أضيف في 21 شتنبر 2018 الساعة 19:47

الرئيس السجين


نورالدين الطويليع

هو رجل من أهل السجن يدب فوق الأرض, ويشرف على تدبير الشأن المحلي لجماعة حضرية، ليس من وراء القضبان، وإنما من أمامها، بمعنى أنه تركها خلفه، ربما لأنه أوتي شيئا من نفث هاروت وماروت جعله يتسلل من بينها في غفلة من الحراس، ليحظى، وهو السجين الحر، بإدارة أمر الأحرار السجناء الذين لا يميزهم عنه سوى أنهم مساجين قَدَرٍ حكمت عليهم آلهة العذاب أن يحملوا صخرة سيزيف الكبرياء الجريح والأمل المحبط والجرح الغائر إلى قمة جبل لا نهاية المأساة، في دورة حتم عليهم فيها أن يبقوا حبيسي السفح، وإن شاء القدر وتجاوزوه ببضعة ملمترات أسقطت صخرة العذاب من بين أيديهم واندحرت أسفل سافلين، لتحكم عليهم بالاندحار وراءها والتقهقر الذي لا يتوقف، كأنما هي عقوبة حبسية مع الأعمال الشاقة المؤبدة أوكل أمر مراقبة عذابها المستمر إلى سجين يفهم جيدا ويعي ما تعنيه السيزيفية التي خبر دروبها بسنوات عمره الثمانين.
من أراد أن يعرف من هذا السجين الطليق، أو سوبر سجين فليول وجهه ورجله وعقله صوب المدينة اليتيمة، وحينئذ سيلتقي برئيس مجلسها الحضري الرفيق الأممي المناضل الذي أفنى عمره هناك وهنا وفي ذلك، وتحت هذا، وفوق ذاك، وبين هذا وذاك... سيحدثه عن نضاله المستمر لنشر العدالة الاجتماعية وفاء لأرواح الشهداء الذين حملوه مسؤوليتها قبل أن يسلموا الروح لبارئها، وسيضرب له مثالا حيا لذلك بطلبات السند التي يحرص على ألا يستفيد منها غير ساكني الدرجة الاجتماعية السفلى، الذين تأبى عليه شكيمته أن يقول لهم لا أجد ما أطعمكم به، وترفض نخوته أن يتركهم يتولون وأعينهم تفيض من الدمع، وإن دمعت أعينهم في حضرته لان جانبه لهم، ورقت لهم نفسُه.
من يلتقي بالرئيس السجين الذي سبق له أن "غسل عظامه في مكة والمدينة والمسجد الحرام والمسجد النبوي، وتألق في رمي الجمرات الحارقة المحرقة للشيطان الرجيم، واستحق أن يصدر اسمه بلقب "الحاج"، من يلتقي به، لا شك أنه سيكرم وفادته في إقامته البعيدة عن ضوضاء المدينة بمختلف الأشربة التي تنعش النفس وتبعث فيها الحياة.
تلك حكاية رئيس سجين خارج السجن إلى أجل مسمى، أو بلا أجل، قضت الأيام أن يقوم بدورة أشبه ما تكون بالدورة الذنبية بين الدروب المفضية إليه، فما أن يغادر مفوضية الشرطة ومكتب الضابطة القضائية حتى يعود إليهما، بعد أن صارت تنثال عليه الشكايات انثيالا وتحاصره حصارا، مفسدة عليه حلاوة العيش، ومذكرة إياه بالسجن الذي يتربص به الدوائر ليمنحه شرف الإقامة به في خريف عمر، قد تشاء الصدف، وقد لا تشاء طبعا، أن يغادرنا منه وفيه وعبره إلى العالم الآخر، ليخلد اسمه في لائحة ضيوف السجن الأموات، أو الأموات ضيوف السجن.
هي شكايات متعددة المشارب، إحداها من رئيس لجنة ميزانية مجلسه، والأخرى من معارضين اتهماه بإفساد السجن، عفوا المدينة، والأخرى من مقاول اتهمه بالتلاعب بإحدى الصفقات، والقاسم المشترك بين الشكايات جميعها هو رغبة أصحابها في إدانة الرئيس السجين، وهو المدان أصلا من محكمة جرائم الأموال، المراهن، ربما حسن ظني، وبعض الظن إثم، على ربح مزيد من الوقت، لأخذ البراءة، أو للفرار إلى الآخرة عبر قارب موت وشيك ينجيه ببدنه ويقذف به في غيابة قبر ليكون وليمة لديدان لم يسبق لها، ربما، أن تذوقت لحما تربص به السجن دون أن يتمكن منه.



قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب