أضيف في 13 نونبر 2018 الساعة 23:17

الحصاد المرير


المصطفى سالمي
إن بعض الذين يصرخون أو يتعجبون من إقدام بعض التلاميذ المغاربة على إحراق العلم الوطني أمام قبة البرلمان بالموازاة مع الاحتجاجات على الساعة الإضافية (وهو فعل نستهجنه طبعا) يستحقون هم أنفسهم التعجب (هؤلاء المتعجبون المولولون)، أليست المقدمات السليمة تقود دوما للنتائج السليمة والمقدمات الخاطئة تقود بدورها لنتائج خاطئة كما درسنا في المنطق؟ ماذا كنتم تتوقعون من هؤلاء التلاميذ وأنتم على مدى عقود وأنتم تسقونهم ـ كما الزرع ـ بعصارة برامج التفاهات والفقاعات على شاشات إعلامكم المثقل بالخواء والرقص والرداءة والسطحية، ماذا قدمت برامج من قبيل: (رشيد شو) و(ماستر شاف) و(السهرة لكم) و (كيف كنتي وكيف وليتي)... غير الإسفاف والتعلق بالأوهام والنجومية الكاذبة، كنتم ـ ومازلتم ـ تصنعون القدوة الكاذبة لأجيال تتهمونها اليوم بالضباع، من ضبّعها وسطحها غيركم؟ من قدّم لها الشاذين الفاجرين الانتهازيين كـ " أبطال" غيركم؟ هل قدمتم لهم العلماء والمخترعين والكتاب وأبطال التاريخ كنماذج؟ هل كرمتم يوما أمجاد (الزرقطوني) و(عبد الكريم الخطابي) أو ساهمتم ـ أيها المسؤولون ـ في تمويل أشرطة تاريخية عن خالد بن الوليد أو صلاح الدين الأيوبي أو يوسف بن تاشفين، أو على الأقل تبثون أشرطة عن أمثال هؤلاء مما ينتجه غيركم من الأمم؟ هل أقمتم الندوات عن دلالات أمجاد وملاحم من قبيل: أنوال، الزلاقة، وادي المخازن، الأرك؟ هل يعرف تلاميذنا عبر إعلامكم الموبوء قليلا أو كثيرا عن أمجاد المسلمين في (اليرموك) أو (القادسية)؟ هل تتحدثون بإسهاب في إعلامكم عن ابن خلدون وابن النفيس والرازي وابن رشد كما تتحدثون عن سهرات الرقص والمجون مما تزخرفونه بأسماء خادعة تتمسح بالفن زورا وبهتانا، هل دعمتم المخترعين والمثقفين وأنفقتم عليهم بسخاء يوما ما؟ متى خصصتم جوائز لأحسن القصص والمسرحيات والروايات في إعلامكم المريض؟ اليوم فقط تتباكون على هذه الأجيال وتنعتوها بأقذع الأوصاف. هذه الأجيال ـ التي كنتم دائما تتاجرون بها في برامجكم وأخباركم ونشراتكم الكاذبة ـ فضحتكم الآن، المدرسة بالنسبة لكم إما مناسبة للحديث عن حملاتكم التحسيسية بالسلامة الطرقية، أو يوم الشجرة على شكل إبراء ذمة، أو للتنكيل بمدرس عنّف تلميذا في لحظة غضب ـ ونحن نشجب العنف بكل أشكاله ـ حيث وقتها تنصبون المشانق للمدرس/ الضحية، وها هو إعلامكم اليوم يعتبر خروج آلاف التلاميذ في ربوع الوطن مجرد حالات معزولة، وها هي آلة القمع المخزني تنهال على رؤوس وجماجم التلاميذ لتلغي وتبلع كل شعارات الحوار التي دوخوا بها رؤوسنا في سيل أخباركم الكاذب المزيف، أين شعاراتكم الجوفاء عن السلم والتعايش وتقبل الآخر وأنتم لم تتقبلوا الرأي الشعبي الذي تعداده الملايين من المغاربة ممن رفضوا الساعة المشؤومة؟ وها أنتم تمارسون عليهم الوصاية الفجة، أهذه هي ديمقراطيتكم الكاذبة المزعومة؟
وأعود إلى تلاميذ الألفية الجديدة الذين فضحوكم بأصواتهم الصادقة، فضحوكم في الملاعب بشعاراتهم التي صاغوها وأنشدوها ولحنوها وأدوها على المدرجات، فأصابوكم بالخيبة ممزوجة بالدهشة والذهول، وها هم يصدموكم أمام قبة البرلمان بشعارات ما كانت تخطر على البال، فهل تجلسون لمحاورة ذواتكم ومحاسبتها قبل محاورة الآخر أو لومه وتقريعه؟ صحيح هناك انفلاتات وعبارات خادشة للحياء، ولكنكم أنتم المسؤولون عنها، أين كنتم حين كان المدرسون يتعرضون لعنف التلميذ؟ وقتها كنتم تشجعونه بشكل غير مباشر بزعم ضرورة الاستماع للقاصر المحتاج لدعم نفسي واجتماعي، فهل دعمتموه بأخصائيين من علم النفس والاجتماع حقا وأنتم من يزيد احتقانه النفسي وتهميشه وتفقيره، واليوم نسمع اتهامات صفراء من مسؤولين حزبيين لهؤلاء التلاميذ بأنهم "جيل القادوس" أو "أجيال الضباع"، فهل بعد نعت الآباء بـ "المداويخ" و"القطيع" جاء الدور على الأبناء؟! وهل هكذا تحل المشكلات؟ وربما سيزعم الزاعمون أن المدرسة أو الأسرة هي المسؤولة كما يقع باستمرار، هذا ديدنهم دائما، ألم يجردوا هاتين المؤسستين من صلاحياتهما منذ زمن؟ ألا ينفذ المدرسون التوجيهات الوزارية بحذافيرها؟ أليس الآباء ضحايا كما الأبناء لسياسات الكبار؟
أنتم أيها المسؤولون في بدايات حصاد الخيبات والآتي أمر وأصعب، سيبدع هؤلاء الصغار أشكالا احتجاجية ونضالية لن تخطر على بالكم ـ إن لم تتداركوا وتبادروا بالإصلاح الفوري ـ أيها القابعون في الغرف المكيفة الوثيرة، سيقضون مضاجعكم كما لم تتخيلوا. لقد كنتم تتخيلون أن المسلسلات المستوردة من وراء البحار ، وبرامج القدم الذهبي ومسابقات الغناء بحثا عن النجومية ستخدر "هؤلاء"، فعلا هي خدرتهم إلى حين، لكن لابد من يقظة تعقب كل نوم أو غفوة أو حتى سبات طويل، وها هي بشائر انفجار الغليان بدأت تطل وتهل علينا بملامحها الممزوجة بكل ألوان قوس قزح، وربما كانت كالحة بالنسبة للبعض الآخر، لكن الإعصار كما البركان يخلفان إلى جانب الخسائر والضحايا كثيرا من المنافع الخفية التي لا يراها إلا ذووا الألباب والعقول، وإن غدا لناظره لقريب..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب