أضيف في 31 أكتوبر 2018 الساعة 09:21

حويتة وخميسة وقرين


د موسى أبومحلولة
حويتة وخميسة وقرين

هذا اليوم زارتني في العيادة مريضة عمرها 88 سنة كانت وكعادة بنات عمرها المعمرات في هذا البلد في كامل صحتها ووافر قواها العقلية وأوج لياقتها وأناقتها في ٱن واحد كانت تملك روحا مرحة وذكاءا حادا وقادا وترتدي ملابس متناسقة الالوان ومتناغمة مع أحدث خطوط الموضة وصرعاتها وترتدي مكياجا خفيفا يليق بعمرها ويخصم منه بضع سنين، وكانت اعراضها المرضية بسيطة ومقدور عليها ...

تشعب بنا الحديث بفضل روحها المرحة وانطلاقها في الكلام وحبها للحياة ورغبتي في أن أكسب ثقثها كمريضة لي فتساعدني على مساعدتها وتشخيص حالتها التي لم تكن مستعصية على كل حال ..

دار الحديث حول اعراضها وشكواها المرضية بمهنية معتادة وسياق دقيق معروف وصلت في نهايته الى الى ما ينبغي الوصول إليه، وحان وقت الكشف السريري ...

كانت الممرضة تمازحها وتمتدح ذوقها في إختيار ملابس جميلة وأنيقة حتى تهيئها نفسيا للكشف الطبي وكنت استعد بدوري لإجراء الكشف وعندما اقتربت منها لمحت قلادة ذهبية تتدلى على صدرها فعلقت على غير عادتي قائلا:
- ليست ملابسك فقط هي الأنيقة والجميلة بل قلادتك ايضا لافتة ورائعة ..

قلت هذا لأن القلادة قد لفتت نظري بالفعل وذكرتني بجدتي رحمها الله وسيدات بلادي الرائعات بل وبوطني الحبيب وروعة الحلي التقليدية التي ترتديها حرائره ...

كانت قلادة السيدة الأنجليزية عبارة عن سلسلة ذهبية علقت بها ثلاثة خميسات يشبهن تماما في الشكل والتصميم ما تعودت ان أراه في فترينات محلات بيع المجوهرات في سوق المشير في طرابلس أو على صدر طفلة صغيرة تحتفل بعيد ميلادها وقد أهدتها خالتها خميسة ذهبية بالمناسبة أو صبية تحتفل بإرث جداتها في مهرجان هون السياحي الذي سيبدأ دورته الثانية والعشرين يوم الغد، فقلت:
- اين وجدت هذه الهاندز ( جمع هاند أو خميسة)
- زوجي المتوفي منذ اربع سنوات كان يشتريها ويحضرها لي كلما سافر وكان يقول لي انها ستحميك وترعاك وهاهي بالفعل ترعاني في غيابه وحتى اليوم .. الست بصحة جيدة يادكتور؟
نعم انت بصحة ممتازة، ولكن من اي بلد كان يحضرها لك؟

كنت اتمنى أن تقول إنه أثناء رحلاته كان قد زار ليبيا وشاهد بدائع كنوزها التاريخية وروائع معالمها الأثرية في لبدة وصبراتة وشحات وقد تجول في سوق المشير واشترى هذه الخميسات من هناك وكنت استعد لان أسألها كيف نسى زوجك الحويته والقرين ولم يحضرهما لك ...

لكنها لم تذكر ليبيا وقالت أظنه اشتراها من تونس او مصر وربما من تركيا او حتى "اسرائيل" لأن بعض من يراها يسألني إن كنت يهودية وانا لست كذلك ...

أحسست بخيبة أمل كبيرة وتذكرت أن ليبيا ومنذ سبع سنوات ما عاد يزورها السياح وحتى الطائرات لم تعد تحط في مطاراتها التي إحترق أكبرها وان قسما من آثارها وتاريخها قد تمت سرقته ويباع اليوم في أسواق الآثار السوداء عبر العالم ...

حاولت جاهدا أن أخفي خيبتي وفضلت أن ينتهي حديث القلادة عند هذا الحد وأن ينتهي المزاح ويعود الجد فباشرت في فحص مريضتي واداء واجبي نحوها بمنتهى الجدية والمهنية وكنت في ذات الوقت أخفي خيبتي الوطنية وربما وعن غير قصد حتى جنسيتي الليبية وأقول في نفسي يبدو أن الخميسة التي تحمي السيدة الأنجليزية من كل سوء لم تعد تحمي ليبيا من عبث أبناءها وتربص الٱخرين بها ربما لأن ليبيات اليوم قد هجرن قلائد الحويتة والخميسة والقرين واستبدلنها بما يأتي من وراء البحر أو ربما لأن لصوص الٱثار وسراق الاوطان قد سرقوا الخميسة ومعها الحويتة والقرين.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا