أضيف في 28 أكتوبر 2018 الساعة 20:01

حكاية السيد (حمادي)


المصطفى سالمي
كان (حمادي) يقضي معظم وقته في المقهى مع ثلة من الرفاق العاطلين، يستغرق أيامه في القهقهة ولعب الورق، والأحاديث الطويلة التي لا يُعرف لها أول من آخر، ترتفع كؤوس الشاي لتحل محلها كؤوس القهوة أو المشروبات الغازية، وأحيانا توضع قطع الحلوى وأكلات خفيفة أخرى يدفع ثمنها الخاسر في لعبة الورق الذي لا يكون غالبا إلا السيد (حمادي) الذي اشتهر بسخائه بين رفاقه، ويتعالى الصياح في المقهى وسط سحابة من دخان السجائر المخلوط بمساحيق حشيش (كتامة). وتذهب وجوه وتحل أخرى و(حمادي) مرابط مكانه الأثير بمقهى (الأصدقاء) في طرف بلدة (العجيلات)، تارة يعلق على عبارة من هنا، وأخرى يصدر ضحكة هيستيرية على نكتة من هناك..
(حمادي) هو رب أسرة تتكون من خمسة أبناء، يستيقظ في الصباح، يغير ملابسه، ويترك على مصطبة المطبخ قطعة نقدية صفراء من فئة عشرة دراهم، على أساس أن تشتري بها الزوجة عدسا وأرغفة، وإن لم يكن العدس فهو السردين أو الفاصوليا البيضاء، (حمادي) لا يكترث بتعقيبات وردود الزوجة المغلوبة على أمرها، فهي لا تنفك تذكره بلوازم البيت وحاجيات الأبناء الكثيرة، وبأنهم ملوا العدس كل يوم. أما حين تلمح إليه أنه ينفق في المقهى أضعاف الفتات الذي يرمي به إليهم فهو يحتمي بصمت القبور، وتكتفي الزوجة عندها بأن تلتمس منه أن يكون حاضرا معهم أثناء وجبة الغداء، ويجلس وسط أبنائه لحظتها، يشاركهم مأكلهم ومشربهم، وكأنما تتمنى في أعماقها أن يتأثر بمنظر الحقيقة الغائبة عنه، هل تراه لا يعرف؟ أم هو التجاهل عينه؟! إنها متأكدة أن كلماتها لا تتسلل إلى إحساسه وشعوره، بدليل أنه يتركها تهذي وتهلوس كما تشاء، ويتوجه لمكانه المعهود، لقد باع قطع الأرض الفلاحية التي ورثها عن الأجداد، كما تصرف بإرث زوجته وحليها منذ أمد ليس باليسير حين زعم لها أنه يعتزم إقامة مشروع تجاري، وها هي تكاد ترى بأم عينيها وتلمس مشاريعه الوهمية التي لا تعدو ـ حسب روايات الجيران والمعارف ـ أن تكون جلسات في المقاهي والمطاعم مع جماعة الأنس واللهو والعربدة، وما خفي الله أعلم به، لقد تعبت من توبيخه وتوجيهه إلى أن المال هو مال الله ،وأنه مستخلف فيه وسيُسأل عن كل درهم وفلس فيم أنفقه، وهي لا تنفك تذكره بواجباته اتجاه أبنائه، أما هي فلا يهمها الجوع وقلة الملبس، وبقدر شح وبخل (حمادي) على أسرته بقدر سخائه وكرمه الحاتمي إزاء رفاقه، لقد كان أولاده لا يرتدون إلا أسمالا بالية، ونعالا بلاستيكية ممزقة، تفتك بهم الأمراض على مر فصول السنة، وخاصة في فصل الشتاء حيث يتعالى أنينهم، ويُسمَعُ عند الجيران سعالهم، بينما أمهم تهدئ من عللهم بأدوية من أعشاب (العطار) بخسة الثمن، تبيع أحيانا بعضا من مستلزمات البيت مما لا ضرورة له لشراء نعل أو رغيف أو بعض من لوازم الدراسة للأولاد، إنهم أشبه بالأيتام!
كان (حمادي) ينفق مئات الدرام يوميا في المقهى بين مشروبات وحلويات، وكان الناس يتعجبون من سر هذا التقتير على الداني الذين هم فلذات الأكباد، والكرم المبالغ فيه مع البعيد القاصي، ولكن لا أحد وجد تفسيرا أو تبريرا يقنع، وعبثا حاول بعض العقلاء التدخل للنصح والإرشاد، واكتفى بعضهم بأن ردد بأن (حمادي) مسحور، إلى قائل إنه غرّ جاهل سفيه، إلى زاعم بأنه متغطرس أو متعاطٍ لأشياء تُلغي العقل، وتجعل على البصيرة غشاوة من الظلام والعتمة..
تمر الأيام والسنون، وينقطع (حمادي) عن البيت تماما، لقد أصبح يعيش عالمه الخاص بعيدا عن أسرته وعن الأنظار. تدبرت الزوجة العاقلة المتبصرة أمورها بالعمل في البيوت كنسا وتنظيفا، وساندها أكبر أبنائها جاعلا من نفسه كبش فداء لإخوته، انقطع الفتى عن الدراسة للعمل في ورشة نجارة لمساعدة أمه وإخوته، وعبرت سفينة الحياة بالأسرة المنكوبة رغم ثروات الأجداد التي انتقلت إلى يد سفيهة..
وذات يوم تسامع الناس نبأ (حمادي) الذي كاد ذكره يوشك على الانقطاع، لقد أصبح أشبه بالمتشرد المجنون متسكعا في شوارع بلدة (العجيلات)، فمن قائل إنها الحسرة على ضياع الثروة، إلى قائل إنه كيد النساء وسحرهن الأسود.. هكذا ردد البعض ومنهم المتنكرون له أنفسهم:
ـ أين أنتِ أيتها الجلسات الصاخبة الماجنة؟!
هل تُراها الغشاوة زالت؟ أم هو الوعي الذي عاد بعد أن كان صاحبه يخمده بمفعول الحشيش (الكتامي)، مما وقع معه المحظور بفعل قوة الارتطام بصخرة الواقع والحقيقة، فتشابكت أسلاك التفكير والتأمل في ذهن (حمادي)؟!! هكذا وبدل الأناقة والبريق أصبح الرجل في وضعية مزرية، أما الزوجة والأبناء فقد أشفق خالقهم عليهم وتجاوزوا المحنة، وأصبحت وجبات العدس أو الفاصوليا البيضاء من ذكريات الماضي البعيد، وعبثا حاولوا إرجاع الأب للبيت ليعيش وسطهم، لكنه اختار طريقه بعيدا حيث لا سلطة لأحد عليه، هكذا تم تبادل الأدوار، على يد قدر حكيم يدير اللعبة باقتدار.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب