أضيف في 19 غشت 2018 الساعة 10:02

هل يرحل الحمام؟


د موسى أبومحلولة
هل يرحل الحمام؟

جلست هذا المساء بهدوء في الطرف القصي لحديقة البيت أتأمل مشهدا حزينا واتذكر شعرا حزينا وانصت لنواح حزين ...حمائم يتجاوز عددها الخمسون حمامة حطت على سقف بيتي في "ليلة بلا قمر"وبنت اعشاشها تحت الواح الخلايا الشمسية المتبثة في أعلى سطح البيت منذ أربع سنوات وفي غفلة مني فضمنت المأوى لصغارها والحماية لاعشاشها من المطر والشمس والرياح وطاب لها المقام المرفّه وشعرت بالأمن والإرتياح حاولت على مضض أن اتعايش معها عندما كان عددها قليل وكنت أصحو في كل صباح على الهذيل والنواح بدلا من نغمة الموبايل او رنين المنبه ...

مع مرور الأيام ثكاثر عدد ضيوفي من الحمام وكثر عددهم وعبثهم وعلا ضجيجهم وصخبهم وتطاير ريشهم وتلطخ سطح الخلايا الشمسية بفضلاتهم وتزايد إزعاجهم لي وللجيران فكان لابد من خطوة حاسمة وضربة قاسمة ترغم الحمام الغير مسالم على الرحيل بسلام ...

هذا الصباح أعلنت الحرب على حمائم "الّلاسلام" واستعنت عليها برجل روماني متخصص في مكافحة الحمام وشروره فصعد في لمح البصر الى اعلى السطح ونشر شباكه المعدنية ليضرب طوقا معدنيا ويصنع سدا منيعا حول الخلايا الشمسية ويمنع دخول الحمائم الى اعشاشها وإطعام وملاعبة صغارها ويجبرها على المغادرة في سلام ودون إراقة دماء وكفي الله المؤمنين القتال ...

انهى الرجل مهمته بنجاح وقبل ان يخرج أخرجت له من جيبي ما طلب من الباودندات مقابل خدمة إبعاد الحمامات دونما نقاش أو مفاوضات ...

غادر المحارب الروماني ساحة المعركة وقبل أن يتوارى عن الأنظار عادت أسراب الحمام الى سطح الدار لتتجدد معاناتي وتستبد بي همومي فعادت بي الذاكرة الى اشعار ابي فراس الحمداني علهّا تسلي نفسي وتخفف أحزاني ... أو تزيدها:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة
أيا جارتا هل تشعرين بحالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي تري روحا لدي ضعيفة
تردد في جسم يعذب بالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة
ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولي منك بالدمع مقلة
ولكن دمعي في الحوادث غالي

تعوذت من الشيطان ومن شرور الحمام وتوكلت على الله وغادرت البيت في مشوار ضروري وقلت وقد عاودني شعور بالزهو والإنتصار لاشك أن الحمائم المعتدية ستنسحب منهزمة وتغادر الى غير رجعة وقد سدت في وجهها الابواب بإحكام ...

عدت قبل الغروب إلى البيت لأجد أن الحمام قد عاد بسلام وهو يستعد ربما كعادته للمنام، سحبت كرسيا الى طرف الحديقة البعيد وجلست اراقب مايحدث وأقلب شريط ذكرياتي الحمائمية القريبة والبعيدة فها انا صبي يافع اعتني بصغار حمامة في عشها في أعلى شجرة الزيتون في مزرعة جدي بام الجرسان ازورها كل يوم مرتين وهي صغيرة في العش لأطمئن عليها بإنتظار أن تكبر إلى أن جاء اليوم الذي وجدت فيه العش خالياّ من فراخ الحمام التي طارت دون إذن مني فتعلمت الدرس: عصفور في اليد ولا عشرة فوق الشجرة
وتعود بي الذاكرة مرة أخرى فأرى نفسي شابا حالما عاشقا للشعر مسافرا في دواوين أشعارِ العَرَبِ، وما كتب فيها عن الحمامة وما يَهِيجُهُ نَوْحُها مِن كوامِنِ الأشواقِ، ولَوْعَةِ الحنينِ، وحُرْقَةِ الجَوَى. ففي رقَّةِ تَسْجيعِهِا ما يَبْعَثُ التَّذكُّرَ، ويُولِّدُ الشُّجونَ، ويَهيجُ الأسَى، ويجدد رقَّةَ القلبِ؛ حتَّى يجعل البكاءَ فَرْضًا معها، والتَّصابي لازمًا لأجلِها.

افقت من لحظة التذكر والتامل لاجد نفسي انظر الى الحمام على سطح البيت ولسان حالي يردد قول نزار قباني:

ذوبت في غرامك الأقلام
من أزرق وأحمر وأخضر
حتى أنتهي الكلام
علقت حبي لك
في أساور الحمام
ولم أكن أعرف يا حبيبتي
أن الهوى يطير كالحمام

أصر الحمام هذه المرة على أن لا يطير وشعرت بإشفاق على حاله وقد أصبح بلا عش أو مأوى وقلت في نفسي يا لقسوة الرجل الروماني وقسوتي ودخلت إلى البيت دون أن تدخل أي من الحمامات الى بيتها ... والصباح رباح.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا