أضيف في 7 دجنبر 2018 الساعة 21:44

تازممارت: مأساة في حق الإنسانية


المصطفى سالمي
قد يتفق بعضنا أو يختلف بشأن الخلفيات السياسية أو الفكرية للمعتقلين الذين زج بهم في معتقل (تازمامارت) الرهيب، وقد يطعن الكثيرون في انسياقهم ضد نظام الدولة بطريق القوة والتغيير "اللاديمقراطي" ـ على فرض صحة تورطهم المسبق في كل ما جرى وصدق الاتهامات الموجهة إليهم ـ لكن لن يختلف اثنان ولن يتناطح عنزان ـ كما يقال ـ حول بشاعة ما تعرض له هؤلاء، إلا إذا افتقد بعضنا للضمير الإنساني وللحس البشري وكان من البؤس الفكري ما يجعله دون مرتبة الحيوان حتى يتواطأ مع الجلاد ويتجرد من أية قيمة بشرية. لقد كان يمكن لهذه الجريمة النكراء ـ المتسمة بالتلذذ السادي بتعذيب عشرات المعتقلين وقتلهم ببطء ـ أن تكون عابرة تمر في صمت دون أن يعلم بها إلا علام الغيوب، لكن الأقدار شاءت أن تتحول لفضيحة في حق الإنسانية، خصوصا حين تسطرها أنامل شاعرية وبلغة أدبية راقية بالغة الحساسية من أحد المعتقلين ممن عاش رعب اللحظة التي قاربت عقدين من الزمن، ثمانية عشر عاما، أي (6550 ليلة بطول ساعاتها في البرد القارس وعرضها في الصيف اللافح)، إنه أحمد المرزوقي صاحب كتاب: (تزممارت: الزنزانة رقم 10) الذي اقتبست العبارة أعلاه، وسأقتبس عبارات أخرى أجعلها وحدها تنطق بكل شيء، وتمثل شاهدا على ما اقترف في حق الكائن المدعو "إنسانا" على يد من يفترض أن يكون أيضا "إنسانا"، وأشير للأمانة العلمية أن الفقرات المقتبسة هي من الطبعة الحديثة لسنة 2017 عن (مطبعة المعارف الجديدة).
لقد جيء بعشرات الآدميين من سجن القنيطرة المدني ذات ليلة من ليالي غشت 1973 مصفدي الأيدي معصوبي الأعين، ورمي بهم كالسلع في طائرتين عسكريتين حملتهم للتو نحو المجهول، فكانت الرحلة وحدها ـ بالنظر لظروفها وعوامل الترهيب النفسي الذي رافقها ـ جحيما حين يلعب الخيال بأصحابه ويوهمهم بأنهم في أية لحظة سيرمى بهم من الجو نحو البحر ليكونوا طعاما لأسماك القرش، لكن الطائرتين حطتا أخيرا في مكان هبت فيه ريح ساخنة، ليعرف المعتقلون وقتها أنهم في منطقة صحراوية قاحلة مقفرة.. وتبدأ رحلة العذاب.
يقول المرزوقي في الصفحتين 95 ـ 96: (تازمامارت توجد على ارتفاع 1500 متر فوق ارتفاع سطح البحر، وكان يكفي أن يحصل تغيير بسيط في مجرى هبوب الريح أو تلبد كثيف في السماء لكي يتجمد المكان والزمان معا، والطامة الكبرى هي أننا كنا قد قدمنا من السجن المدني بثياب الصيف الخفيفة، إضافة إلى أن بعضنا كان قد مزق إحدى لحافيه لاستعماله في أمور تافهة، معتقدا أن اللجنة العسكرية التي حدثونا عنها ستأتي لا محالة لتسوية تلك الوضعية الشاذة، وهكذا وبكيفية فجائية وجدنا أنفسنا مجردين من السلاح ونحن في مواجهة غول لا طاقة لنا به، غول رهيب أشيب كان ينخر فينا العظام نخرا ولا يدع لنا لحظة واحدة لنلتقط فيها أنفاسنا اللاهثة، كان كلما اقترب الليل قدمت جحافله بكل أنواع المناشير والمقامع لتشج وتحز وتمزق فينا العقل والأعصاب، فبعضنا كان يقضي الساعات الطوال في القفز المتواصل وكأن به من الجنون مس، والبعض الآخر كان يذرع الزنزانة في الظلام على نحو ما تفعله الحيوانات الأسيرة في أقفاصها الضيقة، أما فئة أخرى فقد كانت تستمر في حك أطراف جسدها بحثا عن سراب دفء، حتى إذا ما انتصف الليل وجن الزمهرير، أخذ زنك السقف يتفرقع كالقنابل الصغيرة، فتصطك الأسنان، وترتعش الفرائس، ويدوي صفير مرعب في الآذان، تنفلت بعده شهقات متوجعة يفشل في كبحها الكبرياء المنهار، فتعلن عن استسلامها دموع ذليلة صامتة، في هذه الساعات بالذات كنا نهيم عشقا بالنار، ونتمنى أن نقذف فيه، فنحترق ثم نعود، فنحرق ألف مرة علنا نرتاح هنيهة واحدة من جحيم ذلك الصقيع، ولولا إيماننا المطلق بالله وخوفنا من عذابه لانسقنا كليا مع فكرة الانتحار التي كانت تعشش في أذهاننا كل ليلة ليلاء، ملوحة لنا بالخلاص الأبدي من عتو الطبيعة وطغيان الإنسان، فأي أناس في البشر أولئك الذين كانوا يستسيغون أن نبيت ليالينا على ذلك الحال البشع، بينما كانوا يبيتون هم لياليهم في الدفء متخمين وملفوفين في الصوف والحرير؟ إن من الحجارة لما هو ألين من قلب ابن آدم!).
وأما عن سوء التغذية فتلك قصة أخرى أمر وأدهى، فالأكل المقدم لهم كان عبارة عن عشرين غراما من الخبز في الفطور ـ أو ما سمي بـ "الدملج" مع سائل هو أقرب إلى الشعير منه للقهوة وبدون سكر تقريبا، وكثيرا ما كان يتسبب للمعتقلين بقرحة المعدة، وأما الغذاء فالدملج أيضا مع (مغرفة صغيرة من عدس مسوس سابح في كثير من مرق لا لون له، أو مغرفة من حمص كنا نحسب حباته حسابا، فكان كل من حصل على خمسة وعشرين حبة يعد محظوظا، وأما التعساء فكانوا لا يتعدون ثمان حبات أو عصيدة فول..) ص 65 من المرجع السابق. وأما العشاء فمغرفة من المعجنات الرديئة إما النوع الرقيق (الشعرية) أو المحبب (المحمصة) أو المجعب (الجعابي)،مع قليل من الخبز، فكان الخيال يلعب دوره أمام هذا الجوع الذي يمزق الأحشاء في الليالي القاسية، يقول المرزوقي في الصفحتين: 104 و105: (كنا نتمتع بالحياة في الخيال بإسراف وبذخ، لاهثين خلف سراب اسمه الشبع بنفس اللهفة التي يركض بها المتخمون الميسورون عن سراب اسمه الارتواء، فإذا ما سكن الليل وخيم الصمت طوينا جناح الخيال وعدنا إلى قبورنا المنسية كما تعود الفئران المريضة إلى جحورها المظلمة، لقد كان للجوع ألم حاد فظيع، كنا نحس به كثعبان بألف رأس ورأس، يبدأ بالالتفاف حول أحشائنا فيصهرها صهرا، ثم ينهشها بعد ذلك بأنيابه الحادة السامة ليطرح بنا إلى متاهات الحمق والجنون. وقد كان البعض منا عقب تلك الوجبات الهزيلة التي كانت تقدم لنا يتعمد إخراج الطعام من معدته ليعيد مضغه واجتراره على نحو ما تقوم به الأبقار والجمال، وخياله الجائع المريض يستعرض أمام عينيه المغمضتين أشهى ما أكلت بطنه الجحودة من أطعمة منذ يوم ولد. إن مصيبة الإنسان تكمن لربما في بطنه، في ذلك الوعاء النتن الذي يبلع ثم ينسى مطالبا دائما بالمزيد، فإذا ما ألف الامتلاء انتفخ وترهل وأوحى لصاحبه بالطغيان والجبروت، وإذا ما اعتاد الفراغ ضمر وحث صاحبه إما على الفتك والسطو، وإما على المهانة والذل..)
وتمر السنون الحارقة الملتهبة العابثة بالأجساد والأعصاب، ففي الصيف تهاجمهم أسراب العناكب والفئران بأحجامها المختلفة، والحشرات الطائرة والزاحفة، والصراصير التي كان لبعض المعتقلين معها طريف الحكايات، لقد كان الأكل يتم في شبه ظلام دامس، ويلتقط صاحبنا اللقمة بيده ويدسها في فمه دسا، فيحس وهو يمضغها كأنما يأكل غضروفا، وفي المساء كان يتجشأ رائحة فوسفورية، لقد أدرك وقتها أنه أكل صرصورا، وحين جاء المسؤولون ورشوا المبيدات لقتلها لم يكلفوا أنفسهم إخراج المعتقلين قبل الرش، بل كانوا كأنما يبيدون الكائنات الحشرية التي تزحف على أرجلها مع كائنات أخرى يفترض أنها "آدمية"، وأمام الاختناق الشديد للمعتقلين وتقيؤهم لم يكن لهم كحل سوى دس أنوفهم في فتحة الباب الصغيرة لاستنشاق قليل من الهواء يبقيهم على قيد الحياة، وأما العقارب فكانت لسعاتها شيئا شبه معتاد ومتكرر، مثل ذلك زيارات الأفاعي التي كانت تتجول بحرية في المعتقل وداخل الزنازين قبل أن تنصرف لحالها، وأما الماء فكان لا يعطى منه في اليوم إلا خمسة لترات تصبح ساخنة في حر الصيف القائظ، فلا هي تكفي لإرواء الظمأ ولا تكفي للنظافة والوضوء أو لدورة الماء حيث المرحاض داخل الزنزانة الضيقة تنبعث منه روائح كريهة في هذا الفصل نظرا للرطوبة وشبه انعدام للتهوية وضيق المكان.. وحين قلت الصراصير بفعل المبيد المضاد لها تكاثر البق الذي بدأ بامتصاص ما تبقى من دماء في أجساد واهنة مهزولة كالهياكل العظمية، لقد كانت الصراصير هي عدو حشرة البق، وهي على كل حال أرحم من البق الذي لا يتيح للمعتقل لحظة واحدة ينعم فيها بالنوم من شدة لسعاته..!
ضعفت أجساد المعتقلين وهاجمتهم العلل والأمراض، أحدهم أصبح وزنه 29 كلغ، والتصق ثوبه بجسده كأنما هو جلد سميك له، وآخرون ماتوا إما بالحمى أو سوء التغذية أو من الاكتئاب وأسلموا الروح لخالقها، وكانت الجثث تدفن في مقبرة وسط المعتقل..
وبفضل جهاز ترانزستور هربه هؤلاء الرفاق إلى داخل إحدى الزنازين استطاعوا أن يعرفوا بعضا من أخبار العالم الخارجي، يقول المرزوقي في الصفحتين: 142 و143: (تعاقب على رئاسة البيت الأبيض ثلاثة رؤساء بعد نيكسون: فورد، وجيمي كارتر ثم رونالد ريغن، وعن فرنسا: جسكار ديستان ثم فرنسوا ميتران بعد رحيل الرئيس جورج بونبيدو. كل هذه التغييرات حدثت في أوربا والعالم بفضل ديمقراطية تنافس فيها المتنافسون من أصحاب الأهلية والكفاءة، وحسمت فيها الشعوب الحرة المتحررة بما ارتأت أنه الأجود فيها والأليق، أما شعوبنا العربية الغاطة في سباتها العميق فعاشت على طريقتها رتابة واضطهاد تزممارت، وظلت عن التجديد غائبة مغيبة، ولولا رحمة الموت الذي ينفس عن القلوب العربية كرباتها مرة كل ثلاثين أو أربعين سنة لظل قادتها المرضى بجنون العبقرية والعظمة يرددون شعارهم الأبدي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها:
ـ نحن أربابكم فاعبدونا!).
وبفضل مفعول تلك الرسائل السرية التي أرسلها بعض المعتقلين إلى أسرهم وذويهم وقع ما كان بالنسبة لهم أشبه بالخيال، إذ بفضل زوجة الملازم مبارك الطويل ذات الجنسية والأصول الأمريكية حصل الإفراج أخيرا، يقول المرزوقي في الصفحة 145 من المرجع أعلاه: (وخلاصة القول أن هذا الحدث المهم كان تتويجا لمجهودات سيدة أمريكية وفية أقامت الدنيا ولم تقعدها من اجل زوجها، واستطاعت بفضل ذكائها ونضالها وقوة إرادتها أن تحرج قادة بلادها الذين أحرجوا بدورهم قادة بلادنا، فأنقذت زوجها وساهمت بالتالي في إنقاذنا بحكم الترابط الوثيق بين الجار والمجرور..)
لقد تحمل المعتقلون ما لا تطيق حمله الجبال، ولولا حفظهم القرآن في سنوات الاعتقال الطويلة لكانت فكرة الانتحار قد لعبت بأذهانهم جميعا لإيقاف المأساة، يتساءل أحد المعتقلين قائلا: (أي ربح يجنيه الجلادون من كل هذا التنكيل؟ أما كان لهم أن يختزلوا هذا التعذيب الفظيع برصاصة واحدة رحيمة؟) ص:157
يقول المرزوقي في الصفحة 147 :(لقد انقلبنا إلى هياكل عظمية لا يميزها عن سكان القبور إلا لحى شعثاء تدلت على الصدور، وشعور مغبرة مدسمة تراخت على الأكتاف والظهور، وقد كان نصفنا يلزم الأرض من شدة الوهن وتفاقم العلل، والنصف الباقي إما كان يمشي على أربع أو يتكئ في وقوفه المتذبذب على الجدار، أو يزحف على مؤخرته إلى الباب كلما انشق عليه لالتقاط ما كانوا يسمونه بالطعام، نعم كانت معنوياتنا قد نزلت غلى الحضيض، وكان أغلى أمنياتنا هي أن نموت موتة فجائية تقينا أهوال الاحتضار الطويل البطيء الذي كان فيه السجين ينقلب إلى جيفة مهترئة يتكالب على نهشها البعوض والذباب وأنواع لا حصر لها من الحشرات الطائرة والزاحفة)
والآن نتساءل بعد كل ما سبق: ماذا تبقى من تازممارت، هل انتهى ذاك العصر بهدم المعتقل الرهيب؟ هل انتهت المعاناة وتحققت العدالة؟ هل الناس في وطننا العربي قطعوا مع العهود الرهيبة؟ هل عاد المرزوقي ورفاقه إلى الحياة واندمجوا وأنصفوا؟
كلمة واحدة أقولها وأرددها: أمامنا كأمة أشواط طويلة لترميم الذات والذاكرة، وإن العدالة المبتغاة إن لم تتحقق في هذا العالم الردء القميء فحتما هناك عدالة ربانية في الانتظار في عالم غير عالمنا هذا.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب