أضيف في 6 نونبر 2018 الساعة 18:27

مهندس كلام


المصطفى سالمي
جلس السيد (نعيم) على كرسي ـ في قاعة واسعة ـ محاطا بجموع المدرسين ليلقي عليهم ما يشبه المحاضرة التربوية، وذلك في أول اجتماع بهم بعد أسابيع فقط من بداية موسم دراسي جديد، لقد كان (نعيم) مشرفا تربويا جديدا وافدا على المنطقة. تركزت الأعين على شاب أربعيني ما زال رأسه مكسوا سوادا خلافا لسابقيه من المشرفين التربويين الذين مروا وتعاقبوا على هذه المدينة الصغيرة، كان أغلبهم قد غزا الشيب أو الصلع هاماتهم، والتجاعيد وجوههم، لكن السيد (نعيم) كان حتى في لباسه مختلفا عنهم، فهو متوسط الأناقة بسيط الشكل، يرتدي سروالا وبدلة صيفية مما يرتدي مثلها عامة الناس، وينتعل حذاء لامعا ربما شكل الاستثناء في لباس صاحبنا.
وجه المشرف الجديد التحية لجموع أساتذة اللغة العربية، وانطلق بعدها سيل الكلام عن الوثائق التربوية المراد التوفر عليها، وأرقام المذكرات الوزارية الواجب التعرف على محتوياتها، وضرورة الالتزام بالتوجيهات والمبادئ التربوية من تقويم تشخيصي، وضرورة تصحيح أوراقه، وتعبئة نقطه.. وأن يكون المدرس بانيا لدرسه لا ملقنا ملقيا، حوارُه مع التلاميذ أفقي لا عمودي، فالمعرفة تستنبط لا تلقى إلقاء...
ارتفعت بعض أيادي المدرسين ممن احترقت خلاياهم بين فصول التدريس لمناقشة السيد المشرف التربوي الجديد، كان الأخير مصرا على إكمال الإلقاء التربوي الذي كان منهمكا فيه قبل السماح بأي تدخل، وكأنما الحوار سيشتت أفكاره التي رتبها ترتيبا في ذهنه، وبالتالي ستتطاير وتتلاشى، لكن بعض المدرسين كرروا المحاولة رغبة في التحاور، لكن محاولاتهم باءت بالفشل مرة أخرى، فالمشرف التربوي الجديد ـ خلافا لسابقيه ـ يرفض أن تُقطع كلمته أو يترك غيره يتحدث ويناقش. بدا الأمر عبثيا بالنسبة للبعض وهو يرى ويعاين تناقض هذا المشرف مع مبادئ الحوار الذي ينبغي في عرفه أن يكون أفقيا لا عموديا مما كان منذ قليل يهندس ويدبج مصطلحاته بعناية، إنه ملقن بارع يتناقض النظري عنده مع العملي التطبيقي.. فجأة دخل مدرس موشك على التقاعد من مهنة المتاعب، كان الأخير قد تأخر في الحضور للندوة التربوية، فنظر إليه صاحبنا نظرة شزراء لم تراع سن ووقار المدرس، وبادره بالسؤال:
ـ هل الأستاذ معنا؟!
رد المدرس المسن:
ـ أجل، أنا من الأسرة التعليمية..
أشار إليه صاحبنا إشارة السماح بالدخول، وعاد المشرف بنظره نحو جموع المدرسين مجهدا ذهنه في البحث عن المحور الذي كان يناقشه دون أن يتلمس رأس الخيط، لقد تناثرت المعاني والكلمات من رأسه سريعا.
كان (الراضي) يرقب المشرف الجديد في صمت لم يكسره إلا هجوم هذا الشاب على أجيال السبعينات حين زعم أنها لم تدرس سوى الخواء، واكتفت بحفظ نصوص جاهزة عن ظهر قلب دون فهم محتواها، لقد كان الخواء ـ وقتها ـ متجسدا جليا يمشي على قدمين ويستلقي على كرسي يتشدق بما يشاء.. أبدى المدرسون أخيرا آراءهم دون أن يجدوا لها صدى في الطرف الآخر.
انفض جمع المدرسين بعدها ليردد (الراضي) مع نفسه:
ـ ما أسهل الكلام وهندسته وتدبيجه، وما أصعب الفعل والتطبيق وتجلياته!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب