أضيف في 25 دجنبر 2018 الساعة 09:51

تعديل المسار وخطر الإنقسام بعد 8 سنوات من الثورة


عبد القادر معيوف
تستعد تونس للاحتفال بالذكرى الثامنة للثورة، 8 سنوات مرت عرفت فيهم البلاد حالة من اللا إستقرار السياسي بتعاقب 9 حكومات على السلطة ، لتزيد في تعقيد الواقع الاجتماعي والاقتصادي لأغلبية الشعب الذي أثبتت الإنتخابات البلدية الفارطة (نسبة إقبال 35 بالمئة تقريبا) فقدانه للثقة في الأحزاب وفي تغيير سياسي قادر على تحسين الأوضاع...
في المقابل يتواصل التجهيز لإنتخابات 2019 وتمييع القضايا الأساسية وإقحام الشعب في خلافات ثانوية تزيد من حالة الإنقسام وتعطي الفرصة للبعض للبروز وللسيطرة ، وعلى رأسهم طبعا الإسلاميون وأصحاب العمائم الذين أعطتهم الثورة وزنا وقيمة لا يستهان بها وسط المجتمع. وإن لا يختلف إثنان على حقهم وحق مؤسساتهم في إبداء آرائهم إلا أن الأمر يتخطى ذلك عندما يمر إلى التكفير الذي لا يمثل سوى دعوة مباشرة للتصفية والقتل والاغتيال تحت مباركة دينية.
إن فتاوى الزيتونة وبعض المشائخ في تونس بتكفير بعض السياسيين (قضية المساواة في الميراث) جاءت لتدق ناقوس الخطر والذي يجهز لتقسيم فعلي لمختلف أطياف الشعب بين مسلمين من أتباعهم وكفار من غيرهم ، وهو ما قد يوصل البلاد إلى ما لا يحمد عقباه من صراعات داخلية نحن في غنى عنها ... إن تونس اليوم دولة مؤسسات لا سلطة لممتهني الدين فيها (دولة مدنية) والبرلمان وحده من يمرر القوانين ، والإخوان ومن والاهم (ممثلو التيار الديني) يمتلكون اليوم الثلث الضامن بمعنى لا يمكن أن يمر أي قانون بدون موافقتهم ، ورئيس الجمهورية له حق الإقتراح فقط وليس له أي سلطة فعلية في تمرير القوانين... إن بعض المشائخ يحاولون بكل الوسائل العودة بشعبنا إلى ما قبل الإستقلال أين كانوا مسيطرين تماما على عقول البسطاء من شعبنا بتعلة حماية الدين والمقدسات ، وفي نفس الوقت كانوا يباركون تسلطات المخزن ورجالاته من الموالين للسلطة الإستعمارية في زمن كانت فيه نسبة الامية تفوق ال95 بالمئة... واليوم هي محاولات بائسة معنى جديد لتأسيس سلطة جديدة تنافس سلطة الدولة وقادرة على تحويلها إلى إمتداد لها كسلطة مكتب الإرشاد لدى الجماعة أو كما هو الحال في الدول الدينية المعروفة كإيران اليوم التي تحكم من الحوزة العلمية ، أو الممالك المسيحية في القرون الوسطى التي تحكم من الفاتيكان ...
قد يقول البعض أني أبالغ ، ولكن أنظروا إلى محيطكم القريب في المدن والقرى كيف أن رجل الدين اليوم مقدم على العالم أو الخبير المتحصل على أعلى الشهادات. كيف لرجل دين أن يفتي في الإقتصاد مثلا ، في التصرف ، في الصحة ، في الأدب، في الهندسة وفي السياسة ؟؟ إنه الشرق يا صديقي ، الناس هنا لا تهمها الحقيقة ، بل تريد أن تسمع فقط ما لا يتخالف مع قناعاتها ورجل الدين يوفر لها ذلك بخطابه الملون الحاض على الخنوع والصبر والإستسلام لثقافة للموت باعتباره القدر المحتوم ، وإن كان كذلك فقط ، فلماذا خلقنا الله ؟ هل فقط لنموت ؟ أو من أجل رسالة هادفة ؟ يقول جلال الدين الرومي : إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا، وهو ما يفسر بالضبط طريقة النظر للدين هي المجتمعات الشرقية ... إن العجيب هو الإنفصام الذي تعيشه هذه المجتمعات ، فمعظم المتدينين اليوم يرتكبون الفضائع باسم الدين في حين أنهم يفتقرون لأساسياته خاصة فيما يتعلق بالعلاقات العامة : الإحترام ، حق الجار ، حق الوالدين ...والأعجب أن الكثيرين منهم مستعد لترك مجتمعه هذا المتدين والعيش في المجتمعات الكافرة الغربية إذا ما تسنت له الفرصة ، وهو نفسه المؤمن بأن العودة إلى الدين هي سبيل التطور ...
لقد ضاعت بوصلة الثورة التونسية بالأساس عندما تم تغيير شعاراتها الأساسية من خبز ، حرية ، كرامة ، تشغيل ، تنمية وعدالة إلى حجاب وشريعة ودولة دينية ، والشعب مسلم ولن يستسلم و موتوا بفيضكم ! وهاهي السنوات تمر والواقع يتردى من سيء إلى أسوء، فالإنهيار اليوم شمل كل القطاعات الإقتصادية ومعظم الفئات الإجتماعية ، فتراجع مستوى الدخل السنوي الفردي مثلا من 4176 دولار سنة 2010 إلى 3712 دولار تقريبا في 2017 أي إنخفاظ بمستوى يفوق 11 بالمئة مع إرتفاع قياسي في مستوى الأسعار الذي من المنتظر أن يفوق نسبة 8 بالمئة سنة 2018 ، و وإستقرت نسبة البطالة فوق 15,5 بالمئة (حسب المعطيات الرسمية ) لتشمل أكثر من 350 ألف من حملة الشهادات العليا. و من جهته تواصل تراكم العجز التجاري الذي وصل إلى حوالي 15 مليار دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2018 (مقابل 16 مليار دينار لمجموع سنة 2017) رغم قانون المالية لسنة 2018 الذي شرع لإرتفاع الآداءات وخاصة منها الجمركية، و ليثبت مرة أخرى عدم فاعلية السياسات الحكومية في الحد من العجز المتدفق والذي زاد من حدته إنحدار الدينار الذي عرف تراجعا مهما أمام العملات الكبرى خلال هذا العام : حيث فقد 15 بالمئة من قيمته أمام اليورو وحوالي 20 بالمئة من قيمته أمام الدولار.
ولا يزال البعض يدفع إلى تقسيم الشعب وإلهاءه بالخلافات التافهة التي لا تزيد من الأمور إلا تعقيدا ! فالقضية اليوم هي عودة الأمل للشباب أساسا وللطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة، وذلك يمر أولا عبر عودتهم إلى الشارع لا غير فهو الوسيلة الحقيقية لتغيير هذا الواقع المزعج ولكي يصل صوتهم مجددا ولكي تعتدل بوصلة الثورة من جديد ، أما لهؤلاء ، باعة الوطنيات والخوف المزمن على الإقتصاد، وأصحاب نظرية الإضراب إنقلاب أو لا وطنية الإضراب ، عليهم أن يدركوا أن الشعب صبر ل7 سنوات كانت فعلا عجاف و، أن الأزمة الإقتصادية هي نتيجة التعيينات والسياسات الفاشلة والفساد الإداري والمجاملات ، والإقتسام الحزبي للمؤسسات العمومية ،و الرشاوي والنهب بالأساس ولم تكن نتيجة إضراب العامل من أجل حقه في الضمان الإجتماعي وتحسين وضعه الإقتصادي في بلد تضاعفت فيه الأسعار 3 مرات في 7 سنوات ! غير أنه الإعلام يجرم من يريد ويعطي الحق لمن يريد ، والجميع يعرف من يمتلك هذا الإعلام.
إن موجة الإحتجاجات التي تجتاح العالم لتحسين الظروف الإجتماعية والإقتصادية وإلغاء السياسات التقشفية المعتمدة من الكثير من الحكومات منذ ما يقارب ال10 سنوات ، آن لها أن تجتاح العالم العربي ، ولكن الخطر الأساسي هو أن يتم إستغلال هذه التحركات وتحويل مطالبها من السياسيين أساسا ومن الإسلاميين خصوصا لنعود إلى تلك الدائرة المفرغة ، لذا وجب أن تكون التحركات هذه تواصل لتحركات المجتمعات الغربية ، أي لا تننتمي لأي حزب أو تيار سياسي وأن تكون المطالب إجتماعية و إقتصادية بالأساس...


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد القادر معيوف

, تونس