أضيف في 6 أكتوبر 2018 الساعة 19:11

كائن هرطقي


المصطفى سالمي
ظهر السيد (عزيزي) للوجود ليتناغم سريعا مع واقع يناسبه ويطابق خصاله الفطرية، لقد خلق لهذا العصر وتشرّب أساليبه، بل لقد تفوق على التيار السائد في عصره، ولو عاش السيد (عزيزي) في مجتمع آخر غير بلدة (المخاريب) لما كان له شأن يُذكر، إن هذه البلدة تُعلي من شأن أمثال السيد (عزيزي)، فلقبوه بـ :(الهرطقي)، هو يُفتي في كل الأمور، ويبرر اللامعقول، ويتلون مع كل الأوضاع، لذلك انطلق كالصاروخ ليجد نفسه مديرا "للشركة العامة للتواصل المتجدد"، لم يكن صاحبنا يملك إلا لسانا سليطا وأقنعة لا تنتهي وحضور بديهة، وكان إلى جانب كل هذا يمارس الغبن على البسطاء، ويتجنب مواجهة أصحاب النفوذ والسلطة والمسنودين بالوجهاء، كان يحابي الوصوليين والانتهازيين لعله بذلك يرد الدَّين لأمثال من أوصلوه لهذا المنصب، فلغة الانتهازية لا تحتاج من السيد (عزيزي) لمُعلم، إنه يعرف أبجدياتها وكأنما تعلمها وهو في المهد، ذلك أن من يرى صاحبنا ذا العينين الضيقتين والرأس الكبير والبطن المنتفخ والرجلين القصيرتين المقوستين يعلم حتما أن روحا شريرة تقطن هنا.
كبُرت ثروة السيد (الهرطقي) ورأسمالها لسان الدجل، كلمات خداعات فارغات ملتويات ممسوخات ممجوجات ربما يحفظها صاحبها ليلا لتنساب في طلاقة وسرعة، بها يكذب صاحبنا على المتعاملين والزبناء وحتى الموظفين، وبها يستغفلهم ويمارس هواية الخبث والمكر والاحتيال، وأما الأقنعة فما تشاء منها تجده حاضرا بين يديك، هنا الذئب وهنا الحمل الوديع، وهنا المؤمن وهنا اللئيم، هنا الشجاع وهنا المضحي وكل ما تشاء من الأوصاف، حتى الدموع يسكبها غزيرة كالتماسيح إن لزم الأمر.. ويوم الجمعة ترى صاحبنا في عباءته البيضاء وطربوشه الأحمر وفي يده السبحة الخضراء، يطأ الثرى في تيه وأناة، بينما تلتمع نعله الصفراء التقليدية، لكن عند المساء تجد (الهرطقي) في المقهى يلعب الورق مع رفاق زمنه البئيس، يتعالى صوتهم وتتعالى معه سحب الدخان في أرجاء المكان، وصاحبنا يتوسط الرفاق كلاعب خبير متمرس، ولا يتردد في إخراج الورقة الرابحة من تحت كمه، أو من ثنايا ثوب قميصه، أو من المجهول، وفي المكتب ومع كل صباح تسمع صوت القرآن يتعالى من مكتب (الهرطقي)، إنه يفتتح العمل صباحا على صوت الذكر الحكيم يتعالى من مكبر حاسوب مكتبه، بينما في نهاية الأسبوع يقضي صاحبنا الليالي الملاح سيئة الذكر مع ثلة من أصفيائه حيث نخب كؤوس اللحظات الخاصة التي لا يعلم كواليسها وسوء عاقبتها إلا عليم..
كان (الهرطقي) خبيرا في إدارة الشركة، يعتمد سلاح تقريب هذا وإبعاد ذاك، استغلال كفاءات هذا وتهميش ذاك، إنه يعيش على مواهب الآخرين، وامتصاص مجهوداتهم، وينسب كل منجَزٍ إليه هو وحده، إن الشركة العامة للتواصل يعتبرها صاحبنا ملكا خالصا له، رغم أنها شركة عمومية، لكن (الهرطقي) كان يختلس باستمرار محتوياتها من حواسيب وكراسي ومكاتب وغيرها من التجهيزات، وينقلها بقدرة عليم إلى مقر سكناه، ولو كان بمقدوره أن ينقل الجدران ويحملها بعيدا لفعل. لقد وجد (الهرطقي) في عالمه الفاجر من يؤيد فجوره، إذ رفعوا شأنه ونقلوه إلى مركز مهم في العاصمة، وهو الإدارة الدولية الكبرى للتواصل، ففي الوقت الذي غبطه أو حسده الذين تلطخت نفوسهم في بلدة (المخاريب) ممن جرفهم تيار العفن والسوس والتآكل، كان في الناحية المقابلة من يتساءل من القلة الجادة في زمن الهزل والغثاء:
ـ ماذا يملك (الهرطقي) من رصيد حتى تتم ترقيته هكذا وهو المحدود في تكوينه الدراسي الذي لم يتجاوز المراحل الابتدائية؟!
لم يكن المتسائلون يعلمون أن (الهرطقي) يملك أساليب الدجل والفجور، واستغلال ما يروجه إعلام بلدة (المخاريب)، إنهم يتحدثون هذه الأيام عن التسامح والتعايش، إذن فليقحم (الهرطقي) هذه العبارة في كل فعل ونشاط وملتقى أو حتى حفلة ماجنة راقصة، فليكنْ شعارها: (كلنا يد واحدة وخصر واحد يتمايل ويرتعش بلغة التعايش والتسامح)، وأما إن كان الأمر سباقا للكلاب أو الخيل فليكن الشعار هو: (لنتسابقْ من أجل قيم أرقى تعايشا وتسامحا واعترافا بالآخر..!)...
ما عاد السيد (الهرطقي) يختلس الأشياء الصغيرة في جنح الظلام اختلاسا، ذاك زمن مضى وانتهى، لقد أصبحت الأشياء الكبيرة تأتي إليه نهارا جهارا صاغرة ذليلة وتستقر في مسكنه الفخم الأشبه بالقصر العظيم، إنه زمن فصل تفصيلا على مقاس (الهرطقي)، أو ربما (الهرطقي) هو من فصل تفصيلا دقيقا على مقاس بلدة (المخاريب).


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب