز لطرف على آخر؛ وإنما انحاز إلى الحقيقة العلمية والفلسفية. فهل ما قاله في هذا القول يؤكد انحيازه إلى الحقيقة العلمية والفلسفية؟
يقول:" مرت السنين الست دون أن أتحيز إلى جانب فيما يخص المسائل التي يناقشها المثقفون أو دون أن أشرع في البحث عن أسس أية فلسفة أكثر يقين من الفلسفة المتفق عليها، فالمثال الذي كان أمامي للمفكرين الكبار الكثر الذين سبق أن خاضوا في هذا المشروع، ولم تتكلل جهودهم بالنجاح على حد علمي، جعلني أتخيل أن الصعوبات ستكون كبيرة جدا، لدرجة أنني لن أجرؤ على البدء في مشروعي الفلسفي".
إن السياق الذي كان يحكم اللحظة الديكارتية كان شرسا في معاملته مع من يخرج عن نسقه ( طبعا هنا نتحدث عن الكنيسة الكاثوليكية) وقد عايش ديكارت محاكمة غاليليو الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله بعد أن تجاوز السبعين من عمره إلى أن مات.. فكيف سيحقق ديكارت لمشروعه النجاح دون الدخول في صدام يعلم أنه ضائع بسببه. وهو الذي قال لأحد أصدقائه:" ليس من الحكمة أن يفقد المرء حياته عندما يكون بإمكانه إنقاذها دون خزي". إذن فدهاء ديكارت نتيجة منطقية صحيحة لمقدمة "حلم" هو دهاء فكري مارسه ديكارت من أجل تمرير خطاب يروم به ضرب أركان الكنيسة الكاثوليكية التي تستبد بكل شيء كوسيط غير عادل بين الحقيقة وحياة الإنسان.
إن عملية دحض وفحم دور الكنيسة أي أن ديكارت من أجل ذلك تعامل مع الكنيسة بمكر بحيث يظهر الولاء عندما كتب باللاتينية وإخفاء الفخ الفكري المنصوب خلسة من خلال كتابته باللغة الفرنسية التي يحاول البناء عبرها من أجل القضاء على الكنيسة وهي تقريبا العملية التي اعتمدها ديكارت والتي كان الهدف منها تقريب الفلسفة من هموم الناس.. لإنضاج هذه الطريقة كطريقة فكر جديد (الحلم) الذي سيغير مجرى تاريخ الإنسانية كما حدث سابقا مع ما ترجمه العرب والمسلمون من خلال حلم المأمون.
مات ديكارت ولم يمت عقله بل تمادى في مكره ونضجه مع اسبينوزا الذي أكمل هذا المشروع بكل تفان ومسؤولية حتى أصبح أشد صلابة وقوة.. ثم مرحلة النضج التام مع فلاسفة الأنوار الذين أسسوا لثورة النور العقلي الفرنسية.
فهل مات فكر ديكارت؟ أم استمر في النضج، والتقدم، والتعقل، والتغير؟ أم أن تغيره هو المآل الحتمي الذي كانت ستصله مع ديكارت أو من كان سيأتي بعده؟
سنختم مع تعريف لالاند للفلسفة التي يعتبرها مفتاح كل علم؛ لأن من لا يسأل ويتساءل ويندهش كيف يمكنه أن يعرف ويعلم؟ ولأننا عندما نتكلم/ فإننا نتفلسف بشكل غامض بمعنى أننا لا نقول كل شيء والفلسفة كذلك لا تقول كل شيء. ديكارت لم يقل كل شيء.. تكلم بشكل غامض بخطاب مدسوس بمكر مسموم في دواليب الحكم الكنسي شربه الشعب ترياقا ربما بوعي أو دون وعي إلى أن اكتمل رشده وحقق السعادة التي ترجوها الفلسفة وتتمناها.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : محمد نفاع

كاتب و شاعر   / الجديدة , المغرب