أضيف في 26 شتنبر 2018 الساعة 16:28

مفهوم العقد الاجتمَاعي


سفيان البراق
السياسة هي فنُّ تدبير الشَّأن العام والسعيُّ وراء مصلحة الأفراد والشعب. وقد انشغلَ الإنسان منذ البداية بالمجتمَع، وكانَ الهدفُ من وراءِ هذا الانشغال هو تنظيمُ المُجتمع نحو الأفضل وتحقيق العدالة.

السياسة كمفهوم كان متداولة منذ فجر التاريخ، وتطورت مع مرورِ الزمن. أمَّا السياسة كفعل فقد انقسمت إلى قسمين رئيسيين: قبل نيقولا ميكيافيلي، كانت السياسة تدبَّرُ من وجهة نظرٍ أخلاقيّة (أفلاطون، أرسطو). ثم بعد فترة ميكيافيلي الذي قلبَ التفكير السياسي برمَّته، تمَّ قطعُ الصلة مع الأخلاق في السياسة، وأصبح الفكر السياسي يدارُ بذكاءٍ كبير، هذه الأفكار الخبيثة تعودُ بالنَّفع على الحاكم من أجل الحفاظ على السلطة.
على مرِّ التاريخ تحدَّث مجموعة من الفلاسفة وبإسهابٍ شديد في السياسة، ولا سيما في فرع العقد الاجتماعي، هذا العقد هو المنظِّم الوحيد للمجتمع من أجلِ تطور العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. وبالتالي، من هم أهم الفلاسفة الّذين تطرقوا لمفهوم العقد الاجتماعي؟ وهل هنالك اختلافٌ في أفكارهم؟

العقد الاجتماعي هو عبارةٌ عن مجموعة من القوانين والمحدِّدات اتفق عليها مجموعة من الناس من أجل تنظيم المجتمع نحو الأفضل. هذا الاتفاق يضمن لهم العيش بسلام وفق قوانين متفق عليها سلفا، ولا يمكن لأي شخص كيفما كان نوعه أن يخرق هذه القوانين.

يعدُّ الفيلسوف الإنجليزي "توماس هوبز" ( 1588 - 1679) هو المجدِّد الفِعلي للفلسفة السياسية الحديثة، وهو أول من كَتَبَ كتابةً نسقية في السياسة. ينتمي "توماس هوبز" إلى فلاسفة العقد الاجتماعي.
يوضِّحُ هوبز أنَّ الدولة ككيان سياسي منظَّم؛ هي نتاجُ توافقٍ بين مجموعة من الأفراد، وناقش هوبز أيضاً فكرة حالة الطبيعة، وهي تلك الحالة الغير المنظَّمة، وتنبني على أشكال طبيعية كالصراع، كما تتأسّس هذه الحالة على حربِ الكل ضدَّ الكل.
طرحَ هوبز نموذج "اللِّيفياتور" وهو نموذجٌ لدولةٍ معينة، وهو ليس لفظاً يشيرُ إلى التنين. هذا الليفياتور يهيمنُ على أفراد الشعب ويمارسُ عليهم سلطةً قاهرة. سببُ نشوء الدولة حسب هوبز هو تحقيقُ الحماية والرضا للأفراد، فوظيفتها هي الأمن والاستقرار وتنظيم المجتمع.
إنَّ الدولة هي تعاقدٌ اختياري يقومُ به النَّاس من أجلِ تشكيل نظام يُخرجهم من حالة الهمجية. التعاقد هو وحده الكفيل أن يخرج الشعب الإنجليزي من حالة الطبيعة، فالفترة التي عاش فيها هوبز عرفت حرباً دموية تاريخية بين الأسطول الإسباني والجنود الإنجليز. هذا التعاقد هو أنْ تتخلّى عن حقوقكِ وحريَّاتك لصالح كائنٍ آخر وهو الدولة، ولا يحقُّ أبداً للأفراد المُشكِّلين للمجتمع أن يُطالبوا بحرياتهم وحقوقهم لأنَّهم باعوا كلَّ شيء في البداية لصالح الدولة. إنَّ الحق ممنوحٌ للحاكم المطلق (اللِّيفياتور)، وهذا الحاكم يَعتبرُ أنَّ منح الحقوق للأفراد هي مِنَّةٌ عليهم.

يُنظِّرُ هوبز إلى الدولة باعتبارها كيانٌ موحد للعقائد، وتقطع العلاقة مع دابر الاختلاف. كما أكَّد هوبز مراراً وتكراراً على أنَّ المهمّة الأساسية للدولة هي توفير الأمن والاستقرار والخروج من حالة الطبيعة إلى حالة النِّظام.

"جون لوك" ( 1632 - 1704) هو واحدٌ من الأطر الكبيرة في الفلسفة التجريبية، وعاش "جون لوك" في فترة عرفت تطاحناً كبيراً بين الكاثوليك والبروتستانت، هذا التطاحن الديني خيَّمَ على فلسفةِ "جون لوك". ولقد تصدَّى جون لوك لسطوة التصور الديني السَّائد، وواجهَ رؤية تؤصِّلُ للتصور السياسيّ بأصولٍ دينية.
في كتابه "رسالة في التسامح" حاول "جون لوك" جاهداً الفصل بين سطوة الدين والسياسة، ويعدُّ من أهم المجدِّدين للتفكير الديني؛ أي أنَّه حاولَ تصحيح تلك الاعتقادات الشائعة. كما تصدى جون لوك كذلك لبعض الأفكار التي طرحها رجال الدين، هذه الأفكار تشرِّعُ التدخل في الضمائر، والتدخل كذلك في الاجتماعية. كلَّ هذا اعتبره "جون لوك" حيفاً اتجاه الحرية الشخصية، خصوصاً وأنَّ جون لوك كان تنويريا بامتياز، والحرية جزءٌ لا يتجزأ من الأنوار.

الحقُّ الطبيعي ينبني أساساً على حالة الطبيعة (هي حالة جيدة عند لوك على خلاف هوبز الذي اعتبرها شريرة)، وهذه الأخيرة (حالة الطبيعة) تتأسس على القانون الطبيعي، هذا القانون هو الذي يُقرِّرُ المحافظة على هذا الحق، ومُعاقبة كل من صادرَ هذا الحق. الحقوق الطبيعية عند جون لوك هي ثلاثة:
- حقُّ المساواة: ألاَّ يتدخلَ أحدٌ في حياة الآخر، وألاَّ يهددهُ سواءٌ في حياتهِ أو ملكيته.
- حقُّ الحريّة: هي أنْ يفعلَ الإنسان ما يريدهُ باستثناء ألا يؤدي نفسهُ أو غيرهُ.
- حقُّ المِلكية: الله سخَّر الأرض للنَّاس ليعملوا ويزرعوا ولكلِّ واحدٍ له حقُّ المِلكية.
هنا يتضح لنا الاختلاف الكبير بين هوبز ولوك، هوبز لا يعترفُ بحرية الفرد، عكس جون لوك.

ينتمي جون لوك لفلاسفة العقد الاجتماعي، حيث أكَّد جون لوك - وبإقرار- على أنَّ الانتقال من حالة الطبيعة إلى المُجتمع السياسي يكونُ عبر تعاقد اجتماعي.

يخضعُ تنظيم المُجتمع حسب "جون لوك" لثلاثة محدِّدات:
- سيادة الشعب: اختيار ممثلين يقومون بتشريع القوانين (الديموقراطية).
- تأصيل الأغلبية: الأغلبية هي العقل عند اختلاف المصالح، فعند اختلاف الآراء يتم الاحتكام للأغلبية.
- السلطة السياسية: هي سيادةُ الشعب وحده.

جون لوك هو أول من قام بفصِل السُّلط وهي ثلاثة:
- السلطة التشريعية: هي التي تشرِّعُ القوانين؛ وتحافظ على الحقوق.
- السلطة القضائية: مُهمتها هي فضُّ النزاعات.
- السلطة التنفيذية: هي التي تُنفِّذ القوانين الصادرة.
معلومٌ أن الحق الطبيعي هو أصل هذه السلط.

"جون جاك روسو" ( 1712 - 1778) هي فيلسوفٌ فرنسي كبير، له كتاب شهير موسوم بعنوان "العقد الاجتماعي". كانت حياةُ روسو حياةً فلسفية بكلِّ ما تحملُ الكلمة من معنى ودلالة لأنَّه عاشَ فقيراً، معدماً، بئيساً. كان له أسلوبٌ متميّز في الكتابة، وحاول الجمع بين العقل والرُّوح والجسد.
لم يكن روسو ملحداً؛ بل دعى إلى دينٍ طبيعي أو دين الفِطرة، وكان جمهوريا لذلك وقف ندّاً للملك لويس السادس عشر.

لقد اعتبرَ روسو أنَّ حالة الطبيعة ليست حالةً شريرة بل هي رومانسيةٌ وجميلة، والإنسان رومانسيٌّ بطبعهِ، والرومانسية هي الحرية، والرجوع إلى الطبيعة هو بمثابة الحرية.
أكد روسو أنَّه يجبُ علينا الجمعُ بين الحرية والمساواة، إلاَّ أن هذين المفهومين متضادين في الفلسفة السياسية، فالحرية هي أنْ تتركَ الإنسان يفعلُ ما يشاء، والمساواة تهمُّ الجماعة.

يدعو "جون جاك روسو" إلى النِّظام السياسي الذي ينبني على العقد الاجتماعي، إذْ يرى روسو ضرورة تنازل وتخلي الأفراد عن حريّاتهم وحقوقهم لصالح الإرادة العامَّة. ويربطُ روسو هذا التنازل عن الحقوق بالاتحاد والوحدة، أي كلَّما تنازلت أكثر قويت الجماعة أكثر.
إنَّ الدولة هي تجلي للإرادة العامَّة ولا يمكنُ للدولة أن تكونَ متسلِّطة عند توظيفها للسلطة، وتسعى الإرادة العامة في الغالب إلى تحقيقِ المصلحة العامة، وهذا ما جعل روسو يضحِّي بحرية الفرد، وبالتالي تصبح للإرادة العامة خاصيتان: تكونُ فوق الجميع - تكونُ ممثلة للجميع.

لقد عرف مفهوم العقد الاجتماعي عبر التاريخ مجموعة من التطورات الملموسة، كيف لا وكل فيلسوف أضفى لمسته السحرية على هذا المفهوم الذي بقيَّ في ارتباطٍ وطيد بالأنوار. كما عرفت المجتمعات تقدماً ملحوظاً على مستوى العلاقات الاجتماعية، كل هذا كان بفضلِ هذا المفهوم العميق، حقًّا إنه العقد الاجتماعي.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : سفيان البراق

كاتب مغربي   / , المغرب