أضيف في 24 أكتوبر 2018 الساعة 17:06

ثقافة الفراغ و الإفراغ


رشيد اليملولي
ثقافة الفراغ و الإفراغ .
إن النظر إلى الدولة في المغرب ارتباطا بالسياقات الحضارية المميزة للعصر علميا و معرفيا و قيميا ، تجعلنا أمام مفارقات غريبة قد تند أحيانا عن الوصف ، عنوانها الأبرز ضياع ثقافة المؤسسة و معنى وجودها ، و امتدادها في الزمن خارج القواعد الحضارية و الأخلاقية ، فبغض النظر عن صعوبة بناء الدولة في زمن قياسي ، يمكن النظر إلى الفشل من زاوية الإمكان في مستوياته المتعددة ، الاقتصادية منها و الاجتماعية و الثقافية و الفنية و السياسية ، و المقصود هنا هو الإنجاز والفعل المتعلق أساسا بالإمكان في توفير الحاجات الضرورية و ليس الكمالية ، أو التي يتطلبها منطق العصر في أقصى حالات الحلم اليقظ ، أي منافسة القوى القريبة حضاريا و زمنيا ، في مسألة بناء الدولة حقوقيا و قيميا و ثقافيا و نفسيا و أمنيا بالمفهوم المركب لجملة الحقوق الأمنية ، الروحية منها و الغذائية و الثقافية و السياسية و الفكرية و العلمية ، دون إلغاء المجالية طبعا .
ليس من شك في أن تعدد مظاهر الفشل و الإفشال المقصود طبعا في العديد من المشاريع و السياسات ، توحي أننا بصدد إفراغ و إخواء متسلسل للروابط التي تؤلف فيما بين المجتمع و الدولة ، إذ غالبا ما يتخذ هذا الأسلوب طابعا عقلانيا و مؤسساتيا ، من خلال طريقة التفكير في إنتاج الثروة الاجتماعية ، عبر تقوية المجتمع و مده بسبل الرقي بمناعته و حصانته و حصافته ، و ليس إضعافه و سلب طاقته و حيويته على العطاء و التضحية ، حيث تتوالى مع الزمن و في كل اللحظات التي تستدعي الانتقال و القطع مع الارتجاعية الضربات الموجعة و الموحية ،التي تعلل و تفسر ثقافة إضعاف المجتمع ، و تحويله إلى كتلة و حجم من دون دور و من دون معنى للوجود حتى ، فبدل أن يجر المجتمع بقيمه و مرجعيته السلطوية في الفكر السياسي الحديث ، الدولة ننتقل تدريجيا و بشكل مؤسساتي نحو دولة المجتمع ، و التي تستقوي بفاعليها على المجتمع ، و ترديه احتياطا يلزم استثماره لتقوية قواعد الدولة الفاشلة في هذا الصدد ، الداعمة للفئوية ، المنتصرة لثروتها الخاصة من خلال مراكمة الثروة ، و تعميق الهوة بين أفراد المجتمع ، و في أقصى الحالات التعالي على المؤسسات و القانون عبر الإفلات الممنهج من القضاء و العدالة في ملفات الفساد و تهريب الأموال و التهرب الضريبي و غيرها من الجرائم الكبرى ، و الأدهى داخل الفاعل الرئيس في الدولة ، سواء أكان رئيس حزب أو زعيم نقابة أو مدير مؤسسة كبرى ، أو مسؤولا حكوميا بارزا ( و نقصد هنا بالضرورة لجان تقصي الحقائق التي تستنزف الدولة عوض أن تخدم السلطة التشريعية و التنفيذية معا آخر علاماتها لجنة تقصي الحقائق في ملف دعم المحروقات و قضية 17 مليار ) ، أو حتى نسيجا سلطويا يشتبك في علاقة منفعة مع جهة نافذة ، و كأن المحصلة النهائية في هذا المستوى تعبير راقي عن فوضى غير خلاقة ، حتى لا نقول خلاقة ، فلا هي ساعدت نفسها على الظهور بمظهر مشرف ، و لا هي قدمت ما يشفع لها بالبقاء و الخلود ، طبعا ماديا و رمزيا .
إن العديد من المؤشرات التي نعتمدها في المقارنة أحيانا ، مع حرصنا الشديد على أدبيات المقارنة المنهجية ( لا مقارنة مع وجود الفارق ـ صعوبة المقارنة في سياقات مختلفة ) تضعنا أما دهشة بالمعنى الفلسفي يصعب و في الكثير من الأحيان وصفها و تحديد معالمها و مضمونها ، و ما يثير في هذه المقارنة المسافة الفلكية بين السلوك و الوعي المرتبط به ، ؛ فبالرجوع إلى حادث قطار بوقنادل ( حادث سير القطار بسرعة جنونية حسب بيان وكيل الملك ) ، نلمس فروقا فلكية في التعامل مع الحادث رمزيا ، حتى لا نقول ماديا و لوجيستيكيا ـ أي الإمكان و المتاح ـ أي تقديم اعتذار رسمي ، و استقالة الحكومة ، و فتح تحقيق جدي ، كل ما نستطيع أن نعيه هنا أن المشكل عابر و لا يستحق أن نقف عنده ، و كأن شيئا لم يحدث ، هذا في وقت تأخر قطار ياباني لمدة 25 ثانية ، قدم فيه المسؤولون اعتذارا رسميا للشعب و المسافرين ، و بالمقابل قدم ملك إسبانيا في حادث تحطم قطار غاليسيا اعتذارا رسميا للشعب دون الحديث عن الإجراءات الأخرى المصاحبة للعميلة برمتها ، و انحنى وزير الطاقة الياباني لمدة 15 دقيقة عربونا على الاحترام و التقدير و الاعتذار ، و ذلك لانقطاع الكهرباء للدمة نفسها ، و في السياق ذاته حوكمت رئيسة كوريا لتوسطها لصالح صديقتها ، و أثيرت ضجة في إسبانيا بعد التقاط الملك لصورة مع حيوان تم اصطياده .
نتساءل هنا ؛ هل اعتذار الدولة يتطلب كل هذا الجبروت و التمنع منذ توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة و إلى الآن لم نسمع عن اعتذار رسمي للدولة في أحداث مسؤولة عنها ؟ .
أما في المغرب فالتسوق في البرلمان و أخذ كميات من الحلوى ، يندرج فقط في الاحتفال و استغلال الهمزة ، بغية مقاسمة و مشاركة الأبناء و الحفدة حلوى افتتاح السنة التشريعية ، و ليس موسم مولاي عبد الله أمغار و لا حتى الشيخ الكامل ، المهم حمل جزء من البركة التي تقطر عسلا إلى الأبناء حتى ينالهم نصيب من الكعكة ، و صور الحريك ليست إلا عنوانا على شباب لا يحمد الله على نعمة الأمن و الخير و اليمن و البركة ، التي لا تتردد صحافة السلطة في التطبيل لها ، دون أن تدري و تعي بأن الإهانة لا تلحق " الحراك " وإنما وطنه ، الذي تمرغ كرامته في المحافل الدولية ، و يتم اعتمادها مؤشرات موضوعية لقياس الوضع في البلاد ، و تقديم الخنجر الذي تطعن به خاصرة البلد . الدلالة السلبية المستوحاة من هذه الأشياء البسيطة في شكلها العميقة في جوهرها ، تعني بالملموس ثقافة الإهمال و ثقافة كم من حاجة قضيناها بتركها ، وهي ثقافة يصعب علينا أن نميز فيها بين المسؤول عن الجريمة الفعلية و المتهم فيها ، و نعي جيدا أن الخاسر الأكبر هو الوطن بمعانيه المادية و الرمزية ، و نقصد هنا غياب الدولة باعتبارها فاعلا منتجا ، و في السياق ذاته ، استقواء الدولة على المجتمع باسم القاعدة القانونية و الأخلاقية المسماة العنف المشروع ، بتكريس سياسة الأمر الواقع خارج الثمن التنموي و القيمي .
تتكرس صيغ الدولة الفاشلة و الفارغة من مفهوم الحقوق اتجاه مواطنيها ، ليس في المظاهر العميقة و الكبرى فقط ، و إنما حتى فيما قد يبدو بسيطا و عاديا ، لكنه في الأساس علامة موحية على صفة الفشل في العدل و الحق و القانون و التنمية الذاتية ، نسوق في ذلك مثالا هو بالضرورة إشكال عميق و يتعلق بالشرف و الشريف ، فإذا كان واجب الاحترام الأخلاقي واجب تجاه أي كائن اجتماعي مهما كانت طبيعته و شكله و انتماءه ، فإن حق الاحترام هذا يسقط حين يتحول هذا الشرف إلى أداة لحيازة الامتيازات و مراكمة المنافع ، و تعبيد الوساطة و الشفاعة و الطرق ، أو الاستقواء على المجتمع و القانون باسم نبالة الدم و قدسيته ، دون أن يؤدي مثلا الضريبة أو يخضع لقانون ، بل و قد يستفيد من سياسة الإنعام و الإعفاء و التكريم و المبرة ، و ذلك خارج أي خدمة للمجتمع ، و الآفة هو الطبيعة غير الأخلاقية و غير الديمقراطية لهذه الازدواجية ، فمن يؤدي يهان ماديا بإثقاله بالضرائب ، و من لا يؤدي يكرم و يعزز و يعلو على المجتمع و القانون و يسود باعتباره صاحب دم شريف .
ليست الصيغ و الصور " البسيطة " المقدمة أعلاه إلا علامات على الفقر النظري و العملي لدولة ترى في أن الفشل سياستها و مثلها الأعلى .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب