أضيف في 22 غشت 2018 الساعة 04:01

الأشجار واغتيال مرزوق مرة أخرى ـ قصة قصيرة


نورالدين الطويليع
توصل مرزوق ببرقية تهديد ووعيد آمرة زاجرة، تدعوه إلى الكف عن استغلال مياه البئر التي يستغلها وأسرته منذ عشرات السنين، بعدما ورثها عن أحد المعمرين الفرنسيين الذي تركها ورحل إلى بلده بعيد حصول الوطن على الاستقلال.
كان نصيب مرزوق من ضيعة المعمر منزل صغير، وبئر حظه منها الشرب فقط، في حين آل أمر الضيعة لقواد كبار، غرسوا فيها أنواعا شتى من الأشجار المثمرة ذات الجودة العالية, اقتسموا بداية البئر مع مرزوق، مدوا شبكات الري على طول الضيعة وعرضها، وضعوا السياج العازل الذي يحول دون تسرب المتطفلين إليها، ومنعوا، بعد أن استتب لهم الأمر، وأحكموا الاستيلاء على البئر، أي استغلال لها خارج نطاق الشرب، ورغم هذا اشتكوا من تبذير مرزوق للماء، وأوعزوا ذلك إلى عناده، وشربه بما يزيد عن حاجته، ما أثر سلبا، حسب رأيهم، على الفرشة المائية، وأضر بالمحصول، إذ لم تعد الأشجار تأخذ نصيبها اللازب الذي يقدر بمئة لتر للشجرة الواحدة في اليوم الواحد.
وإلى جانب ذلك لا حظ طبيب الضيعة ظهور طفيليات على بعض الأشجار، وعزا ذلك إلى تلوث ماء البئر بعرق مرزوق، وحذر من موت الأشجار إن استمر تصبب عرقه وتسربه إلى قاع البئر، وختم الطبيب ملاحظته بوجوب "فض الاشتباك"، والبحث عن موارد مائية جديدة للضيعة أو لمرزوق.
اقترح أحد القواد أن يستغنوا عن البئر نهائيا، وأن يجلبوا الماء للضيعة من بركة توجد على بعد كيلومترات، وهنا تدخل الطبيب قائلا: لا أنصحكم بذلك، البركة ماؤها ملوث، تعيش فيها الضفادع، وتسبح فيها الكلاب، وترمى فيها الجيف، وسقيكم الأشجار بمائها يعني مرضها، وإصابة ثمارها بفيروسات خطيرة لا شك أنها ستنتقل إلى زبناء الضيعة الذين يجب أن نحافظ عليهم، وأن نحرص على ألا يمسهم منا ضرر أو سوء، وإن لم يكن لنا خيار آخر غير البركة، فلنوجه مياهها لمرزوق، ونمنعه من استغلال البئر.
لكنك حذرتنا من هذه البركة الملوث ماؤها, فكيف تدعونا إلى مد مائها إليه؟، تساءل أحد القواد، قبل أن يستطرد مخاطبا الطبيب: إذا كان ماء البركة سيضر بالأشجار، فكيف سيكون الأمر بالنسبة للإنسان؟
أنا أعرفه جيدا، هذا المخلوق يتمتع بمناعة كبيرة، يعيش مع الكلاب والحمير، لن يؤثر عليه الماء الملوث، وحتى إن أصابه سوء، فليذهب إلى الجحيم، وهي مناسبة ذهبية لنا لنتخلص من شغبه اللا محدود، ومن نظراته التي تصيب أشجارنا بعينه الشريرة.
صفق الجميع لوجاهة رأي الطبيب وحصافة عقله، وأعلنوا تبنيهم بالإجماع مقترحه
بعد مرور بضعة أسابيع اعتصم مرزوق في مدخل الضيعة احتجاجا على ما وجده من بقايا الصراصير والفئران وأنواع الحشرات في الماء الجديد، اقترب منه أحدهم، وقبل أن يكلمه، أفرغ مسدسه في جسده فأرداه قتيلا.
تعالى هتاف القوم: ليمت مرزوق، وليمت كل المتطفلين، ولتبق الأشجار راسخة في الأرض تعطي أكلها الطيب بإذن عنايتنا الفائقة.

هذا العنوان يتقاطع ويتناص مع روايتي عبد الرحمان منيف: الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى، والأشجار واغتيال مرزوق


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب