أضيف في 23 شتنبر 2018 الساعة 10:22

تراجيديا الدخول المدرسي


رشيد اليملولي
تراجيديا الدخول المدرسي .
قد يصعب علينا أحيانا أن نفهم الأشياء إذا كانت صعبة ، و في حال الافتقار أيضا إلى معطيات و قرائن ووقائع ، لكن حين نمارس الفعل و نقرنه بالخطاب قد نتمثل الهواجس و نعي الأهداف و الوسائط ، و لكننا نقتنع أن هناك تمايزا ميتافيزقيا بين الفلسفة الخاصة في التصور و البناء و التنزيل ، و بين الإرادة و الرغبة في وجود فكرة أصلا لبناء مجتمع المعرفة و العلم في أدنى مستوياتها ، إذا كنا نعي أن الذي يؤطر المجال العالمي و منه الوطني ، هو أن التنمية في جوهرها هي العلم و المعرفة.
ليس خافيا أن العنصر البشري ، يعد المدخل الأساس و الذي لا محيد عنه في أي إقلاع مهما كانت طبيعته ، غير أن مشروع الدولة في هذا المستوى يروغ و ينحاز عن هذا المبدأ ، انطلاقا من هواجس جمة يمكن حصرها في تحويل مجرى و مسرى المدرسة من اعتبارها قنطرة نحو الاندماج الاجتماعي ( العمل ) ، وربطها بالتكوين خارج التوظيف أي نحو نظام التعاقد بما يعنيه من تحلل نحو العديد من الالتزامات .
و يكمن الهاجس الثاني في تكوين طلائع بشرية همها الأساس العمل ، خارج أي وعي عملي أو نقابي ، أي تكوين عامل " أمي " سياسيا و نقابيا ، و أكثر تحديدا حقوقيا ، و في هذا تفسر الهرولة غير المقننة نحو التخصصات الضيقة ( المهندسين على سبيل المثال ) ، و خريجي التكوين المهني ، دون أن نغفل جحافل المدارس الخاصة ، و إن كان من مهزلة في هذا الهاجس ، فهي قطع الصلة مع العلوم الإنسانية من فلسفة و اجتماع و ما دار في فلكهما ، أي بناء أجيال منفصلة بشكل مرضي عن الفكر و الأنسنة و الفن ، باعتبارها روافد مهمة في بناء الإنسان الذي هو في المحصلة النهائية قاعدة الدولة و أساس استمرارها ، و أي شذوذ عن هذا المسار هو إيذان بتكوين و رعاية أجيال إرهابية تؤمن إلى حد القداسة بالنفعية المفرطة ، التي تختزل رؤيتها لشتى مجالات الحضارة مبنية على وجود نمطين أبيض و أسود .
انطلق الموسم الدراسي لهذه السنة تتويجا لأزمة التعليم و ليس التعلم ؛ أي الإرادة القسرية في فرض نموذج يتماشى مع " مشروع " الدولة المؤسس على إقبار الدولة الاجتماعية و الحقوقية لصالح الدولة الفئوية و النخبوية ، المنضوية تحت لواء توصيات البنوك الدولية و حزمتها الإصلاحية ، قلنا انطلق الموسم تحت شعار الخصاص البشري المهول في الأطر و الكفاءات و الأجهزة الإدارية ، ليحيل على معنيين ؛ عدم وجود رؤية منسجمة و متكاملة لتجاوز الاختلالات و الإكراهات ، و في الوقت ذاته غياب إرادة الإصلاح و البناء من زاوية أخرى ، مهما كانت طبيعة المجهودات و التبريرات المقدمة من طرف الأوصياء على القطاع .
الدلالة السلبية و الإيحاءات المرتبطة بها ، تخص إغراق مؤشر التنمية الحقيقي في براثن الانتظارية و تدبير الأزمات ، و تعطيل كل رغبة في الإصلاح و التغيير ، و الاختباء وراء العديد من الإكراهات التي بالإمكان تجاوزها إذا كانت الدولة تروم فعلا مبتغى بناء ذاتها حضاريا .
الفائض ، التفييض ، خريطة إعادة الانتشار ، المواد المتآخية ، صيغ لمعنى موحد إداريا و قانونيا ، و تعبير راقي عن تدبير مختل ومعاق ، يسعى في المقام الأول تدبير الخصاص برؤى و تصورات تستمد مرجعيتها من الزبونية و العلائقية ، وشبكة العلاقات التي تطال ملفات تدبير الفائض دون اعتبار السند القانوني و الإنساني و المجتمعي ، حتى ليغدو الإنسان المفيض أحيانا أشبه برحالة في المجال التابع له عمليا ، دون أن نتجاهل مدى تأثير ذلك على درجة العطاء و التفاعل مع المنظومة في ظل هذه الوضعية .
غير أن سوء التسيير و الارتجالية تطال حتى جداول الحصص ، التي غالبا ما تتغير بإيعاز من الشبكة البشرية و الخصاص الذي يميزها ، حيث يتم تجاهل العديد من القيم التربوية في تنزيل الجداول ، كأن يجبر الأستاذ على تجاوز التفويج في مواد تقتضي ذلك ، و قد يصل الأمر إلى العمل صباح مساء ، دون النظر إلى الأمر من الوجهة الإنسانية ، أي إشراك الأطر التربوية في بناء جداول الحصص في إطار المذكرات المرجعية لكل مادة على حدة ، و دون تفضيل مسبق بين العلوم الطبيعية و الفيزيائية و الاجتماعية ، و مراعاة الجوانب الاجتماعية و النفسية للأطر العاملة في المجال ( تخصيص الصبحيات بدرجة أكبر للشعب العلمية دون الأدبية دون معيار علمي مضبوط) .
لكن الكارثة التي يندى لها الجبين هي مسألة تغيير المسالك و الشعب ، و لا يتعلق الأمر إطلاقا بمصادرة حق المتعلمة / المتعلم في اختياره التربوي ، بل بالتمايز الصادر في هذا الإطار ، حيث تصر الإدارة التربوية على إسقاط الحق التربوي لصالح المسالك العلمية على حساب المسالك الأدبية و الإنسانية ، من خلال إفراغ الأقسام من المتعلمين ، و تصديرها نحو المسالك الأدبية و الإنسانية ، و لا يخفى ما مدى خطورة المعاني المباشرة التي يتم بناءها وفق هذا النسق ، من قبيل هزالة و هامشية و ضعف التخصصات الأدبية و الإنسانية و الاجتماعية ، و قوة نظيرتها العلمية في سوق الشغل ، و لا حاجة هنا للحديث عن المسؤولية الحضارية لأطر التوجيه ، التي غالبا ما تذبح عملية التوجيه ، و تضرب عرض الحائط بالأساس التربوي المعروف بتعدد الذكاء ، و هي رسالة موجهة من طرف الدولة التي لا تجد حرجا في تفضيل الشعب العلمية على الاجتماعية و الإنسانية ، في خطابها وممارساتها و كأنها تقعد للأزمة و ترسي قواعدها و قوانينها ، و الدرس الذي علمنا إياه التاريخ أن الحضارة الأوربية قامت في أساسها على ما يسمى بالحركة الإنسانية ( الإنسان الشامل وليس العلمي و الأدبي و الديني ) ، و حاليا مع التجربة اليابانية و الكورية و الجنوبية ، و دولة الصهاينة ، و التجربة الفلندية المميزة و المعتمدة بشكل رئيس على الاستثمار في العنصر البشري و دون تمايز أو تمييز يذكر ( إلزامية التعليم و مسؤولية الدولة عنها إنفاقا و تسييرا ، و لا وجود للتعليم الخاص أو المدارس كالمرجعية مثلا ).
ليس سليما و لا معنى لأي سلوك ، تصور ، تدبير ، فكرة ، لا تراعي البعد الإنساني ، فمهما أبدعنا في إخراج النصوص القانونية و الإدارية ، فلن يكون لها من معنى و دلالة ، إذا كانت تتجاوز الإنسان و تعلو عليه ، و تسلبه حق الخلق و الإبداع و الابتكار ، و خلاف ذلك أي التعويل على التعليم المأزوم و المتأزم و تدبير سلبياته ، و تسويق خطاب الاستهلاك للتعمية ، و تغيير بوصلة الاهتمام ، لا يعدو أن يكون إلا إعادة إنتاج الإعاقة الاجتماعية و الذهنية و الفلسفية ، و إعادة إنتاج سيزيف مغربي بمقوماته و سماته الحضارية الخاصة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب