أضيف في 20 دجنبر 2018 الساعة 20:06

غضب الضفة.. ماذا لو اشتعل أكثر؟


ياسر الزعاترة

حين عاد ياسر عرفات -رحمه الله- من قمة كامب ديفيد في أيلول عام 2000، كان قد أيقن أن أحلام تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى دولة حقيقية، بل حتى شبه حقيقية على الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية هي وهمٌ كبير، وأن السقف الذي يعرضه الصهاينة عليه لا يمكن أن يكون مقبولاً، وسينتهي هو شخصياً برصاصة من قبل الفلسطينيين لو وافق عليها، كما قال لمحاوريه في تلك القمة.
لم يكن وحده هو من أصابه الإحباط، فالشعب الفلسطيني كان كذلك من قبل، فالسلطة لم تقدم له شيئاً يُذكر، وأحلام الدولة باتت هباء، ووصل غرور القوة بالصهاينة حد المطالبة باقتسام المسجد الأقصى.
لم يكن الغضب الفلسطيني في حاجة لأكثر من شرارة حتى ينفجر، فجاءت زيارة شارون للمسجد الأقصى لتمثل تلك الشرارة التي أشعلت الغضب.
يومها كان عدد كبير من أبطال «حماس» الذين أوجعوا الاحتلال، وصاغوا ملاحم العمليات الاستشهادية خلال التسعينيات رهائن في سجون السلطة، وكثير منهم في سجون الاحتلال أيضاً، بجانب جحافل من الشهداء.
خرج الأبطال من السجون بعد الهبّة الجماهيرية التي أعقبت زيارة شارون للأقصى، وما هي إلا أسابيع حتى كانت الأرض تشتعل ناراً تحت أقدام المحتلين، وبدأت موجة من المقاومة والبطولة هي الأكبر في تاريخ الشعب الفلسطيني، فيما عُرف بـ «انتفاضة الأقصى».
في هذه الانتفاضة، التحمت كل فصائل الشعب الفلسطيني وقواه، بل شارك كثير من شباب الأجهزة الأمنية فيها، وترك عرفات الانتفاضة تذهب نحو مداها الأبعد، آملاً في أن يؤدي ذلك إلى تغيير في برنامج الاحتلال، لكن التردد في حسم خيار المقاومة، واستمرار المراهنة على التفاوض، وبؤس الوضع العربي ما لبث أن حاصره في المقاطعة، وانتهى باغتياله، وصولاً إلى تكريس برنامج جديد للاحتلال عنوانه «الحل الانتقالي بعيد المدى» -بتعبير شارون- والذي سيفضي تالياً إلى انسحاب الصهاينة من قطاع غزة، كمقدمة لنقل التجربة إلى الضفة ضمن إطار محدد بما يعرف بمناطق (أ)، وربما (ب) لاحقاً إذا استقر الوضع. جاءت القيادة الجديدة التي تآمرت على عرفات، وسهّلت اغتياله، وفي وعيها أن المقاومة «عبث»، وأنها ضيّعت إنجازات السلطة، فعملت بكل ما أوتيت من قوة على إعادة تشكيل السلطة -شكّلها أمنياً الجنرال الأميركي دايتون، واقتصادياً توني بلير- على نحو أكثر تعاوناً مع الاحتلال، وهو ما كان إلى الآن. اليوم، تقول تلك القيادة إنها تواجه «صفقة القرن»، وإنها ترفضها، لكنها لا تجرؤ على ترجمة ذلك واقعاً على الأرض يغيّر برنامج الاحتلال، فهي توفّر له «احتلالاً فاخراً» يغريه بمزيد من الغطرسة، وهي تعمل كل ما في وسعها من أجل مطاردة المقاومة، بل تعلن أنها تريد نقل تجربتها الكارثية إلى قطاع غزة كشرط للمصالحة، وفي النتيجة فهي تكرّس تصفية تدريجية للقضية دون إعلان، فيما يأتي الوضع العربي الراهن -ومعه الإقليمي والدولي- ليغري الصهاينة بإتمام عملية التصفية. قلنا من قبل، إن العامل الأكبر الذي يُعوّل عليه في إفشال هذه المؤامرة يتمثل في انفجار الضفة الغربية، كما انفجرت من قبل في انتفاضة الأقصى، وهذه المرة بشعار واضح ومحسوم عنوانه انتفاضة شاملة حتى دحر الاحتلال عن أراضي 1967، دون قيد أو شرط، وتفكيك المستوطنات، وإطلاق الأسرى. الأيام الأخيرة منحتنا بشارة بإمكانية ذلك، فموجة العمليات التي تابعها كل المخلصين في الأمة، أكدت أن نبض المقاومة في الضفة لا يزال كبيراً، وانحياز الناس لخيارها أكبر، وإذا ما أوفت قيادة عباس بوعودها بوقف التعاون الأمني، فإن المشهد برمته سيتغير.
هذا يعني أن الكرة في ملعب حركة فتح، فالانتفاضة ستظل صعبة بدونها، فكيف إذا كانت ضدها ومنحازة لخيارات السلطة البائسة، ما يفرض على شرفائها مسؤولية الضغط على هذه القيادة، كي تتخذ موقفاً حقيقياً لإفشال مؤامرة تصفية القضية، أو تترك المجال لغيرها، أما استمرار الخطابة فلن يجدي نفعاً بأي حال.;


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ياسر الزعاترة

كاتب ومحلل سياسي   / , فلسطين المحتلة