أضيف في 13 دجنبر 2018 الساعة 01:46

التشكيلية صليحة مجاطي معزوفة الحزن الصامت باللوحات المتمردة. >>>>خيرة جليل


خيرة جليل
التشكيلية صليحة مجاطي معزوفة الحزن الصامت باللوحات المتمردة.

يقول أحد الباحثين في علم الجمال:"إن هذا الجمال المكسور والآلام والأخطاء هي ما أوجدت لنا الفن الذي نستمتع به، إن فكرة الكمال تبدو أقرب لمؤامرة كبرى صممت لتجعلنا نشعر دائما بأننا نفشل، وأن مستقبلنا يتداعى، لقد خلقنا لنخطئ ونتقبل نقصنا وتصيبنا الفوضى أحيانا، ثم نخلق من قلبها نظامنا الخاص، لقد خلقنا لنجد الجمال والحب ولنبحث عن النعمة بداخل آلامنا".و ما تشاهده الساحة العربية حاليا والعالمية عامة من نشاط وحركة ودينامكية في المجال التشكيلي لا يعبر عن قطيعة مع ما كانت عليه المدارس التشكيلية أو ما وصلت إليه التشكيل في الحداثة و ما بعدها، إنما يعبر عن الاحتقان بالساحة الثقافية والاجتماعية الاقتصادية وما شاهده العالم من تغيرات فكرية وفلسفية إلى درجة غابت فيها معاير الجمال والفلسفة المؤطر للإبداع ، لكن هذا لا يعني أن عالمنا العربي لا توجد به تجارب جادة وربطت الحركة الإبداعية بالنشاط لثقافي الجاد، وهذا ما أسعى إلى الوقوف عليه في مقالاتي النقدية متبعة منهجا تحليليا تركيبيا للخروج بقواعد نقدية تبعدنا على المجاملة وتؤسس للنقد التشكيلي العلمي الجاد.
اليوم سنتناول تجربة تشكيلية تميزت بعمقها وبعد دلالتها رغم قلة إبداعاتها، لأنها تربط بين نذرة العمل والجودة فيه، وتجربة اليوم هي أعمال التشكيلية صليحة مجاطي؟ فمن هي هذه الفنانة ؟ وما هي المدرسة التي اختارت التعبير في إطارها ؟ وكيف تنظر إلى الإبداع بصفة عامة والتشكيل بصفة خاصة؟ وكيف تعاملت مع المنشأ التشكيلي ككل؟
التشكيلية صليحة مجاطي تشكيلية من موالد مدينة بركان، مناضلة حقوقية وصاحبة قضية فكرية وممارستها للتشكيل لم يكن وليد الصدفة. تلقت تكوينها في هذا المجال ككل الفنانين العصاميين بالمدرسة العمومية، لكن استكملت تكوينها بأوربا بتشجيع من والدها وأسرتها. أول لوحاتها حلقت بالفضاءات والقاعات الفرنسية والهولندية بخجل في هدوء تام دون غرور أو بهرجة. أعمالها لقيت استحسان الكثيرين ولقيت إقبالا كبيرا بحيث لم تكن تعود للمغرب بهذه اللوحات.
أعمالها تمزج بين مدرستين تشكيليتين مختلفتين أو ثلاث مدارس وهي التجريدية والانطباعية ولمسات واقعية ، مما جعلها شبه أعمال التشكيلي شاكال chagal.
لكي نفهم سبب لجوئها إلى العمل التجريدي علينا أن نفهم الفنان نفسه، تطوره ودراسته وخلفيته، والعناصر الذي استخدمها وكيف وصل إليها؟ وأنا أرى ليس من السهل أن نفهم عملها التجريدي بمعزل عنها وعن ما ترسمه وعن الفترة الزمنية التي تمر منها، بل وترتبط عناصر العمل الفني لدى التشكيلية مجاطي ارتباطا وثيقا فيما بينها لا سبيل إلى انفصالها،نظرا لارتباط المادة بالصورة، وعند دراستنا للصورة أو الشكل الواقعي الذي تدمجه التشكيلية بعملها التجريدي لا نستطيع أن نجعلها منفصلة عن باقي العناصر المكونة "المادة، التعبير، المحتوى" والتي تشكل نوتات ومعزوفات فنية شبيهة بالنوتات الموسيقية التي تستمع إليها التشكيلية، وهذا الفصل لا يكون إلا في الذهن أو أثناء الدراسة والتحليل،وعليه فهي تشبه إلى حد كبير في طريقة إبداعها "كاندنسكي" الذي استوحى عدداً كبيراً من أعماله من مقطوعات موسيقية شهيرة، حيث جعل كل لون يعبر عن نوتة موسيقية معينة، وكل توليفة من الخطوط والألوان معاً هي مقطوعة مستقلة ومشهورة، لقد كان كاندنسكي يشعر بأن للون الأصفر مثلا صوت يختلف عن اللون الأحمر وهكذا. وهذا ما لحظناه لدى التشكيلية المغربية مجاطي فهي تترجم حزنها وفقدانها لوالدها أولا والى والدتها كمرحلة ثانية إلى أعمال عميقة وحزينة يغلب عليها اللون البنفسجي و الأزرق و الرمادي ونحن نعلم دلالة هذه الألوان نفسيا وروحيا. فهي صرخات حزن وحيرة وعدم رضى في نفس الوقت.
وإذا كانت الصورة إنما تشير إلى طريقة معينة في النظر إلى الأشياء والإحساس بها في علاقة بعلم الأحجام والنسب والألوان ، كما يقول أوجست رودان " إن الفن ليس إلا شعوراً أو عاطفة ، ولكن بدون علم الأحجام والنسب والألوان ، وبدون البراعة اليدوية ، لا بد أن تبقى العاطفة – مهما كان قوتها – مغلولة أو مشلولة ". وتقدم المادة محلّ الاختبار بحيث تكون على استعداد تام لأن تصبـح بطريقة فعالة ناجعة عنصراً لبناء خبرة جديدة - على حد تعبير "جـون ديوى"*1. فإن صورة - أو شكل - العمل الفني لدى التشكيلية صليحة مجاطي - كما يرى "هربرت ريد"*2 - هي الهيئة التي اتخذها العمل، وأعمالها في معظمها هيئة ألوان يطغى عليها اللون الأزرق والبنفسجي يطل منها شبح امرأة متمردة على شكلها، وهذا يحيلنا على شخصية صليحة مجاطي الحقيقية التي تتبنى الفن التشكيلي كصرخة من صرخات الانتفاضة والتمرد على واقع هي ليست براضية عنه ... فإن كل شيء من هذه اللوحات الفنية التي تبدعها قد يتخذ هيئة خاصة، وتلك الهيئة هي شكل العمل الفني الخاص بها بطريقة جريئة تستنطق فيها ألوانها وأشكالها ورموزها. إن هذه الهيئة الفنية من إبداع الفنانة تكون تمردا على المألوف وعلى المدرسة الواقعية والتجريدية في الآن، نفسه لتضفي لمستها الخاصة على العمل الفني. ففي أعمالها تمزج بين التجريدي بضربات لونية قوية والتجسيد تارة بشكل انطباعي توهيمي تارة بشكل واضح وجريء كما كان يفعل التشكيلي شاكال لكن بصيغتها المغربية. فالفنانة ليست فقط هي ذلك الشخص الذي يرسم اللوحة...بل أيضا يمكن أن تكون فنانة تصنع هيئة للصرخة والانتفاضة والرغبة في التغيير بشكل تشكيلي فني له رؤية فلسفية جمالية . وهذا يعود بنا إلى التصور اليوناني القديم الذي يرى أن الفن هو إضفاء صورة على "هيولى" ، أو هو صنع شيء ما كان إلى الوقت القريب سجين فكرها فقط فأخرجته ليصبح شيئا ملموسا في الواقع. وأحيانا تضيف إلى الجانب الجمال الشكل وهو القيمة النفيسة للفن والمميزة له، لانه يوضّح ويُثْرى وينظم التعقيد كما نَظَّرَ لذلك "جيروم ستولنيتز"*3 مستلهمة أعمالها من معزوفات موسيقية وطنية أو عالمية، فجاءت أعمالها بقامة أعمال الذي يقول: "إن موسيقى فاغنر اجتاحتْني اجتياحًا عفويًّا، كان من العمق بحيث استطعت من خلالها أن أرى كلَّ الألوان المحبَّبة إلى قلبي بعيون روحي الهائمة في أرجاء المكان، وأن أبصر خطوطها المتوحشة التي أوصلتْني إلى حافة الجنون، من خلال حركتها وقدرتها على رسم عدد من اللوحات أمام ناظريَّ".
من يعرف التشكيلية صليحة مجاطي يعرفها كمناضلة حقوقية بالدرجة الأولى وتركت الفن كمتنفس لها ولم تعرض في بداية مسارها أعمالها إلا بفرنسا ،هولندا وأمريكا. لم تنفتح إلا في السنوات الأخيرة على المعارض الوطنية لان همها الأول كان هو التأطير الفكري الحقوقي للناشئة ومحاولة انتشالهم من براثن الفراغ والتطرف الديني أو الفكري فكونت خلية إبداع احتضنت العديد من المواهب الناشئة وانفتحت على مدن مغربية أخرى، وأطرتهم ليشاركوا إلى جانبها بالنسخة السابعة لأجنحة السلام للتشكيل العالمية لسنة 2018 المنظمة بنيويورك بأمريكا.ما يلاحظ على تجربتها التشكيلية أنها ولدت راشدة ولم تحتاج لوقت للنضج، بل كانت تجربة عميقة لأنها تلخص فيها تجربتها الفنية الفلسفية الفكرية. جاءت أعمالها وهي تمتح أساسا من فكر كاندينسكي الذي لم يتعال على جمهوره ويكتفي بالرسم فقط دون شرح، خصوصا مع الغموض الذي يخيم على أعماله، بل أنتج كتابات فلسفية كثيرة في هذا الموضوع ساعدت جمهوره على فهم أعماله، بل وأرشدهم إلى المقطوعات التي كان يستوحي منها أعماله بأن جعل أسمائها عناوين لأعماله. ومن هنا جاءت أعمال التشكيلية بدورها قوية وعميقة وغامضة أحيانا. والسبب الذي يجعل أعمال الفنانة التجريدية على هذا القدر من القوة هو أنها تقلل تشتت الوعي إلى أدنى درجة ممكنة، فحينما ننظر مثلا إلى إحدى لوحاتها الفنية ، فإن غالبية مجهودك الذهني يكون في إدراك ومعالجة الصور التمثيلية لوجه المرأة الصارخ ، بينما عندما تنظر إلى باقي الأجزاء التجريدية للوحة ، فلن تشتتك عنها صور لها معنى محدد ككل ، فيكون تركيزك بالكامل على الشعور باللوحة كشكل فني تعبيري ، يمكنك أن تفتح نفسك على اللوحة بألوانها ورموزها .....، ويستقبلها داخلك، ويسمح لها بأن تحاور جوانب متعددة داخلك .وهنا تسبح في ألوانها وفي المعظم تهيمن الألوان البنفسجية والزرقاء على أعمالها.
عادة إحدى أشهر الأفكار المرتبطة بالفن التجريدي لدى الكثيرين وهو البساطة، في دلالة واضحة على أن الكثير من الناس لا يرون في اللوحات التجريدية سوى العبث والسذاجة، لكن هل هذا ليس صحيح ،إذا نظرنا إلى لوحة من لوحات التشكيلية صليحة مجاطي فإنها أعمالها تأخذ من الحركة التجريدية الحديثة، بحيث أن التكوين في اللوحة جيد، والتباين اللوني أيضا جيد، وعناصر اللوحة الفنية جميعها مكتملة، لكن تظهر المشكلة عندما نجد أنفسنا غير قادرين على فهم هذا العمل الفني، ونجد صعوبة بعض الشيء في قراءته بالطريقة المعتادة التي نشاهد بها الأعمال الفنية التمثيلية التي تصور أشياء واضحة ومعروفة ، وقد أدركت ذلك الفنانة فحاول أن تضيف إليها لمسة تمثيلية لوجه امرأة متمردة حتى تسمح للمتلقي أو المشاهد بالدخول إلى عمق العمل الفني ، وهي بذلك كأنها تفتح له نافذة لكي على عوالمها الفكرية والجمالية الغنية بالأحاسيس والانفعالات .فجاءت أعمالها الفنية مريحة للعين بشكل أو بآخر عندما نراها، وعناصرها الفنية مكتملة، ولا نشعر أنه مجرد ألوان وأشكال غير متجانسة . دون أن يتطلب الأمر منك بذل بعض الجهد، لان الفنانة تدرك وظيفتها جيدا وهي أن تبدع لوحة فيها من البراعة ما يجعلك تحس حينما تنظر إليها بتغيرات فعلية فيما تشعر به وأن تختبر وعيا مختلفا بذاتك؛ وتكون وظيفتك أنت أن تجهز عقلك خاليا من الأفكار والتصورات المسبقة لكي تتمكن روحك من التأثر بما تراه، ومعنى هذا أنه لو أنك تسعى حقا إلى تذوق عمل فنى تجريدي، عليك أن تسلم نفسك، وتضعها بين يدي الفنان، وتتركه يصطحبك إلى حيثما يريد. وهذا ما تمارسه التشكيلية مجاطي عن وعي قناعة فكرية وجمالية.

عموما إذا طبقنا هذا الرأي على لوحات صليحة مجاطي ، سنجد أن لها رؤية خاصة جدا عن العمل الفني، لقد قامت نظريتها على فلسفة كاندسكي و نظرة شوبنهاور في علم الجمال، والتي تجعل الموسيقى أعلى أنواع الفنون قيمة نظراً لأصالتها، فالمقطوعات الموسيقية مبتكرة ولا تحاكي شيئاً موجوداً في الواقع، وتلك هي لوحات صليحة مجاطي كلها لوحات مبتكرة وليست استنساخ لأي عمل كان،لأنها اعتبرت التشكيل لغة للتعبير عن أفكارها و إشكاليتها الفكرية والقيمية والجمالية الفلسفية ومعزوفات أحاسيس صادقة وعميقة..


بعض المراجع :
*2 "هربرت ريد": التربية عن طريق الفنّ - ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد - مراجعة مصطفى طه حبيب - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة – 1996..
*3 " جيروم ستولنيتز ": النقد الفني - دراسة جمالية وفلسفية - ترجمة فؤاد زكريا - الهيئة المصرية العامة للكتاب - الطبعة الثانية - القاهرة - 1980 .
*4 انظر صليبا، جميل: المعجم الفلسفي - جـ1 - دار الكتاب اللبناني - الطبعة الأولى - بيروت - 1971.
*5 "هريرت ريد" معنى الفن - ترجمة سامي خشبة - مراجعة مصطفى حبيب - الهيئة - المصرية العامة للكتاب القاهرة - 1998 -
*6 "هنرى لوفافر" : في علم الجمال - ترجمة محمد عيتاني - دار المعجم العربي - الطبعة الأولى - بيروت 1954 .





قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب