أضيف في 24 شتنبر 2018 الساعة 07:05

مدن وأبراج وحروب .... فهل من دروس؟


د موسى أبومحلولة
مدن وأبراج وحروب .... فهل من دروس؟

يوم امس كنت على إرتفاع 235 مترا أقف في أعلى برج ليدن هول Leadenhall tower وهو ثاني اعلى برج في مدينة لندن وأوروبا الغربية بعد برج شارد Shard tower اللندني ايضا والذي كان ينتصب شامخا امامي على الضفة المقابلة لنهر التايمز ...

كانت لندن بمركزها التجاري والمالي وتاريخها الموغل في أعماق الزمن وارثها الثقافي والحضاري ونهر التايمز الذي يشقها ولا يقسمها بل يجسد وحدتها ويرسل الحياة والنماء في أرجاءها كانت تنشر معالمها امامي وتبهرني كعادتها بحسنها الأخاذ رغم مسحة الضباب المعتادة ايضا التي كانت تعلو سمائها ...

كنت أقف في ذلك العلو الشاهق أتأمل لندن بشوارعها النظيفة وحدائقها الخضراء وتخطيطها العمراني المتناسق وسكانها الذين جاءوا من كل حدب وصوب بأجناسهم وسنحهم وجنسياتهم المختلفة التي خلقها الله وأحسن تصويرها وثقافاتهم المتباينة وحتى الغريبة ودياناتهم السماوية والوثنية والسنتهم الإنجليزية والعربية والاعجمية فسكان لندن يتحدثون اكثر من مائة واربعين لغة ولهجة ورغم ذلك كانت الشوارع تبدو هادئه والحياة تسير طبيعية سلسة لا زحام ولا خصام ولا خراب ولا حطام بل مناظر رائعة وصورة بديعة لما يمكن أن يبنيه الإنسان الذي إستخلفه الله في الارض إذا ما توفرت له نعمة الامان والاستقرار وفضيلة التصالح مع الٱخر وركز جهوده على البناء والتنمية وصنع الحياة وإثراء الحضارة الإنسانية ...

كنت أتأمل برج البي تي BT tower كيف نصبوه واتعجب من برج شارد Shard tower كيف شيدوه وجسر برج لندن Tower bridge كيف ابدعوه ومئات العمائر التاريخيه والمعاصرة التي انتظمت أمامي في مشهد بانورامي رائع يأخذ اللب ويمتد في كل إتجاه قبل ان يتوارى في الأفق البعيد ...

في الافق الجنوبي البعيد تسمرت عيناي فجأة في إتجاه طرابلس فتوترت اوتار قلبي وضج هدوء نفسي وهاجمتني ذكريات الماضي واوجاع الحاضر ودون ان ادري عاودتني ذكريات وادي الدوم ونجاتي من مصير محتوم عندما اخذتني اقدار التهور واوامر العسكر وانا طبيب حديث التخرج وشاب في عمر من يسقطون اليوم في وادي الربيع جنوب طرابلس الى صحراء تشادية قاحلة لا ماء فيها ولا حياة ضاعت فوق رمالها مقدرات للشعب الليبي تقدر بالمليارات ودفن تحت رمالها اجساد شباب ليبيين تاهوا فيها وخسرهم الوطن فيما عرف يومها بالدفاع عن جنوب الوطن ...

كانت ليبيا يومها تئن تحت وطأة حرب جنوب الوطن كما تئن اليوم طرابلس تحت وطأة حرب جنوب العاصمة وكانت حرب خاسرة ضيعت على جنوب الوطن وشماله سنوات طويلة وفرص أكيدة في التنمية والبناء واللحاق بركب التقدم ضاعت هدرا واستنزفت مالا وأفنت رجالا ...

وها هو التاريخ اليوم يعيد نفسه وها هي الحرب تنشب في الشمال بل وفي طرابلس عاصمة البلاد بين اهل البلاد وتحت نفس الشعارات التي تدعي الثورية والوطنية والتحرير والحرص على مستقبل البلاد وسلامة العاصمة وهي تدمر البنية التحتية المتواضعة اصلا وتلحق بها وبمستقبل البلاد والعباد اشد الضرر ...

لندن هي الاخرى شهدت الحروب وتحملت غارات النازيين إدبان الحرب العالمية الثانية وتعلمت الدرس القاسية والأنجليز والاوربيون عموما تعلموا من دروس الحرب العالمية الثانية بعد ان ذاقوا ويلاتها فعقدوا العزم على الاقلاع عنها ونبذها وعقدوا إتفاقيات التصالح والتعاون وأقاموا الإتحاد الأوروبي فتمكنوا من إعادة إعمار مدنهم بهذا المستوى الراقي الذي اشاهده الٱن من أعلى هذا البرج الزجاجي الضخم الذي تم إفتتاحه عام 2014 والذي يلاصقه على يميني برج ٱخر هو اليوم في مراحل إنشائه النهائية وسيكون اعلى واكبر وسيتم إفتتاحه صيف في العام القادم 2019 م ..

قفزت بي الذاكرة مرة أخرى إلى ظهيرة ذلك اليوم الطرابلسي الجميل الذي كنت فيه في اعلى برج طرابلس ايام عزه القصير اتنشق نسيم البحر المتوسط العليل وعلى يميني كان برج ابوليلى يستقبل ٱخر اللمسات وقد إكتمل بنائه وتكامل بهائه فأضاف لعروس البحر معلما جديدا وعقدا فريدا يزينها ويضاف الى ابراج ذات العماد وبرج فندق ماريوت داو بعلوه الشاهق وحلته المعاصرة واضوائه الليزرية التي تخطف الانظار ...

كنت وانا اتابع جولتي الممتعة في لندن ومن اعلى برج ليدن هول اتابع ايضا أخبار طرابلس المؤسفة على صفحات اخبار طرابلس الفيسبوكية فتوقفت هنيهة عن إلتقاط الصور لألتقط بعض اخبار طرابلس فلم اجد الا اخبار الحرب ومشاهد اهوالها وهي تلتهم المزيد من ارواح شباب ليبيا وتكاد تلتهم ما تبقى من مجمع خزانات شركة البريقة وتقتل ما تبقى في نفسي ونفوس الليبيين من امل في ان تضع اوزارها الى الابد وتسمح لنا بمواصلة حياتنا بأخوة وسلام ...

أقفلت الهاتف كلية وأكتفيت بما رايت من حسن لندن وجمالها وما قرأت من اخبار طرابلس المؤسفة الحزينة وهرعت الى المصعد الزجاجي الذي هوى بي من الدور الخمسين الي الشارع اللندني الممطر وهوت معه احلامي لطرابلس ولبلادي ليبيا بالامن والسلام والتنمية والرخاء إلى أدنى مستوى لها منذ اندلاع ثورة (مصيبة) فبراير ... قلت في نفسي لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا ومضيت في الشارع يبللني مطر لندن الخفيف ويعصف بي شوق الى شمس صباح طرابلس التي ستشرق بإذن الله رغم الليل الطويل ... وعما قريب.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا