أضيف في 17 أكتوبر 2018 الساعة 12:50

في الحميمية و ما جاورها (الاستحمام)


عبد القادر الهلالي






عبدالقادر الهلالي



لماذا نختزل الذوات في عورتها؟
هل الشيء الوحيد الذي يفرقنا هو الجنس؟ (منير هيلالي)


 


1-   عندما تنظر إليه (إليها) بإنسانيتك فأنت تنظر إلي الإنسان، آما عندما تعري الحيوان الآدمي، تظهر لك عورته فتكون عورة ذكر آو عورة أنثى.


2-   علقنا على هذه الخاطرة في منشور سابق ، و أثار الموضوع الأخ/الصديق منير هيلالي* فأدلى برأيه الذي ينتقد الرؤية الجنسية التي تكاد تتحول إلى هلوسة جنسية أي يعمل على تضخيم فكرة ، حتى يجعلها تسيطر على تفكير المريض لأنها تأتي قبل غيرها من الأفكار، و كأنها تتغلب عليها و تقتلها (تشبيه بالخلية السرطانية) و النتيجة هي إن التفكير يختزل كل عمله في فكرة مهيمنة


3-       اختزال الفرق بين إنسانين (ذكر و أنثى) إلى الفارق الجنسي ، كما يقول هذا الخبير في التحليل النفسي (نكيف الجنس ليكون من عوامل الاندماج كالشغل و باقي مكونات التهيئة الاجتماعية للشخصية الإنسانية، و عندما ينتقد شخصية مريضة بالوهم الجنسي، لا يمكن إلا أن نتفق معه على أن اختزال الكائن في هويته الجنسية هو فعلا اختزال بمنتهى البلادة...


4-       أزيد على ذلك أن هده البلادة (التفاهة) عادت لتؤطر أمورنا من البداية إلى النهاية، فحق أن نقول أن الاختزال يبدأ و ينتهي بطريقة بليدة، و الأخطر من ذلك أن سيطرة التفاهة لا تسير في خط تنازلي بل أصبحت ذات أهمية تتزايد حتى يمكن الآن أن نتحدث عن ظاهرة تستفحل:    La médiocratie


5-      من التفاهة إلى النجاسة (مقابل الطهارة)، نستحضر مفهوم الاستحمام ، و منه الحمام، أو لنقل الحُمَيِّمَ بصيغة التصغير، التي تناسب موضوعنا (الجنس) و هو موضوع مصغر من أصله و قد يتغير حاله بالتكبير و التضخيم فقط، فيتحول إلى كائن ضخم يملا مساحة الرؤيا بل يملأ الحواس جميعا
الاستحمام هو الاختلاء بجسده ، من اجل تطهيره و تنقيته (الاغتسال، و له فيها مآرب أخرى) تجنبا للفضيحة (الجنسية)، قبل أن تصبح تعميما على جسد من جنس آخر، فالانفراد بجسد الآخر أصبح الهواية المفضلة لدى بعض المعاصرين (الفضائحيين)، و التلصص على الناس و فضح عوراتهم أصبح مادة دسمة يزجون بها الوقت، و يحصلون بها على مكاسب مادية لم تكن تخطر على بال


6-       الجنس هو عورة الإنسان أي حميميته التي يخفيها عن العالم ليقدم إنسانيته,
لماذا نربط الجنس بالحالة العارية (من العَرْيِ): الملابس ليست وسيلة للاتقاء من حرارة الشمس و برودة الطقس على جسد ضعيف، بل تحولت ثقافة اللباس culture vestimentaire إلى ثقافة جنسية بامتياز: تعرية الحيوان الآدمي ليس فقط أن تنزع عنه ملابسه و تكشف عورته ، بل التعرية هي كَأَنْ نعري الأنثى مثلا بقطعة من الثوب تكاد لا تخفي عورتها، بل نرسم فوقها صورة عورة (نسميها المرأة) و نقول للناس: لا تنظروا إلى هذه الصورة ، فتكون "إشارة المنع" (ممنوع) "إشارة تنبيه" موجهة إلى حواسهم الجنسية، لتنبه الغافلين أن عورة (خطرا) يمر من هنا ، إلا انه عوض أن تدفعنا إشارة الخطر إلى الابتعاد عن الخطر ، تجرنا الإشارة (الإثارة) الجنسية إلى الاهتمام ب"القنبلة الجنسية" و أخطارها ، و نهمل الطاقة الحميمية التي لا تطلب إلا أن نطلق سراحها (بالإهمال أي بِغَضِّ الطَّرْفِ، مقابل البحلقة و "التحنزيز")، فيخرج من ذلك كل ما يكمن داخل النفس البشرية من طاقات هائلة.
الحميمية تبدأ عندما تكون حميميا مع نفسك وليس عندما تتحول أنت إلى صندوق اسود، تخَبَّأُ فيه الأسرار التي لا يعرفها حتى أنت. 


7-      هل العورة تعني مكامن الضعف في الشخصية؟ (ما يشكل مظاهر الشخضية التافهة)
العلاقة بين الحميمية و التفاهة (ضعف الشخصية): الشخص الذي يعرف نقط الضعف ، يخفيها عن الآخرين، وإذا سلمنا أن من يعرف هذه النقط هو نفسك و ما جاورها، نجمع هذه المجموعة من الأقرباء إلى نفسك في الأشخاص الحميميين)
ما علاقة العورة (نقطة الضعف الأساسية) الحميمية؟


أما علاقة الحميمية بالجنس، فتبدو واضحة (قد لا نحتاج أن نثيرها إلا من الزاوية التي نجهلها)


الحميمية تبدأ من التمرد عن الوضعية العادية،  لا بد أن نرجع إلى ألان دونو و كتاب سيطرة التافهينLa médiocratie التي يعطي للقارئ بعض المعلومات عن سيطرة التفاهة في العالم بأسره **


8-       خطة في الاتجاه المقابل للتنميط : تبدأ الخطة بإهمال الوضعية العادية و التطلع إلى درجة تكون الذات لا تشبه إلا ذاتها : الإشهار و الإعلان إستراتيجية قبل أن تكون هدفا في حد ذاتها (الإشهار هو ما يقابل الإخفاء) يتساءل تيم كوك Tim Koch: ماذا خسرت بإخفاء أشياء لو أخرجتها لتفجرت منابع للطاقة داخل نفسي؟
تيم كوك و هو مثلي جنسي يتبوأ الرتبة 1 على رأس شركة ناجحة Apple لا يجد أي مبرر ليخفي شذوذه الجنسي (نقترب من الحميمية المسكوت عنها) و يشجع على تحدي المكبوتات الاجتماعية و النفسية التي وجدت من اجل تنميط الفرد.


المجتمع يريد أفرادا عاديين يخضعون للنمط العام و لا يجرؤون أن يظهروا بمظهر مختلف.
العلاقة بين إخفاء أمور (نكون في وقتها نقط ضعف حميمية) و ما تختزنه هذه الأمور من طاقة إذا انفجرت (بخروجها من المحيط السري إلى العلانية) تتحول إلى طاقة ايجابية؟ 
الشذوذ الجنسي (تيم كوك نموذجا) يقدم لنا الصورة الايجابية لما يمكن للاستثناء (الاختلاف) أن يقدمه كذلك. لست أدافع عن الشذوذ الجنسي و لكن أنافح ضد من يحملون أفكارا سلبية عن الاختلاف بجميع أشكاله ، الشذوذ ليس عيبا من حيث المبدأ، لكنه اختيار قد يوافقنا فنتمثله، أو لا يوافقنا فنختار أن نكون (أفرادا عاديين لا نختلف عن أمثالنا)، و قد يجرنا هذا الشذوذ ناحية الجنس (الشذوذ الجنسي) (يجب أن نتحمل أننا نختلف عن الأفراد العاديين)، و قد يجنبنا الاختلاف ذلك، فنكون عاديين جنسيا (و كفي الله المؤمنين شر القتال)


9-      التفاهة كما الإرهاب يطلبون منا أن لا نستسلم و ان نقاوم ، لان الإرهابيين و التافهين يتحالفان و لا نملك إلا ان نقاوم.
لاحظوا معنا أن نظام التفاهة يستفيد من فوضى الإرهاب و كأنهما يتحالفان ضد عدو واحد لا يملك إلا سلاحا واحدا فهو إذا استعمله كان في حالة مقاومة وإذا لم يستعمله نقول أنه استسلم و انتهى أمره





* منير هيلالي أخصائي نفسي و إطار سابق بالمكتب الوطني للتكوين المهني و إنعاش الشغل OFPPT، و قد اكتسب تجربة كبيرة في تدبير الموارد البشرية أهلته ليتحمل مسؤوليات كبيرة في القطاع الخاص





**  صدر كتاب للفيلسوف الكندي (ألان دونو) بعنوان «Mediocratie»، أو نظام التفاهة. كتاب يحلل  الأسباب التي جعلت التافهين يمسكون بمواقع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً...
و يقرر الكاتب  أن التافهين قد حسموا المعركة. من دون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاغ (إشارة إلى صعود هتلر في ألمانيا) ولا إلى رصاصة واحدة من معركة «الفجر» (إشارة إلى المعركة الأسطورية بين بونتا وبراكمار)، فقد ربح التافهون الحرب بسهولة لم تكن تسمح بها التعقيدات السابقة ، فأصبحت مسطرة النجاج ميسرة بسهوله لهؤلاء التافهين، و كأننا نعطي بالملموس نصيحة عملية لكل تافه ليقتنصها و يكسب:  «لا لزوم بعد اليوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن مائعا ... »
السبب الأول: يعزوه دونو إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. فيقول إن «المهنة» صارت «وظيفة». وصار من يشغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. فيمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى «المتوسط». وصار أشخاصه «متوسطين»، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في «الأزمنة الحديثة» أو فريتز لانغ في رائعة «متروبوليس»
السبب الثاني كما يقول دونو هو أن  مع  مارغريت تاتشر ،  جاء التكنوقراط إلى الحكم، و  استبدلوا السياسة بمفهوم «الحوكمة»، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم «المقبولية المجتمعية»، والمواطن بمقولة «الشريك». في النهاية صار الشأن العام تقنية «إدارة»، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. وصارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة «زمرته»
- من هنا صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن «تلعب اللعبة». هي مجرد «لعبة». حتى عبارة «اللعبة» نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: ، فكل شيئ يقوم على شكليات  السهرات والأكلات  والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف... أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير». فهو ممثل «السلطة»، ز هو دائما مستعد لبيع عقله لها. المقابل كان هو «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل. جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات». لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات «السوق»
هكذا نصل ببساطة إلى أن  نظام التفاهة يضع ثمانين في المائة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المائة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المئة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.
الحرب على الإرهاب (الفوضى العالمية) أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة. (اعتمدنا في هذا التقديم على "قراءه منهجيه لكتاب نظام التفاهة للفيلسوف الكندي المعاصر ألان دونو .." بقلم: د.صبري محمد خليل)


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد القادر الهلالي

, المغرب