أضيف في 17 أكتوبر 2018 الساعة 12:35

بين المِطرقة والسِّنْدان


حسيب شحادة

Between the Hammer and the Anvil


 ب. حسيب شحادة


جامعة هلسنكي


 


 


في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي رواها الكاهن صدقة بن الكاهن الأكبر إسحق بن الكاهن الأكبر عمران (عمرم) الحفتاوي [١٨٩٤-١٩٧١،  زعيم السمرة  في نابلس من أربعينات القرن العشرين إلى ستيناته، مثّل طائفته لدى المملكة الهاشمية بالرغم من أنه لم يكن كاهنًا أكبر؛ قاصّ بارع، شمّاس معروف، وصف بالذكاء والدهاء، كان غنيًا وسلطويا، شقيقه الكاهن الأكبر عمران، أولاده: عبد المعين، يوسف، إبراهيم، إسحق، زهية، تمام؛ كانت له علاقات صداقة مع رئيسي بلدية نابلس، سليمان عبد الرزاق طوقان ١٩٢٥-١٩٥١، طاهر حمدي كنعان، ١٩٦٣-١٩٥٩، وبعض الساسة الأردنيين مثل بهجت التلهوني والشريف ناصر؛ علّم العربية  حسب كتاب مدارج والحساب في المدرسة السامرية التي كانت في بيت عائلة عزات بن إسماعيل الستري؛ زوج أخت الكاهن الأكبر يعقوب بن عزي] بالعربية على مسامع الأمين (بنياميم) صدقة، الذي نقلها إلى العربية، نقّحها، اعتنى بأسلوبها ونشرها في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد ١٢٣٨-١٢٣٩، ١٥ أيّار ٢٠١٧، ص. ٤٨-٥٠. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.


 


بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن، الشقيقَين، الأمين وحسني (بنياميم ويفت)، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).


 


”أربعون ألف قرش ضريبة دخل سنويا


 


دأبت الحكومة التركية في ثلاثينات القرن التاسع عشر على جباية الضرائب من كلّ الدول الواقعة داخل حدود الإمبراطورية العثمانية.  في تلك الفترة كان محمد عبد اللطيف حاكم لواء في البلاد وجبى الضرائب من سكّان نابلس ومن ضمنهم الطائفة السامرية. فرض الحاكم على الطائفة السامرية ضريبة سنوية مقدارها أربعون ألف قرش لصالح خزانة الحكومة التركية. بشقّ الأنفس استطاعت الطائفة السامرية جمع هذا المبلغ، بعد أن أرغمت النساء والفتيات على بيع حليهن الذهبية وسائر ممتلكات البيت. استمرت هذه الحالة سبع سنوات.


 


في عام ١٨٣٠ علم الكاهن الأكبر عمران بن سلامة أنّ عبد الحميد مراد باشا القائم بأعمال السلطان قد قدم من تركيا لزيارة القدس، لتفقّد أحوال السكان. على الفور، سافر الكاهن الأكبر سلامة إلى القدس وطلب مقابلة مراد باشا ولُبّي طلبه في الحال. في اللقاء تحدّث الكاهن مع القائم بأعمال السلطان عن أحوال طائفته وعن مبلغ الضريبة الباهظ الذي يُجبى من السامريين كلّ عام، وعن وضعهم الاقتصادي المتردّي الذي لا يسمح لهم دفع هذا المبلغ. سأله مراد باشا: في أيّ يوم اعتدتم على دفع هذه الضريبة السنوية؟ أجاب الكاهن: بعد شهر من هذا اليوم علينا دفعها. قال له مراد باشا: هذه المرّة، لا تدفعوا هذه الضريبة حتى تتسلّموا إيصالًا من الحاكم على المبلغ المدفوع. وهذا يكون شهادة عامّة بأنّ السلطان عبد الحميد يخون الحكومة التركية، إذ أنّ وَفْق القانون، الطائفة السامرية معفاة من الضرائب.


شكر الكاهن الأكبر مراد باشا وودّعه، بعد أن حصل منه على وعد بحلّ المشكلة قبل مغادرته البلاد. بعد عودة الكاهن الأكبر إلى نابلس وإطلاع أبناء طائفته بخِطّة مراد باشا، قرّر الجميع دون استثناء تسليم المبلغ المطلوب للكاهن. بعد مُضِيّ شهر أرسل حاكم اللواء جُباته لجباية الضريبة الثابتة من السامريين، الذين بدورهم قالوا إنّ المبلغ كلّه موجود لدى الكاهن الأكبر سلامة. توجّه الجباة إلى الكاهن لجبي المبلغ فأجابهم الكاهن: كل المبلغ موجود عندي إلا أنّني لن أسلّمه لكم بدون إيصال من سعادة حاكم اللواء وعليه توقيعه وختمه. عاد الجباة أدراجهم وتوجّهوا إلى عبد اللطيف سيّدهم وأخبروه بما قال لهم الكاهن الأكبر سلامة. غضب هذا واحتدّ جدًا فاستدعى الكاهن.


 


تعيين دائم في بلدية نابلس


 


سمع الكاهن الأكبر سلامة أمر عبد الله وتخوّف كثير، إلا أنّه كان عليه أن يذهب إلى مكتبه. عند دخوله الغرفة بادره عبد اللطيف بالسؤال: ما مغزى هذا الطلب الجديد؟ أجاب الكاهن: الطائفة تطلب إيصالًا على المبلغ الذي أّسلّمه لك ولا يجوز لي مخالفة هذا الطلب قيد أنملة. إجابة الكاهن هذه أغاظت الحاكم جدّا فلطمه بقوّة طالبًا تسلّم المبلغ المعيّن فورًا وبدون أيّ تأخير، وإلّا سجنتك أنت وجميع وجهاء الطائفة. عند سماع أبناء الطائفة ما جرى للكاهن مع الحاكم قرّروا عدم الاحتفاظ بالمال بأيديهم فسلّموه للحاكم.


 


في اليوم التالي سافر الكاهن الأكبر إلى القدس، وقصّ على مراد باشا ما حدث فاغتاظ جدّا. في اليوم ذاته امتطى مراد باشا صهوة حصانه وعلى يمينه يركب الكاهن الأكبر سلامة حصانًا كبيرًا شبيهًا بحصان الباشا وبرفقته ثلاثون فارسًا من الخواصّ، وساروا في طريقهم إلى نابلس للوقوف على المشكلة ذات الشأن. عند سماع عبد اللطيف خبر قدوم مراد باشا خرج لاستقباله بدون أن يعرف ما الخطب، وبمعيّته الكثير من الفرسان، وفي تلك الأثناء أرسل باشا الكاهنَ سلامة إلى بيته مؤكدًّا له بأنّه سيستدعيه في اليوم التالي.


 


في اليوم التالي أقام مراد باشا محكمة في نابلس، دعا حاكم نابلس عبد اللطيف والكاهن الأكبر سلامة. أسهب الكاهن في عرض تسلسل الأمور من البداية وحتى النهاية أمام المحقّقين الذين عيّنهم باشا. بعد أن بحث القضاة والمحققون القضية برصانة أصدروا قرارًا يقضي بأنّ على حاكم اللواء دفع مبلغ قدره ثلاثمائة وعشرون ألف قرش تعويضات للسامريين بدلًا من المبلغ الذي جباه منهم في  غضون ثماني سنوات. كما وقرّروا أيضًا أن يردّ الكاهن الأكبر على الحاكم على الصفعة التي مسّت كثيرًا بشرف الكاهن.


 


ساد التوتّر الشديد الحضور عندالإعلان عن تنفيذ الحكم، عندما وقف الكاهن وحاكم اللواء عبد اللطيف الواحد قبل الآخر، التفت الكاهن نحو مراد باشا وقال إنّه يفضّل استبدال لطمه وجنة الحاكم بنزع الأخير سيفه من على ركبته وبهذا مسّ أكبر بشرفه، إذ أن السيف رمزُ عظمة الحكومة التركية. استجاب الباشا لطلب الكاهن فنفذ طلبه وعندها قال الكاهن لقد تسلّمت أجري ولكن أطلب من حضرة الباشا والقضاة تقسيم مبلغ المال المسترجَع من عبد اللطيف بالتساوي بين الطائفة السامرية والحكومة التركية، أي مائة وستين ألف قرش لكل طرف. زد إلى ذلك أن الباشا أقال عبد اللطيف من رئاسة البلدية. أدرك الكاهن الأكبر سلامة المصيبةََ المترتبة عن ذلك بالنسبة للطائفة السامرية فطلب عدم إقالة عبد اللطيف من عمله كليّا. استجاب الباشا لطلب الكاهن وعيّن عبد اللطيف موظفًّا بسيطًا في بلدية نابلس وتحت إمرة الحاكم الجديد الذي سيحلّ محلّه.


 


بعد كلّ ذلك أمر الباشا الحاكمَ الجديد بألّا يجبي أيّة ضرائب من الطائفة السامرية، ثم توجّه إلى منزل الكاهن الأكبر سلامة ليحلّ ضيفًا عليه وعلى أبناء طائفته وقدّم لهم الهدايا والحلويات. كما عيّن الباشا الكاهن الأكبر سلامة عضوًا في البلدية الجديدة وأمر بنقل هذه العضوية بالوراثة للكهنة الكبار القادمين من بعده. وما زال هذا الدور قائمًا حقًّا إلى يومنا هذا، أي أن الكاهن الأكبر عضو في بلدية نابلس.


 


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حسيب شحادة

, فلسطين المحتلة