أضيف في 9 دجنبر 2018 الساعة 09:19

عبدالحميد البكوش . . وقائع حقبة حرجة


ناصر سالم المقرحي
عبد الحميد البكوش . . وقائع حقبة حرجة
رغم قصر المدة التي قضاها كرئيس للوزراء في العهد الملكي مقارنة بغيره من الساسة إلا أنّ دوره كان مؤثرا ولا يُشار تقريبا إلى الشخصيات التي أسهمت في خدمة الدولة الليبية عقب استقلالها إلا ويُشار إليه كأحد الشخصيات التي لعبت دورا في تاريخها الحديث , نحن هنا نتحدث عن عبد الحميد البكوش الذي كان محور محاضرة ألقاها الباحث الشاب بدرالدين عبد الحكيم الورفلي بدار الثقافة والفنون بشارع ميزران , وذلك ضمن أنشطة الجمعية الليبية للآداب والفنون التي توافق الثلاثاء الأول من كل شهر , ولأن الباحث شاب واعد بالعطاء أُختير مثقف شاب هو نوري البوسيفي لتقديمه لجمهور الحاضرين , ومن خلال كلمته التقديمية الترحيبية المقتضبة عرّفَ بالباحث الشاب الذي وُلِدَ سنة 1988 ومعروفا عنه نشاطه المدني ضمن نادي النواة للقراءة ومهرجان الكتب المستعملة وإعداد برنامج أعلام ليبيا الذي يتناول بعض شخصيات التاريخ الليبي . المحاضرة حملت عنوان " عبدالحميد البكوش . . وقائع حقبة حرجة " وللتعريف بالشخصية التي تم وضعها تحت مجهر البحث وبدلا من الأسلوب التقليدي المعتاد وهو قراءة السيرة المهنية والسياسية والعلمية , بدلا من هذا جرى بث شريط فيديو قصير بتقنية العرض المرئي المكبر حشد فيه الباحث واختزل شخصية البكوش ، ومن خلال الشريط تناهى إلى معرفتنا أن البكوش الذي كان قد ولد سنة 1932 وتوفي في الإمارات سنة 2007 تلقى تعليمه الأساسي في ليبيا قبل أن يتحول إلى مصر حيثُ حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة وعُين في سلك القضاء عند عودته إلى ليبيا وترافع من ضمن ما ترافع عن المتهمين في قضية مجموعة حزب البعث , كما تم اختياره وزيرا للعدل في عهود ثلاثة رؤساء للحكومة وكُلِفَ بعد استقالة عبد القادر البدري هذا بتشكيل الحكومة العاشرة في عهد الأستقلال مع احتفاظه بمنصب وزير العدل , وأضاف الشريط المرئي بأن البكوش غادر إلى مصر عام ١٩٧٧ لينضم إلى المعارضة الليبية في الخارج , مُذكِراً في ذات السياق بخطة اغتياله التي أعدها نظام القذافي سنة ١٩٨٤والتي انتهت بفضيحة مدوية وفشل ذريع .
أيضا ومن خلال السرد المتصل لسيرة البكوش مرئيا أشير في العرض المرئي إلى موهبة البكوش الشعرية التي أسفرت عن إصدار عدة دواوين مثل " رحيل " و " أمل بلا غروب " و " قصائد من ليبيا " وأنه قد نشرت بعض كتاباته في صحيفة طرابلس الغرب على سبيل المثال منذ سنة 1961 وله قصائد تم تلحينها وغُنيت , أشار الباحث عابرا إلى هذا الملمح في حياة البكوش رغم أنَّ هذا الأخير أفرد له مساحة واسعة من وجدانه ووقته وموهبته كما يبدو , ونحن بدورنا نلمح إلى علاقة ذلك بمشروع البكوش التحديثي الذي أفصح عنه لاحقا ,فكون البكوش شاعرا لابد أن لذلك تأثير على أفكاره التقدمية والمتنورة .
يستمر الشريط في العرض ليقول أنَّ البكوش غادر مصر إلى الإمارات التي استقر بها حتى وفاته عقب تطبيع العلاقات بين مصر وليبيا , كل هذه المعلومات المهمة أوردها الباحث في الشريط الذي تم إعداده للإحاطة بالموضوع بالأستعانة بوسائل العرض الحديثة التي وفرت الكثير من الوقت والجهد .
وتجنبا لأي لبس أو عرقلة لعملية السرد المتتابع لم يكتفي الباحث بعرض التاريخ كما هو بل ذهب إلى تحليله ودراسته والبحث فيه بعمق , ذكَّر الباحث بالمراجع التي اعتمد عليها في بحثه هذا والمصادر التي استقى مننها معلوماته مثل صحف الميدان والحقيقة والرائد ومجلة ليبيا الحديثة والإذاعة ، ومجلتا والمصور وآخر ساعة المصريتين اللتين احتوتا على حوارات مع البكوش في الثمانينيات ، وبعض المذكرات الشخصية التي وضعها بعض الشاهدين على العصر ومقالات الكاتب سالم الكبتي عن البكوش وتاريخ ليبا في موقع ليبيا المستقبل .�كما أشاد بصورة خاصة بأهمية سلسلة ليبيا بين الماضي والحاضر للدكتور محمد المقريف ولاسيما المجلد الخامس منه الذي صدر هذا العام .
وأوضح الباحث ضمن حديثه أن البكوش الذي ورث تركة ثقيلة عن أسلافه فجاءَ إلى السلطة في ظل ظروف تاريخية صعبة كانت تمر بها المنطقة وليبيا , لعل تداعيات حرب ال 67 كانت أهمها والأحتقانات والمظاهرات التي أعقبتها وتوسع الورفلي في الإحاطة بظروف قدوم البكوش إلى الرئاسة , وحول انتماءات البكوش الفكرية تحدث الباحث عن بعض الأراء التي عدّتهُ شيوعيا واستحضر شيء من أراء وأقوال مجايليه في هذا الشأن وأشار من جانب آخر إلى تصريح البكوش ذاته بأحد لقاءاته من انهُ اشتراكي , ثم تطرق المُحاضر إلى جوهر فكرة البكوش التي تقول بانبعاث الشخصية الليبية وهي الفكرة التي تتمحور عليها كل سياساته بتقديري وهذا ما أفصح عنه في خطابه الذي دعا فيه إلى دراسة الشخصية الليبية التي حدد بعض ملامحها هو المشهور بمقولته التي كان يرددها وهي " ليبيا تمتد في التاريخ إلى ما قبل التاريخ " وإيمانه بالملك ادريس كرمز للدولة الليبية وحدة البلاد ونبه إلى تاريخ مقاومة الإستعمار الذي ينبغي أن يُتخذ كمصدر شعور بالفخر عند الليبيين واعتقاده الراسخ بأن الصحراء الليبية خلقت إنسان تتوفر فيه بعض السمات الجيدة كالصبر والشهامة والمقاومة , كل ذلك في إطار طرحه لمجمل المشروع , وكان يشدد على الثقة بالنفس خاصة في السياسة الخارجية التي يُفترض أن تراعي في الأساس وتلتزم التزاما تاما بمصلحة ليبيا قبل كل شيء , وعن طريقة تعاطي البكوش مع الإعلام نبه الباحث إلى ما جاء في أحد خطاباته التي دعا فيها إلى تغيير النهج الإعلامي والتركيز على الموضوعية والتعاطي بمسئولية مع الوقائع والأبتعاد عن التناول العاطفي .
وتوسع الباحث في الحديث عن فكرة الشخصية الليبية التي نادى بها البكوش وتناول انعكاساتها في كتابات بعض مثقفي الفترة , وعن نقد هذه الفكرة استحضر نصا مكتوبا للفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي الذي أقام بليبيا ودرّسَ بجامعة بنغازي سفه فيه الفكرة واعتبرها تافهة , كما ألمح إلى مقالات الأستاذ أمين مازن الأربع التي نُشرت وقتها تحت عنوان “ نحو محتوى أعمق للشخصية الليبية “ ، وأورد كذلك نصوصا للدكتور جمال حمدان من كتابه دراسة في الجغرافيا السياسية للجمهورية العربية الليبية . قبل أن ينعطف بنا الباحث مرة أخرى نحو تعامل البكوش مع وسائل الإعلام ومتابعته لما يُنشر ويُتداول من أخبار ، واستدل بمؤتمر الإعلاميين الذي عقد بمسرح الغزالة في أول عهد حكومته ، وبقصة تأثير مشروع البناء الحديث في شارع عمر المختار على الطراز المعماري ، وهو التعليق الذي نشرته إحدى الصحف ليبادر البكوش اليوم التالي إلى إصدار تعليماته بضرورة مراعاة الطابع المعماري للمنطقة قبل إحداث أي تغيير أو إضافة .
وطبعا هذا ملمح من ملامح ثقافية وفكرية عدة عُرِفَ بها البكوش إلى جانب تطوير البث الإذاعي في عهده وإنجاز جزء كبير من مشروع التلفزيون الليبي , وعدّدَ الباحث تاليا أهم أفكار البكوش السياسية وألمح إلى التقاء أفكاره بأفكار بورقيبة وتشابه في الخلفية القانونية والتكوين الثقافي الغربي والدعوة إلى بعث شخصية الوطن ، كما كان يؤمن ب”الاعتدال” في التعامل مع القضايا العربية والحذر عند التعاطي مع قضية فلسطين ، والحرص على مصلحة ليبيا قبل أي موضوع آخر , ودوليا كان له ميل واضح نحو الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وقناعاته بشأن تقوية الجيش الليبي قبل إجلاء القواعد الأجنبية في ظل أطماع كان يتحسسها من بعض دول الجوار , أما في أفريقيا فقد أحال الباحث إلى جهود البكوش التي تكللت بإزالة التوترات التي نشأت بعد احتساب السلطات الليبية لسكان منطقة أوزو ضمن الديموغرافيا الليبية عام ١٩٥٤ ولجوء زعيم المعارضة التشادية المسلمة لاحقا إلى ليبيا , وقد حضر وفد تشادي إلى ليبيا لمناقشة كل هذه القضايا وتم التوصل إلى اتفاق بشأنها وهو ما يعد نجاحا للسياسة الخارجية الليبية في عهد البكوش .
وفي حديثه عن شخصية البكوش أيضا كان لا بد من أن يغوص الباحث في تاريخ ليبيا الحديث ويشير إلى الكثير من شخصياته الفاعلة بهدف الوصول إلى الحقائق التاريخية وإتاحتها لطلابها لذا كان ضروريا كذلك أن يلمح إلى صفقة شراء معدات الدفاع الجوي التي أبرمتها بريطانيا مع ليبيا بقيمة ٤٢٠ مليون جنيه ، والتي كانت محط معارضة من قِبل الكثيرين ومن بينهم ضباط حراك سنة 69 واتخذوا منها ضمن موضوعات أخرى ذريعة للثورة على ما اعتبروه فسادا مستشريا واعتبروا صفقة الدفاع الجوي محاولة لتقوية ميزان المدفوعات البريطاني بحسب تصريح أحدهم الذي أورده هيكل في مقالته الأسبوعية [ بصراحة ] بتاريخ ٥ سبتمبر ١٩٦٩
وكان لإجراءات البكوش التي اتخذها بشأن مؤسسة الجامعة الإسلامية لناحية ميزانيتها وشئونها المالية وتعارض مشروعه التعليمي الذي يدعو إلى تدريس اللغة الأنجليزية في سنوات الدراسة الأولى وفتح مدارس فرنسية مع مشروع الجامعة التي دعت إلى استحداث مشروع التعليم الديني الابتدائي والثانوي دورا في تنامي المعارضة له ، ولم يكن الأمر في صالحه بعد هذا الصدام , سيما وأن الجامعة كانت لديها حظوة لدى الملك . وتطرق الباحث إلى ميل الملك إلى العزلة الشيء الذي أثر سلبا على أداء الحكومات ، وهو الأمر الذي كان سببا لشكوى العديد من السياسيين نظرا لأن التواصل كان يتم أحيانا فقط عبر الهاتف والتعليمات والأوامر الملكية كانت تحملها الأسلاك وذلك بطبيعة الحال لا يعوض عن التواصل المباشر , ودعا البكوش الملك إلى زيارة بعض المناطق لتقليص المسافة بينه وبين الشعب ونجح في هذا المسعى قبل أن يتحدث عن ظروف استقالة البكوش من منصبه وقبول الملك للأستقالة حال طرح فكرتها وعرضه المقدم للبكوش للعمل في بريطانيا كدبلوماسي معتمد .
عند هذه النقطة انتهى الوقت ولم تنتهي المحاضرة التي كانت مناسبة لا تتكرر كثيرا لتدارس تاريخ ليبيا والتذكير به وأخذ العبر منه والأهتداء به عند السير نحو المستقبل والشروع في التأسيس لهُ .
باب النقاش الذي افتتحه مدير النشاط نوري البوسيفي أستقبل المتداخل الأول رضا بن موسى الذي أعاد طرح سؤال البكوش سؤال الحداثة الذي يستدعي قبل ذلك سؤال الهوية أو سؤال من نحن قبل التفكير في الأنتقال من طور التخلف إلى طور التقدم .
الأستاذ أمين مازن أشاد بمجهود الباحث الشاب وقدم بعض الإضاءات التي أثرت الموضوع وأشار إلى اقترابه من البكوش عقب خروجه من الحكومة مثلما أشار إلى نقطة مهمة تتعلق بأن ما حدث بعد ذلك وحصول ما حصل سنة 1969 كان منتظرا من قبل البكوش ولم يكن مفاجئاً له .
علي شعيب المتداخل الثالث رأى أن يدخل إلى الموضوع من زاوية موهبة البكوش الشعرية وكما لو أنه أراد الإحاطة بها أكثر بعد أن أشار لها الباحث بدر الدين عابرا أوضح أن له قصائد مغناة مثل قصيدة " ألتقينا ولم يعد للحزن معنى " وألمح إلى علاقته بالمثقفين ليختم ببيت شعر يعود للبكوش يختزل فيه حبه لليبيا قائلا :-
أنا أهواك يا بلدي
لأنك لستِ لي وحدي
وحضن الأم ما أحلاه مزدحما .
الأستاذ حافظ الشروي تساءل بدوره عن الهوية وهو السؤال الذي لم تتم الإجابة عنه حتى الآن .
وأشادت الشاعرة حواء القمودي بعد ذلك بأداء الباحث الشاب وأبدت إعجابها بتقديم شخصية البكوش بلا تقديس ولا تدنيس حسب قولها وبموضوعية كاملة , كما لم تنسى أن تتوجه بالشكر للجمعية الليبية التي تقع هذه المحاضرة ضمن خارطتها الثقافية .
الأستاذة هند عون شقيفة التي ترتبط بأواصر قربى مع العديد من الشخصيات التاريخية أهمها والدها عون شقيفة ؛ وعبد العزيز الشلحي ، والسنوسي شمس الدين ، اللذين ذكرهما الباحث ، تحدثت عن مشروع يجمع مدنيين وعسكرين وكان يهدف إلى خلق ليبيا جديدة .
الأستاذ عمار جحيدر من جهته ألقى كلمة ثمّنَ فيها مجهودات الباحث ودعاه إلى توسيع هذه الرؤية التي طرحها , ولكن ليس على حساب تخصصه الذي يدرسه وهو الطب .
الأستاذ والكاتب المسرحي عبدالعزيز الزني القادم من مدينة درنة الزاهرة طرح سؤال , هل كان من الذكاء طرح سؤال الشخصية الليبية ؟ الذي أعتبره خطيرا في ذلك الوقت وهو ما وافقه عليه الباحث لاحقا .
وفي كلمته الختامية أشار الباحث إلى أن ما لم يقرأه من المحاضرة نظرا لتأخر الوقت يحتوي على العديد من التحليلات التي قد تضيء ما قبلها , وذلك تجنبا لأي تأويل خاطئ لما جاء في المحاضرة في جزءها الذي تم إلقاءه , واتقاءً لأي موقف قد يُنسب له في ظل عدم اكتمال المحاضرة , قبل أن يجيب على بعض الأستفسارات التي طُرِحت , بعجالة .
وقد ترافقت المحاضرة بوجود جهاز عرض وبطريقة متتابعة قام بعرض بعض الصور التي تتعلق بالشخصية موضوع المحاضرة أثناء استقبالها لبعض الوفود وتفقدها لبعض المشروعات واجتماعها ببعض الشخصيات السياسية .
*********
ناصر سالم المقرحي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا