أضيف في 22 دجنبر 2018 الساعة 14:20

سؤال الاحتجاج في المغرب


رشيد اليملولي
سؤال الاحتجاج في المغرب .
تنتصب الحالة الفرنسية و التونسية معا قيما احتجاجية ، مع التفاوت في الدرجة و المستوى لإحراج النموذج السياسي و الاجتماعي في المغرب،ووضعه في سياق التساؤل الإشكالي المشفوع بانطولوجيا المفارقة الحدية ، فإذا كان النموذج التونسي يبني ذاته باستمرار و تعثر ملحوظ ، فالدال أنه يسلك نسقه الخاص الذي يميزه على صعيد شمال افريقيا و العالم العربي ، إذا أخذنا بعين الاعتبار تقارب البلدين في المستوى الحضاري .
أما النموذج الفرنسي فقيمته تتحدد باعتباره مرجعية تاريخية و سياسية و ثقافية و اقتصادية ، لا يحيد المغرب عن تتبع مسالكها و دروبها مع استحضار الفارق الحضاري طبعا في البنية و فلسفة الدولة .
استطاع الاحتجاج الفرنسي أن يبني لنفسه مسارا نوعيا في الدفاع عن الحركية و الدينامية المميزة له ، باعتباره نموذجا سياسيا و اجتماعيا يحتذى به ، في تقدير إنسانية الإنسان و أصالته و حقوقه ، لدرجة أن التقدير الاجتماعي للفرد و مستوى معيشته يرقى إلى فلسفة فرنسية خاصة تميزه عن باقي البلدان ، و السمة التي أضفت على أصحاب البذلة الصفراء ، تكمن في حجم الطاقة على التعبئة و النفس المعتمد في المطالب بوعي ، و إن تباين و اختلف في لحظات معينة ، إلا أنه بقي أسير مرجعيته الخاصة في الدفاع عن الطابع و القيمة الاجتماعية للطبقة المتوسطة المحرك النوعي للاقتصاد و الثقافة و الفن ، أي إضرار بها هو بالضرورة إضرار بالطابع الاقتصادي للدولة .
ولا ينفصل سلوك الدولة عن سلوك الطبقة المحتجة ، إذ أبانت الدولة عن حس عالي في تقدير حق الإنسان في الاحتجاج ، و إن انزلقت عن مسارها الإنساني في لحظات معينة ، و مع ذلك بقيت أمينة لحسها الإنساني و الاجتماعي ، و لا أدل على ذلك من مقياس العنف و جرعته المستعملة ، و التي لم تتجاوز الطابع المعتمد في المغرب على سبيل المثال ، و هنا القيمة الفلسفية المستخلصة من احترام الإنسان و أحقيته الاجتماعية و الحقوقية ، و من ثم تصرف الدولة وفق تصور مؤسساتي يراعي القيمة الحضارية للإحتجاج ، و يضمن عدم انزلاقها إلى مخاطر الفتنة و الفوضى ، بضمان الحقوق الدنيا للإنسانية و طرق تعبيرها عن ذاته و حقوقها .
تجربة البذلة الصفراء الفرنسية تطرح العديد من علامات الاستفهام على السلوك الاحتجاجي في المغرب ؛ فحرب بالمؤسسات الأمنية و انطلاقا من فلسفة الدولة أن تستلهم النزوع الحقوقي في التجربة الفرنسية بناء على تعاملها المؤسساتي مع الفئات المحتجة ، أي ضمان الأمن و دون الإخلال بالحق ، وتأويله وفق مطامح و تأويلات لا تعدو أن تكون في غالبيتها نشازا ، لا يستند على أي قاعدة حقوقية و إنسانية في الآن معا ، سوى التقيد بالنظام و الأمن العام بشكله الفضفاض و غير الدقيق ، و في هذا السياق لا يعقل أن تكون فرنسا أبا و أما و أختا و عمة و خالة في كل صغيرة و كبيرة إلا في المسألة الحقوقية و دسترة العنف و تحويله إلى مادة دستورية و قانونية ، في ضوئها يتم تأويل الحدث الاحتجاجي ، و ليس داخل أروقة لا ترى في الاحتجاج إلا فوضى و فتنة و تواطؤ ، و تحالف مع قوى أجنبية أو خلايا إرهابية نائمة ، و غيرها من الأيقونات المادية التي تعلق عليها الدول الفاشلة لتبرير عنفها غير المؤطر و غير الإنساني ، بل و أحيانا هتك كل الحرم و المقدسات باسم الأمن الذي لا يعلو عليه أحد حتى لو كان إنسانية الإنسان .
إن الحركة الاحتجاجية الفرنسية أبانت عن روح احتجاجية منظمة ، مكفولة بتصور معين و ببرنامج مسطر يخالف أي ارتجالية أو انطباعية ، مسبوك و فيه فعالية و فاعلية ، استطاعت أن تنتزع لنفسها مطالب في حدودها الدنيا حتى لا نقول القصوى ، على خلاف الموت المنظم الذي يطبع السلوك و الثقافة النقابية في المغرب ، و التي أصبح وجودها طقوسيا يحتفل بالانتصارات التقنية ، و يعبر عن موسميته في فاتح ماي ، و كأن الاحتفال قد تحول إلى جنازة غائب ، و لا ندري بأي صفة و أي معنى يتم التغاضي عن تسطير برنامج نضالي مشروع ، و مواجهة تصور معين للدولة حتى لا نقول مواجهة مؤسساتها ، وطبعا العميقة و بالأساليب المشروعة في ظل حرب ضروس على المكتسبات الاجتماعية على قلتها ؟ ، بل و نكاد نجزم أن الاستقالة النقابية من الحقل الاجتماعي و السياسي تنتظر فقط خروجها القانوني إلى حيز الوجود ، ما دام أن موتها قد تأكد و أصبح واضحا للعيان ، لدرجة انتقل فيها الجيل النقابي في ظل الجيل الحقوقي إلى أداة لتمرير السياسات غير الاجتماعية لتصور معين من الدولة ، و تنويم القواعد في حسابات السلاليم و الأجور الزهيدة التي يتم الإعلان عنها بين الفينة و الأخرى لقتل ما يسمى بدعى بالحوار الاجتماعي ، و كأن السعي حثيث إلى قتل الاحتجاج و الرفض و قتل حتى الممانعة و لو كانت رمزية ، فهل الإشكال إشكال مؤسسة دولة أو نقابة أم فرد ؟ .
إن حيوية المجتمعات تقاس بحيوية أفرادها و أفكارها ، و من ثم حيوية الدولة نفسها ، و أي نزوع أو حتى التفكير خارج هذه الحركية ليعد البوابة الكبرى للموت البطيء و الممنهج ، و تنامي وثائر الاستقالة و الفشل و الإفشال ، فلا الدولة قاردة على التفكير أو الفعل خارج الرهاب ( التفكير الأمين الصرف ) ، و لا المواطن قادر على على تقديم نفسه قربانا للتاريخ و القيمة و الرمز ، و لا المؤسسة قادرة على الثورة على نفسها لتكون من الإنسان و له و فيه ، و هنا يصبح السؤال ؛ بأي معنى نتحدث عن دولة ؟ و هل الدولة دولة حين يموت الفرد و المجتمع ؟ أم أنها أسلوب و غاية لقتل الفرد و المجتمع حتى تعلو دولة المجتمع من دون روح و ثقافة و قيمة ؟ .
لقد أفرز احتجاج البذلة الصفراء قيما للتساؤل الضمني على الفلسفة الأمنية في المرغب ، و حدود تفاعلها و تأويلها للنص القانوني و الستعلاء عليه ، بمقومات النظر و الفعل لا تمتح من المعين الإنساني و الدستوري ، و إنما من التصور السلطوي ، و إن كان من نتيجة آنية لهذه القاعدة فهي توريط السياسي في الفشل و الإفشال المنظم لكل السياسات الاجتماعية ، لأن مشروعية العمل السياسي و النقابي تتأدى بالضرورة من هذا المنطلق في التفكير الذي يصبح فيه العمل السياسي مرهونا باليد الثقيلة و العقل غير التنموي للسلطة ، و ليس رحابة الثقافة المؤسساتية للأمن ، و لنا خير دليل في الاحتجاج الموازي لشرطة فرنسا على الحكومة ، و بل و الدلالة المستوحاة من حجم و طبيعة العنف الممارس على الاحتجاج ذاته .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب