أضيف في 14 غشت 2018 الساعة 20:47

هل القرآن يقبل التفسير ونقيضه؟


إبراهيم عوض
هل القرآن يقبل التفسير ونقيضه؟
إبراهيم عوض


منذ عدة أشهر وقع لى كتاب إنجليزى عن الإسلام لصحفية ‏أمريكية اسمها كارلا باور عنوانه: "‏If the Oceans were Ink‏". ‏وهذا العنوان بمثابة ترجمة للعبارة القرآنية التى تقول: "لو كان البحرُ ‏مِدَادًا" الموجودة فى قوله تعالى من سورة "الكهف": "قل: لو كان البحرُ ‏مدادًا لكلمات ربى لَنَفِدَ البحرُ قبل أن تَنْفَدَ كلماتُ ربى ولو جئنا بمِثْلِه ‏مَدَدًا"، وهو عبارة عن تسجيل لحوار طويل دار بين المؤلفة الأمريكية ‏‏(اليهودية الأم، الكويكرية الأب) كارلا باور وبين د. أكرم ندوى ‏الأستاذ الجامعى الهندى الذى يعيش ويعمل فى أحد المراكز العلمية ‏بأكسفورد. وسوف أتوقف عند كلامها التالى عن القرآن الكريم، الذى ‏تزعم أنه يقبل كل التفسيرات جراء صياغته العامة بحيث يمكن أن ‏يخرج الشخص منه بالشىء ونقيضه بكل سهولة: ‏
‎“Revered by a population as diverse as the umma, or ‎worldwide Muslim community, the Quran can refract in ‎dazzling ways. The San Francisco civil rights lawyer may ‎discover freedoms in the same sura, or chapter, in which ‎a twelfth-century Cairo cleric saw strictures. A Sudanese ‎mullah, or religious teacher, may read a command for ‎wifely obedience; an Indonesian wife may interpret the ‎same passage as a call for equality and compassion. The ‎Marxist and the Wall Street banker, the despot and the ‎democrat, the terrorist and the pluralist—each can point to ‎a passage in support of his cause. ‎
Sheikh Mohammad Akram Nadwi, the Islamic ‎scholar who taught me the Quran, once told me an old ‎Indian joke. A Hindu goes to his Muslim neighbor and ‎asks if he could borrow a copy of the Quran. “Of ‎course,” said the Muslim. “We’ve got plenty! Let me go ‎get you one from my library.” A week later, the Hindu ‎returns. “Thanks so much,” he said. “Fascinating. But I ‎wonder, could you give me a copy of the other Quran?” ‎‎“Um, you’re holding it there,” said the Muslim. “There’s ‎just one Quran, and you’ve got it.” “Yeah, I read it,” ‎replied the Hindu. “But I need a copy of the Quran that’s ‎followed by Muslims.” “The joke is right,” said Akram. ‎‎“All this talk about jihad and forming Islamic states, ‎that’s not what the Quran says!”. ‎
وخلاصته أن النص القرآنى يقبل التفسيرات المتعارضة: ‏فالحاكم المستبد يجد فيه ما يعضد استبداده مثلما يجد الحاكم ‏الديمقراطىّ فى نفس النص ما يدعم حجته. والمدافعون عن حقوق ‏المرأة يجدون ما يريدون فى ذات الآية التى يستشهد بها من يضيّقون ‏على حواء ويحرمونها تلك الحقوق. وبالمثل يجد الماركسى فيه ما يقوى ‏عقيدته الماركسية فى الوقت الذى يجد الرأسمالى ما يقوى اتجاهه ‏الرأسمالى. نجد ذلك فى الفصل المسمى: "‏The Quran in Twenty-‎Five Words‏" من كتابها المذكور. وبغض النظر عما تريد الكاتبة من ‏وراء هذا الكلام فلا بد من معرفة أن المسلمين فى عصر النبى لم ‏يختلفوا فى فهم القرآن على النحو الذى تصوره كلمات الكاتبة. ولو كان ‏القرآن فى ذاته يؤدى إلى هذا الاختلاف لرأيناهم فرقا وشيعا، كل فرقة ‏تمضى فى اتجاهها لا تتلاقى مع سائر الفرق والشيع. لكننا ننظر فنجد ‏أنهم كانوا جميعا على قلب رجل واحد. ‏
أما لو وقع خلاف بين أحد وآخر أو حدث سوء فهم من أى منهم ‏لنص قرآنى فما أسرع ما يقضى النبى على هذا الخلاف بتوضيح ‏الصواب من الخطإ كما هو الحال مثلا حين استغرب عَدِىُّ بن حاتم ‏قول القرآن عن أتباع النصرانية إنهم قد "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ‏أربابا من دون الله"، إذ قال للنبى: "ما كنا لنعبدهم". فوضح له النبى أن ‏المقصود بالعبادة هنا تشريعهم لهم من عند أنفسهم اتباعا لنزواتهم ‏وأهوائهم وشهواتهم لا بناء على وحى سماوى، فكانوا يتبعون تعاليمهم ‏رغم انحرافها عن دين الله. وعندئذ اقتنع عدى. ‏
ويمكن أن نُلْحِق بذلك تردد الصحابة فى قبول معاهدة ‏الحديبية لما رأوا فيها من إجحاف ولما تنص عليه من رجوعهم ذلك ‏العام دون اعتمار، مما دفع بعضهم إلى التساؤل: ألم ير الرسول فى منامه ‏أننا سوف نؤدى العمرة؟ فكيف نعود من حيث أتينا دون أن نؤديها؟ ‏فما كان من النبى إلا أن سألهم بدوره قائلا: وهل قلت لكم إنكم ‏ستعتمرون هذا العام؟ فحسم بسؤاله ذلك حيرتهم وترددهم. وهو ما ‏أشارت إليه آية سورة "الفتح": "لقد صَدَق اللهُ رسولَه الرؤيا بالحقّ: ‏لتَدْخُلُنَّ المسجدَ الحرامَ إن شاء اللهُ آمنين محلِّقين رؤوسَكم ‏ومقصِّرين لا تخافون. فعَلِم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحًا ‏قريبًا". ‏
ومثله كذلك ما رد به رسول الله على عمار بن ياسر حين أتاه ‏فزعا تكاد روحه تزهق بعد أن نطق بكلمة الكفر تحت تأثير ‏التعذيب البشع الذى صبه عليه كفار مكة، فما كان منه عليه السلام ‏إلا أن سأله عن حال قلبه وما فيه من إيمان، فطمأنه بأن إيمانه باقٍ ‏على قوته رغم اضطراره للنطق بكلمة الكفر فرارا من استمرار ‏التعذيب الشنيع. فواساه الرسول وخفف عنه ومَرْهَمَ جراحَ ضميره ‏مبينا له أنه ما دام إيمانه باقيا على حاله فى صدره فلا خوف. بل زاد ‏فنصحه بأنهم إن عادوا إلى تعذيبه فلينطق أمامهم بما يسكتهم عنه ‏ويجعلهم يطلقون سراحه. ذلك أن العبرة فى الإسلام فى تلك الأحوال ‏بالنية والقلب. كما أن ديننا لا ينتظر من البشر أن يتحول كل منهم ‏إلى سوبرمان، إذ يعرف أن مُنَّتهم ضعيفة وأن لاحتمالهم قسوة العذاب ‏حدودا ينتهى إليها مهما كان الواحد منهم شجاعا راسخ اليقين قادرا ‏على التضحيات: "وخُلِق الإنسانُ ضعيفا"، "ما يفعلُ اللهُ بعذابكم إن ‏شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما". والله فى الإسلام رب الرحمة ‏واللطف والود والكرم، ورحمته تسبق دائما غضبه، وتسامحه مع عباده ‏بلا حدود.‏
وعودةً إلى ما قالته كارلا باور نقول إن هناك دائما، لَدُنْ شَرْحِ أى ‏نص، عدة شروط ينبغى الانتباه إليها ومراعاتها، وإلا فشل الشرح ‏وابتعد عن المعنى الصحيح ابتعادا قد يصل إلى حد التناقض الذى لا ‏يمكن جبره. ومنها احترام السياق، إلى جانب الذكاء والمرونة العقلية ‏والإخلاص بطبيعة الحال، فضلا عن المعرفة الواسعة والعميقة ‏بالموضوع المراد شرحه. والسياق فى موضوعنا ليس ضربا واحدا بل ‏ضروبا: السياق اللغوى، والسياق التاريخى، والسياق القرآنى، والسياق ‏الحديثى. فلا يصح أبدا أن يهجم هاجم على القرآن الكريم وهو لا ‏يعرف العربية، أو يعرف العربية المعاصرة بينما يجهل العربية القديمة ‏التى كانت سائدة أيام نزول الوحى على سيدنا رسول الله، وإلا لفسر ‏‏"الذَّرَّة" مثلا على أنها الجزء المتناهى فى الصغر من المادة فى حين أن ‏المقصود فى القرآن هو النملة الضئيلة، ولَفَسَّر "السيارة" فى قوله تعالى: ‏‏"وجاءت سيارةٌ فأرسلوا وارِدَهم فأَدْلَى دَلْوَه" بالعربة ذات المحرك رغم ‏أنها فى القرآن هى القافلة، ولَفَسَّر "الخير" فى قوله عز شأنه فى سياق ‏الحديث عن الإنسان: "وإنه لِحُبِّ الخير لَشديد" على أنه نقيض الشر مع ‏أن القرآن إنما يقصد به هنا الأموال والأملاك، ولفسَّر "الفرح" المنهىّ ‏عنه بالسرور، فى الوقت الذى يريد به القرآن الغرور والبطر ونسيان ‏الآخرة، ولفسَّر "اللَّعِب" لَدُنْ وصفه سبحانه للدنيا بأنها "لعبٌ ولهوٌ" على ‏أنه تصريف الطاقة فى الجرى والقفز وتمضية الوقت فى السباق البدنى ‏والعقلى وما إلى ذلك بغية تنشيط الجسم والعقل والتسرية عن ‏النفس، بينما يقصد القرآن أن حياة الأرض عابرة زائلة وغير جوهرية ‏على عكس الآخرة بأبديتها وجوهريتها، ولفسَّر "اليد والوجه والعرش" ‏بالنسبة لله على أنها اليد والوجه والعرش كما نعرفها فى حياتنا ‏البشرية مع أنها تعنى قدرة الله وعظمته وسلطانه الشامل العميم على ‏الترتيب، ولفسَّر "الجهاد" فى كل الأحوال بمعنى الحرب ضد الكفار ‏الذين يريدون بالإسلام والمسلمين شرا رغم أن "الجهاد" هو بذل الجهد ‏فى مواجهة الخصم أيا كان نوع هذا الجهد، ومن ثم فقوله تعالى لرسوله ‏فى المرحلة المكية: "وجاهِدْهم به جهادا كبيرا" ليس معناه: حارِبْهم، بل ‏معناه: اجتهد بكل قوتك لإيصال الوحى إليهم وإقناعهم بصحة ما ‏فيه وكسبهم إلى صف الإيمان بالحجة والموعظة الحسنة. ‏
وبالمناسبة فأنت إذا ما سألت مصريا الآن عن معنى "الصعيد" ‏فلن يخطر فى ذهنه سوى القسم الجنوبى من بلاده، وبالتالى فمن ‏الصعب عليه، ما دام لا علم له بالأسلوب العربى القديم، فَهْمُ أن ‏المقصود بقوله عز شأنه: "فتَيَمَّموا صعيدًا طيبًا" هو الطاهر من التراب ‏والرمل وما إلى ذلك... بل قد يكون قارئ القرآن صحابيا، وتفوته مع ‏ذلك نكتة بلاغية مثلا، فيخطئ فهم النص كما وقع لعدى بن حاتم ‏حين أخذ الآية القرآنية التالية على حرفيتها، ومن ثم أحضر خيطا ‏أبيض وآخر أسود وظل يأكل فى خيمته كلما جاع طوال الليل إلى أن ‏تبين له اللونان عند انتشار النور فى الآفاق، وفاته أن الآية إنما تعنى ‏النور والظلام لا الخيطين الماديين، إذ هى استعارة لا تعبير حقيقى. ‏ونص الآية هو: "وكلوا واشربوا حتى يتبيَّن لكم الخيطُ الأبيضُ من ‏الخيطِ الأسودِ من الفَجْر"... وهكذا. ‏
وكثير من القراء اليوم لن يفهموا بسهولةٍ التراكيب التالية: "وإنّ ‏كُلًّا لمّا لَيُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم" (بمعنى أنهم بكل يقين سوف يوفيهم ‏جميعا ربُّك أعمالهم)، أو "وإنْ كُلٌّ لمّا جميعٌ لدينا مُحْضَرون" (ما منهم ‏أحد إلا وسوف يُحْضَر إلينا)، "فلا تكن للخائنين خصيما" (لا تأخذ ‏جانب الخائنين وتدافع عنهم)، "ولاتَ حينَ مَنَاص" (لامَهْرَب ولا ‏مَنْجَى لأحد فى ذلك الحين)، "وإنْ كادوا لَيَفْتِنُونكَ عن الذى أوحينا ‏إليك لِتَفْتَرِىَ علينا غيره" (لقد كادوا أن يفتنوك عن الذى أوحينا ‏إليك...)، "الطفل الذين لم يَظْهَروا على عورات النساء" (الأطفال)، ‏‏"وكَأَيِّنْ من قريةٍ هى أشدُّ قوةً من قريتك التى أخرجتكَ أهلكناهم" (ما ‏أكثر الأمم التى كانت أقوى من أمتك، ورغم ذلك أهلكناهم)، "مما ‏خطيئاتهم أُغْرِقوا" (بسبب خطاياهم تم إغراقهم)، "ولا تكونوا كالتى ‏نقضتْ غَزْلَها من بعد قوةٍ أنكاثًا تتخذون أيمانكم دَخَلًا بينكم ‏أن تكون أُمَّةٌ هى أَرْبَى من أُمَّة" (بُغْيَة أن تكون أُمَّة هى أَرْبَى من ‏أمة). ‏
فهذا هو السياق اللغوى للنص القرآنى. أما السياق التاريخى فيأتى ‏على رأسه "أسباب النزول"، إذ بدون الإحاطة بهذه الأسباب سوف نُلْفِى ‏كثيرا جدا من المسلمين يصلّون متجهين إلى الجهة التى تعنّ لهم دون ‏الالتزام بالقبلة اعتمادا على أن هناك آية تقول: "ولله المشرق والمغرب. ‏فأينما تُوَلُّوا فثَمَّ وجهُ الله"، وفاتهم أن الآية إنما نزلت ردا على شعور ‏بعض الصحابة بالحرج بعد اكتشافهم أنهم قد صَلَّوْا ذات ليلة فى غير ‏اتجاه القبلة بسبب الظلام الدامس وخطئهم فى تحديد جهة الكعبة، ‏فبيَّن القرآن لهم أن العبرة بالنية والاجتهاد المخلص، وأنهم معذورون ‏فى هذا الخطإ، وأن صلاتهم مقبولة. فهم، وإن كان استقبال القبلة قد ‏أفلت منهم، لم يفلت منهم الأجر لأن الله ليس هنا أو هاهنا بل ‏وجوده مطلق غير منحصر فى أى اتجاه، وهو سبحانه قد قبل منهم ‏صلاتهم نظرا لظروفهم القهرية. ‏
وبدون الاستعانة بأسباب النزول سوف يشرب بعض المسلمين ‏الخمر بناء على فهمهم لما تقوله الآية التالية من سورة "المائدة": "ليس ‏على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُنَاحٌ فيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمنوا ‏وعملوا الصالحات ثم اتَّقَوْا وآمنوا ثم اتَّقَوْا وأحسنوا. والله يحب ‏المحسنين"، وهو ما فعله أحد المسلمين على عهد عمر بناء على ما فهمه ‏من ظاهر الآية، الذى يقول إنه ليس على المسلم حرج فى أكل أى ‏شىء أو شربه ما دام تقيا محسنا يعمل الصالحات، بينما معناها ‏الحقيقى غير ذلك. فقد تساءل بعض الصحابة أيامَ النبى عن مصير ‏المسلمين الصالحين الذين ماتوا وكانوا يشربون الخمر، إذ لم تكن أم ‏الخبائث قد حُرِّمَتْ بعد. فوَضَّح القرآن أنهم ناجون يوم القيامة ‏لتقواهم وإحسانهم وعملهم الصالحات رغم أنهم كانوا يشربون ‏المسكر. ذلك أن الإسلام لا يحاسب الناس بأثر رجعى، ولا عقوبة إلا ‏بنص. وما دام النص القرآنى الخاص بتحريم الخمر لم يكن قد نزل ‏بعد فليس على هؤلاء الصحابة حرج. كما أنه بعد نزوله لا ينسحب ‏على الزمن الذى مضى. بل ما مضى قد مضى، وانتهى أمره. والمهم فى ‏هذا كله هو التقوى والعمل الصالح سواء كان ذلك قبل تحريم الخمر ‏أو بعده. فإن كان الشخص تقيا صالحا ومات وهو يشرب الخمر قبل ‏تحريمها فهو ناجٍ، أما إن لم يكن تقيا ولا صالحا والتزم، لسبب آخر، ‏بترك الخمر بعد تحريمها فليس من الناجين. ‏
وفى قوله تعالى جَدُّه: "إن الصفا والمروة من شعائر الله. فمَنْ حَجَّ ‏البيتَ أو اعتمر فلا جُنَاح عليه أن يَطَّوَّف بهما" يمكن جدا أن يظن ‏كثير من المسلمين أن السعى بين الصفا والمروة هو، فى أحسن أحواله، ‏غير محرَّم لكنه غير واجب، استنادا إلى ظاهر الآية من أنه ليس هناك ‏إثم على الساعى بينهما، وهو ما يفهم منه أن هذا كل ما هنالك بحيث ‏إذا لم يَسْعَ الحاجُّ بينهما فلا جُنَاح عليه من باب الأَوْلَى. لكن سبب ‏نزولها يقلب المعنى رأسا على عقب، فقد كان بعض الصحابة يتحرج ‏من ذلك السعى نظرا إلى أنه كان فوق كل من التَّلَّيْن صنم فى الجاهلية، ‏فظنوا من الأسلم عدم السعى بينهما تجنبا للتشبه بما كان يصنعه ‏الوثنيون آنئذ. وفاتهم أن الصنمين قد أزيلا، وعاد السعى بين التلين إلى ‏وضعه الأصلى قبل انحرافه على أيدى أهل الجاهلية. فالآية لا تقول عن ‏السعى إنه لا بأس به، بل تزيل ما حاك فى نفوس بعض الصحابة من ‏أنه إحدى شعائر الوثنية، أما حكمه فباقٍ على الوجوب.‏
وأما السياق القرآنى فمعناه أنه يجب النظر إلى أى نص من كتاب ‏الله فى ضوء النصوص القرآنية التى ترسم الخطوط العامة للإسلام، ‏وبخاصة تلك التى تتعلق بموضوع النص المراد تفسيره. ولنأخذ مثالين ‏على ما نقول: فأما المثال الأول فله صلة بما كتبه ابن سلام فى مقدمة ‏كتابه: "طبقات الشعراء" عن النحل والانتحال فى الشعر الجاهلى، إذ ‏كان من رأيه أن ما بلغَنا من أشعار لعاد وثمود هى أشعار منحولة ‏لهاتين القبيلتين زورا وبهتانا. وحجته فى ذلك، وهو ما يهمنها هنا، أن ‏القرآن قد أخبرنا أنهما أبيدتا عن آخرهما طبقا لما جاء فى سورتى ‏‏"النجم" و"الحاقة". ومن ثم فالسؤال هو: من يا ترى حفظ أشعارهما ‏وأداها إلينا رغم أن أحدا لم يبق منهما؟ وقد كنت، إلى بضع سنين ‏مضت، أمرّ على تلك الحجة موافقا تمام الموافقة مَثَلى مَثَلُ جميع ‏الباحثين الذين تناولوا ابن سلام ونظريته فى النحل والانتحال، إلى أن ‏بدا لى، فى مناسبة لا يهم القارئ ذكرها هنا، أن أراجع ما قاله القرآن ‏عن عاد وثمود، فألفيته يقول بمنتهى الوضوح والصراحة فى سورة "هود" ‏إن الله قد نجى كلا من هود (نبىّ عاد) وصالح (نبىّ ثمود) والذين آمنوا ‏معه. وهو ما يعنى أن حجة ابن سلام باطلة تمام البطلان، وأنه لا ‏يصح الارتكان إلى دعوى تدمير هاتين القبيلتين لأنها لا حقيقة لها. ‏والسبب هو أن ابن سلام توقف إزاء نصين قرآنيين يذكران أن تينك ‏القبيلتين لم يتبق منهما باقية، مغفلا نصين آخرين يوضحان أن الذين ‏تم تدميرهم إنما هم الكفار المعاندون من القبيلتين لا كل القبيلتين. ‏لكن هذا لا يعنى بالضرورة أن ما بلغنا من شعر منسوب لعاد وثمود ‏هو شعر صحيح، بل تلك قضية أخرى. ‏
وأما المثال الآخر فيتعلق بالقتال. وفى هذه الأيام يُتَّهَم الإسلام ‏دائما بأنه دينٌ عدوانىٌّ يسارع إلى قتال أعدائه بل إلى قتلهم. ويُشَار فى ‏هذا الصدد إلى قوله تعالى مثلا فى سورة "التوبة": "فاقتلوا المشركين ‏حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلَّ مَرْصَد"، وقوله ‏جل جلاله من ذات السورة: "قاتِلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ‏الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم اللهُ ورسولُه ولا يَدِينون دينَ الحق من الذين ‏أُوتُوا الكتابَ حتى يُعْطُوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون". وفات من ‏يشير إلى تَيْنِك الآيتين وأمثالهما قوله تعالى: "وقَاتِلُوا فى سبيل الله الذين ‏يقاتلونكم، ولا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين"، "وإن عاقبتم ‏فعَاقِبوا بمِثْل ما عُوقِبْتم به. ولَإِنْ صبرتم لَهُوَ خيرٌ للصابرين"، "وإنْ ‏جَنَحُوا للسَّلْم فاجنح لها وتوكل على الله". ‏
كما أن قوله تعالى فى سورة "التوبة": "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ‏وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ‏الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ ‏صَاغِرُونَ" الخاص بقتال أهل الكتاب ليس فى الأمر بقتالهم من الباب ‏للطاق، بل فى قتال الروم، الذين كانوا يُعِدّون العدة للهجوم على ‏المسلمين والقضاء على دينهم. أما الآية الخامسة من ذات السورة: "فَإِذَا ‏انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ ‏وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا ‏الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" فهى فى المشركين الذين كانت ‏بينهم وبين المسلمين معاهدات سياسية بالموادعة لمدة معلومة غدروا ‏بالمسلمين وحلفائهم بعد توقيعها بقليل وقتلوا منهم طائفة دون أن ‏يكون المسلمون ومن حالفوهم قد أساؤوا لهم قط. ‏
ومع هذا فإن القرآن لم يقل للمسلمين: هيا اهجموا عليهم فى ‏الحال. بل قال: أعطوهم مهلة أربعة أشهر يتنقلون فيها بطول البلاد ‏وعرضها حسبما يحلو لهم دون أن تتعرضوا لهم بشىء. بل زاد فأوجب ‏على المسلمين أنه متى أتاهم آتٍ من الكفار يستجير بهم فَلْيُجِيروه حتى ‏يسمع كلام الله ثم فلْيُبْلِغوه المكان الذى يأمن فيه على نفسه تمام ‏الأمان. ثم بعد ذلك كله حين تنتهى مهلة الأشهر الأربعة فعاقبوهم ‏وأذيقوهم من نفس الكأس التى أذاقوا منها إخوانكم المغدور بهم. ‏ومعروف أن المسلمين لم يقتلوا أحدا من المشركين عندئذ، وكأن ‏الآيات قد نزلت للترهيب وتحطيم الروح المعنوية لديهم ليس إلا. وعلى ‏كل حال فقد تسارعت وتيرة الأحداث، وتم فتح مكة، ثم دخل أهلها ‏فى دين الله، لينتشر الإسلام بعدها بإيقاع أسرع حتى عم ضياؤه بلاد ‏العرب جمعاء. فأين العدوانية هنا؟ ولن نتكلم عن راية السلم التى ظل ‏المسلمون يرفعونها طوال الفترة المكية أيام كان الاضطهاد والأذى ‏يحيق بهم من كل جانب وفى كل لحظة.‏
ويؤيد كلامَنا ما ذكره رسول الله فى بعض أحاديثه كقوله: ‏‏"لاتَتَمَنَّوْا لقاء العدو. فإذا لَقِيتُموهم فاثْبُتوا"، إذ لو كان قتال غير ‏المسلمين واجبا من الباب للطاق لكان تمنِّى لقاء العدو مكرمة لا ‏يمكن أن ينهى عنها النبى عليه السلام. وفى واقعة الحديبية قال صلى ‏الله عليه وسلم عن المشركين وتعنتهم معه هو وأتباعه: "والذى نفسى ‏بيدِه لا‎ ‎يسألونِّى خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطَيْتُهم إيَّاها" ‏مؤكدا أنه لن يبدأ أبدا بعدوان وأنه سوف يصابر المشركين إلى أبعد ‏مدى. بل إنه، حين بلغه أن قريشا قد أقبلت تريد مقاتلته وصده عن ‏زيارة البيت الحرام بالقوة الغشوم، أعلن قائلا: "إنَّا لم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ، ‏ولكنَّا جِئْنا معتمرين. فإنَّ قريشًا قد نهَكَتْهم الحربُ وأضرَّت بهم. فإنْ ‏شاؤوا مادَدْتُهم مدَّةً ويُخَلُّوا بينى وبيْنَ النَّاسِ: فإنْ ظهَرْنا وشاؤوا أنْ ‏يدخُلوا فيما دخَل فيه النَّاسُ فَعَلُوا وقد جَمُّوا. وإنْ هم أَبَوْا فوالَّذى ‏نفسى بيدِه لأُقاتِلَنَّهم على أمرى هذا حتَّى تنفرِدَ سالفتى أو لَيُبْدِيَنَّ اللهُ ‏أمرَه". فكما ترى كان عليه السلام حريصا على السلم إلى آخر المدى، ‏أما الحرب فعندما لا يكون من الحرب مناص. وقد تجلى ذلك فى ‏المعاهدة التى كتبت بينه وبينهم، إذ قَبِل الشروط المجحفة التى أملاها ‏المشركون على المسلمين، وساءت كثيرا من الصحابة، ومع هذا ظل ‏الرسول على موقفه.‏
ثم إذا كانت سياسة القرآن هى العدوان على المخالفين مهما كانوا ‏له من المسالمين فلِمَ كتب النبى عليه السلام صحيفة المدينة إرساءً ‏لأسس التعايش السلمى بين فئات سكانها من أوس وخزرج ‏ومهاجرين ويهود؟ لقد كان الأحرى به أن ينقضَّ على اليهود فور ‏هجرته قبل أن يستفيقوا فيقضى عليهم بكل سهولة وسلاسة. ولماذا ‏لم يقتل مشركى مكة لدن الفتح منتهزا ما كانوا عليه عقيب ذلك من ‏ضعف وتهافت بعد الهزيمة النكراء التى حلت بهم؟ لقد كانت كلمته ‏لهم: "اذهبوا، فأنتم الطُّلَقاء"، تلك الكلمة التى سكنت مسامع التاريخ ‏ولم تغادرها منذ ذلك اليوم الخالد. وقد رفض صلى الله عليه وسلم ما ‏ردده أحد الصحابة اليثربيين حين قال فى ذلك اليوم العصيب تعبيرا ‏عن نيته فى تطيير رؤوس المكيين عند دخوله المدينة المقدسة: "اليومَ ‏يومُ الملحمة. اليومَ تُسْتَحَلّ الحرمة"، ونهاه عن ذلك، ونحاه عن القيادة ‏فورا. وهذه الأمثلة تبين لنا وجوب الاستعانة على تفسير القرآن ‏بالسياق الحديثى أيضا. ‏
ومن هذا الباب كذلك ما رواه المغيرة بن شعبة فى قوله: "لما ‏قدمتُ نجرانَ‎ ‎سألونى فقالوا: إنكم تقرأونَ: "يَا أُخْتَ هَارُونَ"، وموسى ‏قَبْلَ عيسى بكذا وكذا. فلما قدمتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ ‏وسلَّمَ سألتُه عن ذلك، فقال: إنهم كانوا يُسَمُّونَ بأنبيائِهم والصالحين ‏قبلهم". يقصد صلى الله عليه وسلم أن أم المسيح ليست أختا لهارون ‏على الحقيقة، لكنْ كان من عادة الإسرائيليين أن ينسبوا ناسا منهم ‏إلى المشاهير الماضين من بنى جلدتهم رغم تباعد العصرين تماما. وهو ‏ما تقوله "دائرة المعارف الكتابية" من أن كلمات "أب وابن وأخ وأخت" ‏كثيرا ما تستخدم فى الكتاب المقدس على نحو رمزى يدخل تحته ‏بكل أريحيةٍ مناداةُ الإسرائيليين لمريم أم عيسى عليهما السلام بـ"يا ‏أخت هارون" طبقا لما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم إن ‏القرآن لم يقل إن مريم أخت هارون، بل ذكر أن بنى إسرائيل هم ‏الذين نادَوْها بذلك.‏
وهذا فيما يتعلق بالأمور الدينية وما أشبهها، وإلا فتفسير القرآن ‏أَحْرَى أن يستعين بكل ألوان المعارف والعلوم والفنون من تاريخ ‏وجغرافية وطب وفلك وكيمياء وفيزياء ونفس واجتماع وتربية ونحت ‏وتصوير... إلخ. وقد كنت فى صغرى مثلا أمرّ على قوله تعالى فى سورة ‏‏"الفجر": "إِرَمَ ذاتِ العِمَاد * التى لم يُخْلَقْ مثلُها فى البلاد * وثمودَ الذين ‏جابوا الصخر بالْوَادِ" فلا تستثير منى انفعالا ولا تُحَصِّل منى التفاتا، إذ ‏كنت آنئذ لا أحقق معنى الكلام عن إِرَم ولا أفهم وجه تميز عمادها، ‏كما لم أكن أتصور أن ثمود قد فعلت أكثر من إحداث فتحات بدائية ‏فى الجبال وتحويل باطنها كهوفا ساذجة يسكنونها، إلى أن قرأت منذ ‏بضعة عشر عاما أن إِرَمَ كانت متقدمة فى فن العمارة حتى لقد كانت ‏أعمدة مبانيها أضخم أعمدة فى زمنها. وبالمثل لم تكن ثمود تسكن ‏مغاور وكهوفا وحشية فى جوف الجبال بل نحتت فيها قصورا رائعة ‏مزخرفة بديعة مما لا يستطيعه كثير منا اليوم. وقد رأيت صورا لبعض ‏تلك القصور فشُدِهْتُ لِمَا شاهدتُ. والفضل فى هذا وذاك إنما يرجع ‏إلى تقدم عِلْمَىِ التاريخ والجغرافية واكتشافاتهما المذهلة التى لا ‏تتوقف. ومن هنا صككت شعارا علميا فى كتابى: "مسير التفسير" هو ‏‏"كل العلوم فى خدمة التفسير".‏
كذلك فقوله تعالى فى معرض الحديث عن خلق الجنين وأطوار ‏تشكله: "يخلقكم فى بطون أمهاتكم خَلْقًا من بعد خَلْقٍ فى ظُلُماتٍ ‏ثلاث" يمكن تصوره عن طريق علم التشريح. فكما قرأت فى بعض ‏المواقع العلمية: "يحاط الجنين فى داخل الرحم بمجموعة من الأغشية ‏هى من الداخل إلى الخارج كما يلى: غشاء السلى أو الرهل ‏‎(amnion)‎، ‏والغشاء المَشِيمِىّ ‏‎(chorion)‎، والغشاء الساقط ‏‎(decidua)‎‏.‏ وهذه ‏الأغشية الثلاثة تحيط بالجنين إحاطة كاملة فتجعله فى ظلمة شاملة ‏هى الظلمة الأولى. ويحيط بأغشية الجنين جدار الرحم‏,‏ وهو جدار ‏سميك يتكون من ثلاث طبقات تحدث الظلمة الكاملة الثانية حول ‏الجنين وأغشيته‏. ‏والرحم المحتوى على الجنين وأغشيته فى ظلمتين ‏متتاليتين يقع فى وسط الحوض‏,‏ ويحاط إحاطة كاملة بالبدن المكون ‏من كلٍّ من البطن والظهر‏، وكلاهما يحدث الظلمة الثالثة تصديقا ‏لقول ربنا‏ تبارك وتعالى".‏
وهناك قوله تعالى من سورة "فاطر": "وما يستوى البحران: هذا ‏عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُه، وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ. ومن كُلٍّ تأكلون لحمًا طريًّا ‏وتستخرجون حلية تلبسونها". ورغم أن الآية تقول بصريح العبارة: ‏‏"ومن كُلٍّ (أى من كل من البحر الملح والبحر العذب، وليس من الملح ‏فقط)... تستخرجون حلية تلبسونها" نقرأ فى تفسير الطبرى (القرن ‏الرابع الهجرى): "تَسْتَـخْرِجُونَ حِلْـيَةً تَلْبَسُونَها: يعنى الدرّ والمرجان. ‏تستـخرجونها من الملح الأجاج". وفى تفسير أبى السعود (القرن العاشر ‏الهجرى) نقرأ ما يلى: "قوله تعالى: وَمِن كُلٍّ (أى من كلِّ واحدٍ منهما) ‏تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا، وَتَسْتَخْرِجُونَ (أى من المالحِ خاصَّةً) حِلْيَةً ‏تَلْبَسُونَهَا". ويقول الشوكانى (القرن الثالث عشر الهجرى): ‏‏"وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا: الظاهر أن المعنى "وتستخرجون منهما ‏حلية تلبسونها". وقال المبرّد: إنما تستخرج الحلية من المالح. وروى ‏عن الزجاج أنه قال: إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا لا من كل ‏واحد منهما على انفراده. ورجح النحاس قول المبرّد".‏
ويقول الطباطبائى (وهو مفسر معاصر) فى تفسير "الميزان": ‏‏"والحلية المستخرجة من البحر اللؤلؤ والمرجان والأصداف... فظاهر ‏الآية أن الحلية المستخرجة مشتركة بين البحر العذب والبحر المالح، ‏لكن جمعا من المفسرين استشكلوا ذلك بأن اللؤلؤ والمرجان إنما ‏يستخرجان من البحر المالح دون العذب. وقد أجابوا عنه بأجوبة ‏مختلفة منها أن الآية مَسُوقَة لبيان اشتراك البحرين فى مطلق الفائدة، ‏وإِنِ اختصّ ببعضها، كأنه قيل: ومِنْ كُلٍّ تنتفعون وتستفيدون كما ‏تأكلون منهما لحما طريا، وتستخرجون من البحر المالح حلية ‏تلبسونها، وترى الفلك فيه مواخر‎.‎‏ ومنها أنه شبه المؤمن والكافر ‏بالعذب والأجاج، ثم فضَّل الأجاج على الكافر بأن فى الأجاج بعض ‏النفع، والكافر لا نفع فى وجوده. ومنها أن قوله: "وتستخرجون حلية ‏تلبسونها" من تتمة التمثيل على معنى أن البحرين، وإن اشتركا فى بعض ‏المنافع، تفاوَتا فيما هو المقصود بالذات لأن أحدهما خالطه ما خرج ‏به عن صفاء فطرته. والمؤمن والكافر، وإن اتفقا أحيانا فى بعض المكارم ‏كالشجاعة والسخاوة، متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على ‏صفاء الفطرة الأصلية دون الآخر"‏‎.‎
أما عبد الله يوسف علىّ فنراه، فى تعليقه على هذه الآية فى ترجمته ‏الإنجليزية للقرآن المجيد، يذكر من الحلى البحرى اللؤلؤ والمرجان، ‏ومن الحلى النهرى العقيق وبرادة الذهب وغيرهما. وفى مادة "‏Pearl‏" ‏من "‏Encyclopaedia Britannica‏" أن اللؤلؤ يوجد أيضا فى المياه ‏العذبة. أما "المنتخب فى تفسير القرآن الكريم" فيقول فى الهامش ‏المخصص لتلك الآية: "قد يستبعد بعض الناس أن تكون المياه ‏العذبة مصدرا للحلى، ولكن العلم والواقع أثبتا غير ذلك. أما اللؤلؤ ‏فإنه، كما يستخرج من أنواع معينة من البحر، يستخرج أيضا من ‏أنواع معينة أخرى من الأنهار، فتوجد اللآلئ فى المياه العذبة فى ‏إنجلترا وأسكتلندا وويلز وتشيكوسلوفاكيا واليابان... إلخ، بالإضافة ‏إلى مصايد اللؤلؤ البحرية المشهورة، ويدخل فى ذلك ما تحمله المياه ‏العذبة من المعادن العالية الصلادة كالماس، الذى يستخرج من رواسب ‏الأنهار الجافة المعروفة باليرقة. ويوجد الياقوت كذلك فى الرواسب ‏النهرية فى موجوك بالقرب من باندالاس فى بورما العليا. أما فى سيام ‏وفى سيلان فيوجد الياقوت غالبا فى الرواسب النهرية. ومن الأحجار ‏شبه الكريمة التى تستعمل فى الزينة حجر التوباز، ويوجد فى الرواسب ‏النهرية فى مواقع كثيرة منتشرة فى البرازيل وروسيا (الأورال ‏وسيبيريا)، وهو فلورسيليكات الألمونيوم، ويغلب أن يكون أصفر أو ‏بنيا. والزيركون (‏circon‏) حجر كريم جذاب تتقارب خواصه من ‏خواص الماس، ومعظم أنواعه الكريمة تستخرج من الرواسب ‏النهرية". ‏
ومع هذا فإن بعض المترجمين الأوربيين فى العصر الحديث قد ‏استبعدوا أن تكون الأنهار مصدرا من مصادر الحُلِى. وقد تجلى هذا ‏فى ترجمتهم لهذه الآية: فمثلا نرى رودويل الإنجليزى يترجم الجزء ‏الخاص بالحلى منها هكذا: "‏Yet from both ye eat fresh fish, and ‎take forth for you ornaments to wear‏". وعبارة "‏from both‏" ‏تصلح لترجمة آية سورة "الرحمن": "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان"، لكنها ‏لا تصلح لترجمة هذه الآية. كذلك ينقل رودى باريت هذه العبارة إلى ‏الألمانية على النحو التالى: " ‏Und (aus dem Salzmeer) geurnnt ‎ihr schmuck… um ihm euch anzulegen‏"، وترجمته: ‏‏"وتستخرجون (من البحر المالح) حلية تلبسونها". ويرى القارئ كيف ‏أن المترجم قد أضاف من عنده بين قوسين عبارة: "من البحر المالح: ‏aus dem Salzmeer‏"، وهو ما يشير إلى استبعاده أن تكون الأنهار ‏مصدرا من مصادر اللؤلؤ والعقيق وغيرهما من أنواع الحلى على ما ‏تقول الآية الكريمة. أما ترجمة سيل وبالمر (الإنجليزيتان)، وترجمتا ‏كازيمريسكى وماسون (الفرنسيتان)، وكذلك ترجمتا ماكس هننج ‏ومولانا صدر الدين (الألمانيتان) على سبيل المثال، فقد ترجمت كلها ‏النص القرآنى كما هو، ولكنها لزمت الصمت فلم تعلق بشىء. فمن ‏الواضح أن الاستعانة بالعلوم الطبيعية يمدّنا بالتفسير الصحيح لكثير ‏من آيات القرآن الكريم. والسبب فى كل هذا أن القرآن كتاب لكل ‏العصور ولكل البيئات وأنه كتاب إلهى، وليس من تأليف محمد، وإلا ‏لكان انعكاسا لمستوى بيئته وعصره ثقافيا وحضاريا ولامتلأ بالأخطاء ‏كما تمتلئ كتبنا بها مهما تحرَّزْنا ودَقَّقْنا ومَحَّصْنا.‏
وقد نقلت الكاتبة الأمريكية عن د. أكرم ندوى الهندى ‏المسلم أنه ينبغى مواجهة القرآن مباشرة دون أن نشغل أنفسنا بما ‏كتبه الفقهاء والمفسرون حوله توضيحا وشرحا. وقد سمعنا هذا الكلام ‏أيضا من جمال البنا، الذى يقصد إهمال كلام العلماء حول كتاب الله ‏تماما ودخول كل من هب ودب على الكتاب المجيد دون أدوات تساعد ‏على فهمه. فإن كان د. أكرم ندوى يجرى فى ركاب البنا فهذا ضلال ‏علمى مبين. أما إن كان مقصده أن الواجب علينا، بعد الاطلاع على ‏ما قاله الفقهاء والمفسرون فى كتاب الله، الاجتهاد فى ألا يقف ما قالوه ‏حائلا بيننا وبين كتاب الله فلا نزيد عن تكرير ما قالوه بعُجَره ‏وبُجَره ولا نأتى بشىء جديد أو صحيح، ويكون ما وصلنا إليه هو ‏مجرد اجترار لما قيل من قبل مهما يكن خاطئا أو ضعيفا فأنا حينئذ ‏معه، ولكن بشرط أن يكون الشخص أهلا لهذا الأمر علما وعقلا ‏وإخلاصا. ويمكننى أن أضرب مثالا على ما أقول. فلقد غبر علىَّ زمان ‏كنت أردد فيه ما درستُه فى الفقه الشافعى وأنا ولد صغير فى الأزهر من ‏أن المسح بالتراب على اليدين ينبغى أن يكون إلى المرفقين قياسا على ‏التوضؤ مع أن آيَتَىِ التيمم تتكلمان عن مسح اليدين لا غير دون أن ‏تحددا ذلك بكلمة "إلى المرفقين"، التى وردت فى آية الوضوء. كذلك ‏كنت أتصور أن التيمم فى السفر لا يصح إلا إذا عدم الماء مع أن الآية ‏لا تقول ذلك بل تسوق السفر والمرض وعدم الماء أسبابا ثلاثة تجيز ‏التيمم، وإلا لأشارت إلى عدم الماء وحده دون النص على السفر. وقد ‏نبهنى إلى ذلك ما كتبه الشيخ محمد عبده والشيخ شلتوت فى هذه ‏النقطة، وألفيت ما كتباه مقنعا أشد الإقناع، فأخذت به من يومئذ. ‏
وأيا ما يكن الأمر فهل القرآن وحده ينفرد بهذا الذى قالته ‏المؤلفة الأمريكية عن اختلاف الناس فى فهمه؟ أبدا، بل هذا يصدق ‏على كل كتاب: سواء كان كتابا دينيا كالكتاب المقدس، وهو كتاب ‏الأمة التى تنتسب المؤلفة إليها، أو أى كتاب آخر. وعندنا مثلا، فى ‏مجال الأدب والنقد، وهو مجال تخصصى الأكاديمى، ما قاله أرسطو حول ‏‏"التطهير"، الذى تقوم به المسرحيات بالنسبة للمشاهدين. لقد اختلف ‏النقاد ومؤرخو الآداب فى تفسير هذه الكلمة على مدى القرون. كما ‏أخطأ المترجمون العرب القدماء فهم كلامه فى كتابه: "فن الشعر" عن ‏المأساة والملهاة فى المسرح ظنا منهم أنه يعنى المديح والهجاء فى الشعر ‏الغنائى، الذى لم يكن العرب يعرفون من الشعر غيره. وهو ما ترتب ‏عليه أنْ كَتَبَ ابن رشد كلاما عجيبا غريبا ما أنزل الله به من سلطان ‏فى ذلك الموضوع، وجعلتُه أنا محورا من محاور كتابى: "ابن رشد- نظرة ‏مغايرة" حيث أوضحت التخبط الفاحش الذى تخبطه الفيلسوف ‏القرطبى لعدم تأنيه أو إعماله مبدأ التشكك فيما لا يحسنه ولايعرف ‏عنه شيئا واندفاعه فى هوج وثقة فى غير موضعهما مرافئا أرسطو على ‏كل ما قاله رغم أنه لا يعرف عَمَّ كان الفيلسوف الإغريقى يتحدث، ‏فأتى بالعَجَب العُجَاب مما كان كفيلا بأن يتجنبه لو اعتصم بالتريث ‏والتنبه إلى أنه يقدم على أمر ليس له فيه عِيرٌ ولا نفيرٌ ولا أثارةٌ من ‏علم.‏
واختلف محمود شاكر وطه حسين وعبد الغنى الملاح وأنا حول ‏نسب المتنبى: فطه حسين يزعم أنه أتى إلى الدنيا ثمرة لاعتداء أحد ‏الجنود القرامطة على أمه. وشاكر يقول إنه ابن لأحد العلويين، وهو ما ‏مد عبد الغنى الملاح خيطه إلى النهاية مدعيا، إى والله، أنه ابن ‏المهدى المنتظر ذاته. أما العبد لله فلم يَرَ ما يدعوه إلى تنكب ما قاله ‏القدماء من أن أباه كان سقاء. وقد بينت، فى كتابى: "المتنبى- دراسة ‏جديدة لحياته وشخصيته"، تهافت ما قاله كل من طه حسين وشاكر ‏والملاح وصلابة ما ذكره القدماء فى هذا السبيل. كما اختلف النقاد ‏ومؤرخو الأدب حول عقيدة المتنبى، فزعم لويس ماسينيون أنه ‏قرمطى، وصال وجال وأتى بما حسبه براهين قاطعة على زعمه هذا، ‏وتابعه على هذا الزعم بعض الكتاب العرب، وهو ما حفزنى على معاودة ‏فتح ذلك الملف، فكانت الثمرة كتابا فى ذلك الموضوع نَفَى بكل قوةٍ ‏وثقةٍ واطمئنانٍ قرمطية الشاعر الكبير اعتمادا على تحليل مرهق ‏ومنطقى للظروف التاريخية والنصوص الشعرية والترجمات التى تركها ‏لنا القدماء للرجل مما يجده القارئ فى كتابى: "المتنبى بإزاء القرن ‏الإسماعيلى فى تاريخ الإسلام للويس ماسينيون- ترجمة وتعليق ودراسة ‏إبراهيم عوض".‏
وغير خافٍ الاختلافُ حول مضمون رواية "وليمة لأعشاب ‏البحر"، التى أثارت ضجة مصمة فى تسعينات القرن المنصرم، وانقسم ‏النقاد حولها: فمَنْ كان على شاكلة حيدر حيدر فى اتجاهه السياسى ‏والأيديولوجى دافع عن الرواية زورا وبهتانا مدعيًا أنها لا تعادى ‏الإسلام بل تدعو إليه وتعلى من شأنه، بينما رأى نقاد آخرون منهم ‏العبد لله أنها تعادى الله ورسوله والإسلام وتتطاول على الذات الإلهية ‏وتتجرأ على عِرْض النبى الكريم وأن ما يقال عكس ذلك هو هراء فى ‏هراء، وقدموا الشواهد القاطعة على صدق ما يقولون. ‏
ومنذ عدة أشهر وقع لى بحث عن معلقة امرئ القيس تناولها فيه ‏صاحبه طبقا لأحد المناهج النقدية الأخيرة، فرأى فيها محاولة من ‏الملك الضِّلِّيل للتعبير عن شعوره بالذنب تجاه أبيه، الذى كثيرا ما ‏عصاه ودار على حل شعره وراء الغيد الحسان فى صحبة الصعاليك ‏الذين لا يناسبونه ولا يناسبهم، وللتعبير كذلك عن رغبته فى التطهر ‏من ذلك الإثم الملح على ضميره كما يقول البحث. ومن ثم فقد فسر ‏الكلام عن المطر والسيل فى المعلقة المذكورة على أنه رمز إلى حرص ‏الشاعر على ذلك التطهر. وفاته بكل بساطة أن القصيدة إنما قيلت ‏أيام صعلكة الشاعر وجريه مع نزواته إلى آخر مدى تحديا لرغبة أبيه ‏الملك فى أن يتصرف ابنه تصرف أبناء الملوك، أى قبل مقتل الأب. ‏وبالتالى فلا شعور بالإثم ولا يحزنون. وهذا هو السياق التاريخى الذى ‏كان على الباحث استصحابه لدن كتابته بحثه، لكنه لم يفعل، بل ‏انطلق مفتونا بالمنهج النقدى الجديد الغريب الاسم، فوقع فيما وقع ‏فيه من غلطة بلقاء لا تغتفر، مثلما وقع فيها من راجعوا له البحث ‏عند نشره فى إحدى المجلات المحكَّمة، إذ لم يتنبهوا إلى ما صنعه ‏الباحث فيردوه عن هذا الذى صنع ويطالبوه بإعادة كتابة البحث من ‏جديد أو الانصراف عنه إلى غيره من البحوث المجدية. ‏
كما قد فات الأستاذ الباحث أن القصيدة نفسها تحتوى على ما ‏يدل على أن الشاعر، حين نظمها، كان مبتهجا بسلوكه متلذذا بإباحيته ‏وخروجه على العرف والتقاليد مفاخرا بمغامراته المفحشة مع الفتيات ‏وبالحصان الذى يركبه ويعتقد أنه أفضل حصان فى العالم، مثلما غاب ‏عنه أنها لا تأتى على سيرة الأب ولا مقتله ولا التأثم جراءه بكلمة ‏واحدة من قريب أو بعيد. ثم هل كان الوثنيون فى بلاد العرب قبل ‏الإسلام يعرفون معنى التطهر على هذا المنوال؟ لقد كان كل ما فعله ‏امرؤ القيس عندما بلغه مقتل أبيه على يد رعاياه، وكان الشاعر وقتئذ ‏يشرب الخمر، هو أن استمر يشرب تلك الليلة قائلا: "ضيعنى صغيرا، ‏وحَمَّلَنى دمَه كبيرا! اليوم خمر، وغدا أمر!"، ثم تَرَك الشرابَ بعد تلك ‏الليلة إلى أن مات وهو عائد من عند ملك الروم، الذى كان قد قصده ‏ليعينه على أخذ الثأر لأبيه من قَتَلَته. ‏
وكان العرب فى مثل تلك الحالة يحرّمون النساء والاغتسال على ‏أنفسهم إلى أن يدركوا ثأرهم. فكما يرى القارئ كان الأمر يجرى عند ‏العرب على خلاف ما ظن الباحث. بل إن حنق الشاعر على أبيه ‏وتحميله إياه المسؤولية هو أكبر برهان على أنه لم يكن يشعر بأى إثم ‏يدعوه إلى التطهر، إذ كان المخطئَ فى نظره أبوه لا هو. وهذا كله إنما ‏يدل على أن العبرة فى التأليف والكتابة لا مجرد استخدام المناهج ‏النقدية الجديدة بل حسن التأتى للموضوع والإخلاص لأصول البحث ‏العلمى. ومع هذا فيحسب للباحث أنه، حين لفتُّ نظره، خلال اتصاله ‏بى هاتفيا من خارج البلاد، إلى الغلطة العنيفة التى سقط فيها، لم ‏يكابر بل أقر بأنها قلة خبرة منه. ‏
فإذا ما انتقلنا إلى الكتاب المقدس استطعنا أن نجد فيه التوحيد ‏مثلما نجد فيه تعدد الآلهة والقول بأن هناك بشرا ينتسبون إلى الله ‏بوصفه أباهم. كما نقابل فيه أشخاصا يصفهم ذلك الكتاب فى موضع ‏بالتقوى والبر، ويعرضهم فى موضع آخر على أنهم زناةٌ فَسَقَةٌ مجرمون ‏دَيَايِثَةٌ. وكلهم أنبياء ورسل. كما نراه متناقضا فى تصوير العلاقة بين ‏بنى إسرائيل والله رب العالمين: فهم أحباؤه خلقهم لنفسه شخصيا، ‏وفى ذات الوقت نقرأ من لعناته عليهم وسبابه لهم ما لا يمكن أن ‏يصدر إلا عن عدو مضطغن حاقد لا من أب على أبنائه أو حاكم ‏على شعبه. ودعنا من التناقضات الحسابية والتاريخية والعقلية التى لا ‏يمكن أن تنجبر أبدا مهما بُذِلَت فيها الجهود وتضافرت فى رَتْقِها ‏عبقرية العبقريين كما هو الحال فى ذلك الملك الذى مات وعنده ‏أربعون عاما ليتولى عقب موته ابنه، الذى كان يبلغ من العمر آنذاك ‏اثنين وأربعين عاما. إى والله!‏
أما بالنسبة إلى الأناجيل فقد اختلف النصارى فرقا وأحزابا ‏يكفر بعضهم بعضا، وكل فرقة تتكئ على نصوص الإنجيل. فما العمل ‏فى هذا؟ كما كان ملوك أوربا وقساوستها يعتمدون عليها فى تألههم ‏واستبدادهم على عكس ما يقال الآن من أن الرحمة بالشعوب وحكمها ‏بالديمقراطية ينبعان من تلك الأناجيل نفسها. و هناك من الغربيين ‏من يكذِّب بوجود المسيح، ومنهم من يتهمه بالدجل والشعوذة ‏وترتيب الأمور مع بعض تلاميذه بحيث تبدو للسذج المغفلين ‏معجزات عجيبة، ومنهم من اتهمه بالشذوذ الجنسى، ومنهم من يقول ‏إنه قد تزوج مريم المجدلية. وهناك كذلك من يؤكد أنه نبى السلام ‏والرحمة والمحبة، ومن يرى أنه قد أتى لينشر العداوة والخصام ‏والكراهية بين الناس بل بين أبناء البيت الواحد. ومنهم من يرى أنه ‏عصبى شديد الانفعال هجام شتام يثور ويسب لأتفه سبب، ومنهم من ‏يراه على العكس من هذا وديعا مسالما ينصح أتباعه بإدارة الخد الأيسر ‏لمن يصفعهم على خدهم الأيمن. وهو نفسه يقول فى الأناجيل إنه ما ‏جاء لينقض الناموس، الذى أتى به موسى، لنفاجأ به عقيب ذلك ‏ينقضّ على ذلك الناموس تبديلا وإلغاء. وكل هذا وكثير غيره إنما ‏يستند القائلون به إلى نصوص الأناجيل ذاتها.‏
وفى موضع آخر من الكتاب تسأل الكاتبة الأمريكية د. أكرم ‏الندوى عن المراد بـ"المغضوب عليهم والضالين" فى قوله تعالى فى ‏سورة "الفاتحة": "اهدنا الصراطَ المستقيم * صراطَ الذين أنعمتَ ‏عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" لتعرف كيف ينظر ‏الإسلام إلى اليهود والنصارى. ترى هل تظن أن الإسلام يمكن أن ‏يقر بصحة ما عليه الفريقان؟ إنه لو فعل ذلك لكان قد دق مسامير ‏نعشه فى الحال. ذلك أن الإسلام قد أتى، ضمن ما أتى من أجله، ‏لتوضيح الأخطاء العقيدية والتشريعية والمتصلة بسِيَر الأنبياء ‏عندهم، وإلا ما أدانهم وشدد النكير عليهم. إلا أن ذلك شىء، ‏والتفكير فى إكراههم على تغيير ما يؤمنون به شىء آخر لم يفكر ‏الإسلام فيه لأنه ضد مبادئه العظيمة مِنْ تَرْك كل أهل دين وما ‏يدينون به دون التدخل فى شؤون ضمائرهم انطلاقا من دعوته ‏الملحة إلى حرية الاعتقاد والدين. وقد لخصت السيدة باور رأى ‏د. أكرم الندوى فى أن "المغضوب عليهم والضالين" ليسوا هم اليهود ‏والنصارى بالذات بل أى مسلم ينحرف عن صراط المتقين.‏
وكنت، قبل معرفتى بكتاب المؤلفة بأسابيع، قد سجلت فهمى ‏لذلك الموضوع فى كتاب لى ذكرتُ فيه أنى أُوثِر القول بأنهم كل من ‏تبين له أن محمدا رسول لله رب العالمين ثم عاند وتمرد وكفر، وكل من ‏عصى الله وتجبر وسام البلاد والعباد سوء الطغيان والعذاب ‏والاستبداد واجتيال الأموال. وهؤلاء أوسع من أن ينحصروا فى أهل ‏الكتاب، بل يدخل فيهم الوثنيون والمجوس وعبدة الجمادات وعبدة ‏البشر وعبدة الحيوانات والملاحدة، وكذلك العصاة المجرمون ‏والمنافقون ممن ينتسب زُورًا ومَيْنًا إلى دين محمد. وفى عصرنا هذا ‏يمكن أن نضيف الماركسية والوجودية والنازية والفاشية، ومن ‏أديان القدماء البوذية والكونفوشيوسية والشنتوية. ‏
فكل من تحقق أن الإسلام هو الدين الحق، ثم تعامى عن ضيائه ‏الباهر وكفر بنبيه وكتابه وعاداه أو عصاه فهو من المغضوب عليهم ‏والضالين حتى لو لم يكن يهوديا أو نصرانيا. أما قصر التفسير على ‏اليهود والنصارى فينبغى النظر إليه على أنه من باب التمثيل ليس إلا. ‏وقد يكون السبب فى ذلك أن الإسلام فى عمره الباكر لم يجد فى ‏طريقه سوى هاتين الديانتين اللتين عادتاه واصطدمتا به وحاولتا ‏استئصاله، فكان من الطبيعى أن تتبادرا إلى ذهن مفسرينا الأوائل ‏رضى الله عنهم. نعم ليس الغضب والضلال مقصورين على غير ‏المسلمين مثلما أن الهدى والرضا ليسا منحصرين فينا نحن أتباع ‏محمد عليه السلام. ألم يكن بين الأمم السابقة مؤمنون مطيعون ‏مستقيمون ينصاعون لما يقوله رسلهم ويلتزمونه ويتمسكون به؟ ‏أليس من بين المسلمين من يشايع أعداء وطنه ودينه، ومن يعمل ‏بعكس تعاليم الإسلام عمدا وعن سبق إصرار وترصد؟ أليس بين ‏المسلمين من يعيش هملا لا يعرف لحياته معنى ولا لوجوده غاية، فهو ‏يأكل ويشرب ويتناسل ليس إلا، ويؤثر ما هو عليه من جهل وفوضى ‏وقبح وتشوه وإجرام وتسيب وتبلد ولامبالاة وتمرد على القانون ‏وبذاءة وقذارة ونتانة، على العلم والنور والنظام والانضباط ‏وحساسية الشعور والاهتمام واليقظة والجمال والرقى والنظافة وطيب ‏الرائحة، ويكره كل من يحاول مد يده إليه لانتشاله من تلك ‏الظلمات المتراكبة التى يعشقها عشقا ويذوب فيها هياما وغراما؟ ‏أليس بين المسلمين لصوص عتاة يختلسون من المال العام الملايين ‏والمليارات ويتركون أممهم تتضور جوعا وعريا وبلا مسكن يليق ‏بالآدميين؟ أليس بين المسلمين طغاة مجرمون سفاحون سفاكو دماء ‏متغطرسون متألهون تافهون لا يرحمون شعوبهم ولا يفكرون فى ‏ترقيتها والأخذ بيدها فى مدارج الحضارة والتقدم، بل يعسفون بها ‏عسفا ويعصرونها عصرا ويقتلون منها من يقتلون دون مبالاة ‏بالعواقب ويأخذونها فى مغامرات شيطانية إلى الدمار والخراب بغير ‏حسيب أو رقيب، ويمصون دماءها بلا شفقة أو رحمة؟ أليس بين ‏المسلمين ثعالب منافقة خبيثة اتخذوا الدعوة الدينية محترَفًا يأكلون ‏به الدنيا أكلًا لَمًّا، فهم يمالئون الظالمين ويضللون الجماهير ‏ويشغلونهم بالتفاهات والشكليات والبهلوانيات وتفصيص الشعرة ‏حتى لا يعرفوا شيئا عن الدور الحضارى العظيم الذى يقوم به ‏الإسلام وتنتقل به الأمم التى تتخذه وتنتهج سبيله من الفقر إلى ‏الغنى، ومن ظلمات الجهل المتراكبة إلى ضياء العلم الباهر، ومن ‏التبلد إلى التوثب، ومن استعذاب الظلم والاستبداد إلى التلذذ بطعم ‏الحرية والمجاهدة فى سبيل نيلها؟ ‏
ولا أتصور إلا أن هؤلاء داخلون مع المغضوب عليهم والضالين، ‏فإن الله سبحانه لم يكتب النجاة فى الآخرة للإنسان لمجرد أنه قد ‏نطق بالشهادتين. وإلا فما أسهل الإسلام والإيمان! وما أرخصه على ‏كل من هب ودب! إلا أنه لا بد من التمييز بين غضب وغضب، وبين ‏ضلال وضلال. فهناك درجات ودركات لكل شىء فى هذا الوجود، وعلى ‏رأسه الحساب الإلهى. ثم لقد أطلق القرآن القول إطلاقا، فذكر ‏‏"المغضوب عليهم والضالين"، ولم يقل: "اليهود والنصارى". ترى ما ‏الذى منعه من تعيينهم بأسمائهم التى نعرفها بدلا من هذا التعميم؟ ‏إنه دائما ما يذكرهم بـ"اليهود والنصارى" حين يريد التفصيل، ‏وبـ"أهل الكتاب" حين يريد جمعهما معا. فلم نأتى نحن ونحدد، وقد ‏أطلق هو الكلام؟ ‏
كذلك فإن "الفاتحة"، التى ورد فيها ذكر "المغضوب عليهم ‏والضالين" قد نزلت فى مكة مبكرا جدا قبل أن يصطدم الإسلام ‏باليهود أو النصارى، بل قبل أن يبرز فى حياة الإسلام اليهود ‏والنصارى، فكيف يهاجمهم الإسلام قبل تجريبه إياهم وظهور ‏عداوتهم وبغضهم له؟ كما أن "الفاتحة" بطبيعتها سورة تجريدية، فهى ‏تخلو من القصص والجدال والتفاصيل، وتكتفى بمناجاة الله حمدًا ‏واستعانةً وطلبَ هداية، ولا تتحدث عن أحداث أو أشخاص، ومن ‏ثم كان غريبا القول بأنها تدين اليهود والنصارى بوَسْم أولئك ‏بـ"المغضوب عليهم"، وهؤلاء بـ"الضالين". ‏
إلا أن المؤلفة لم تسترح إلى تفسير د. ندوى، وظلت تنقّب فى ‏التفاسير والدراسات القرآنية المكتوبة بالإنجليزية حتى وجدت ما ‏كتبه فضل الرحمن، وهو كاتب إصلاحى مسلم كما تصفه، من أن ‏النجاة فى الآخرة، حسبما تنص الآية 62 من سورة "البقرة" لا تقتصر ‏على المسلمين فحسب بل تشمل معهم الصابئين واليهود والنصارى ‏متى آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا الصالحات، فعندئذ شعرتْ ‏بالراحة العميقة ورجعتْ إلى ما كان عليه رأيها فى الإسلام من أنه ‏دين واسع الأفق. وهذا ما كتبتْه عن تلك المسألة: ‏
‎“I sat with my tower of tafsirs, finger-scanning index ‎columns for “Al-Fatiha” and for “Quran—attitudes to ‎Jews and Christians.” I found some comfort in an ‎introductory text by Fazlur Rahman, a great twentieth-‎century Muslim reformist. In Major Themes of the Quran, ‎he cites a verse from the second sura: “Those who believe ‎‎[Muslims], the Jews, the Christians and the Sabaeans—‎whosoever believe in God and the Last Day and do good ‎deeds, they shall have their reward from their Lord, shall ‎have nothing to fear, nor shall they come to grief.” ‎Ultimately, concludes Rahman, these words have an ‎‎“obvious meaning,” which is simply that those “from any ‎section of mankind—who believe in God and the Last ‎Day and do good deeds are saved.” There. It was ‎ultimately about belief in God, and being good. A flood of ‎relief. That I could do. I regained my faith in Islam as ‎being a force for harmony between faiths”.‎
والحق أنْ لو كان الأمر كذلك ما كان هناك معنى لمجىء محمد ‏ودعوته إلى الإسلام ولكذَّب القرآن نفسه بنفسه كما قلت، إذ يكفى ‏أن يكون الشخص يهوديا أو نصرانيا أو صابئيا كى ينجو. وقد درستُ ‏تلك القضية بالتفصيل فى بعض كتبى السابقة، وأهمها كتابى عن ‏سورة "المائدة" حيث خصصتُ فصلا طويلا كاملا لمناقشة هذه ‏المسألة، وألفيت الشيخ محمد عبده فى تفسيره لسورة "البقرة" ود. محمد ‏عمارة فى كتابه: "الإسلام والوحدة الوطنية"، الذى ظهر فى أواخر ‏سبعينات القرن المنصرم، يقولان شيئا مشابها لما قاله فضل الرحمن. ‏وخلاصة رأيى أننا ينبغى أن نرقّم الآية التى تشير إليها الكاتبة: "إِنَّ ‏الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ‏الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ ‏يَحْزَنُونَ" على النحو التالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى ‏وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ ‏رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". أى أن عندنا صنفين من ‏الناجين يوم القيامة: المسلمين، الذين عبر عنهم القرآن بـ"الذين ‏آمنوا"، ثم عندنا اليهود والنصارى والصابئون إذا كانوا مؤمنين بالله ‏واليوم الآخر ويعملون الصالحات. فأما عمل الصالحات فلا مشكلة ‏فيه، لكن المشكلة كلها تكمن فى معنى الإيمان بالله واليوم الآخر ‏هنا. ‏
ستقول لى: وكيف مَيَّزْتَ بين الفريقين على هذا النحو؟ فأجيبك ‏أنه لا يُعْقَل أن يقول القرآن عن قوم إنهم "آمنوا"، أى آمنوا بالله واليوم ‏الآخر، ثم يدور على عقبيه مشترطا أن يكونوا مؤمنين بالله واليوم ‏الآخر، إذ هو شرط لا معنى له لأنه متحقق فى وصفهم بـ"الذين آمنوا". ‏كذلك أرجوك أن تتمعن فى الآيات التالية من سورة "النساء": "إِنَّ ‏الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ‏وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ ‏سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * ‏وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ ‏يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا"، ولسوف ترى بنفسك أن من ‏لا يؤمن ولو بنبى واحد هو كافر فى نظر الإسلام حتى لو آمن بسائر ‏الأنبياء الآخرين. فما بالك إذا كان النبى المكفور به هو محمدا عليه ‏السلام؟ ومعنى هذا أن اليهود والنصارى ليسوا من المؤمنين بالله ‏ورسله. وبالمثل أرجوك أن تقرأ الآية التالية من سورة "الأنعام"، والكلام ‏فيها عن القرآن: "وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ‏وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ ‏عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ". وهذا منطوق النص، أما مفهومه فهو أن من لا ‏يؤمن بالقرآن ليس مؤمنا بالآخرة فى نظر الإسلام. ومن هذين ‏النصين يتضح تماما خطأ تفسير فضل الرحمن والشيخ محمد عبده ‏ود. محمد عمارة. فهل فى هذا ما يعيب الإسلام؟ أبدا، فكل دين يرى أنه ‏هو المذهب الصحيح، وإلا لترك كل أهل دين دينهم ولم يتدينوا بشىء!‏
وهناك حل آخر يتمثل فى قوله تعالى من سورة "النساء": "وَمَنْ ‏يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ‏نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ ‏بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا ‏بَعِيدًا" وفى قوله عز شأنه: "لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" بما يعنى أن ‏الحساب يوم القيامة سيكون بناء على مدى اجتهاد الشخص ‏وإخلاصه فى البحث عن الدين الصحيح ومدى مساعدة الظروف أو ‏معاكستها له. وعلى هذا فمن يبحث ويجدّ ثم لا تتضح له الصورة على ‏حقيقتها فالله سبحانه عاذره. ومن اتضحت له الصورة ثم عاند وتمرد ‏وأغلق قلبه عن نور الإسلام وكفر بمحمد فهو فى النار. أما من لم ‏يسمع عن الإسلام ونبيه بتاتا، ومن ثم لم يؤمن به، فهل تظن أن الله ‏سوف يحاسبه على ما هو خارج وُسْعِه وفوق طاقته؟ وبالمثل من لم ‏يكن عنده من العقل ما يستقلّ به ويعرف أن ما يقال له عن محمد ‏عليه السلام ودينه من الاتهامات الكاذبة كلام زائف مبطل فإن الله ‏سبحانه وتعالى يأخذ وضعه هذا فى الحسبان. وبهذه الطريقة ينحل ‏هذا الإشكال. وبهذا نرى مدى سماحة الإسلام وتفهمه لحال البشر ‏وضعفهم ومحدودية قدراتهم وضغط الظروف القاسية عليهم. ‏
ومع هذا كله فإن هناك دائما، حتى بين المؤمنين بالقرآن، مساحة ‏للاختلاف بين عقل وعقل، وذوق وذوق مرجعه إلى اختلاف البيئة ‏والعصر والعادات والتقاليد التى نشأ فيها الشخص. وهذا أمر طبيعى، ‏فقد خلق الله البشر مزودين بنفس الغرائز والمؤهلات العقلية ‏والنفسية والبيولوجية فى خطوطها العامة، إلا أنه ميز بين تفصيلات ‏رؤانا ومواقفنا فى ذات الوقت بناء على أساس قومى وطبقى وفردى. ‏ومن هنا نشأت المدارس الفقهية المختلفة من مالكية وشافعية ‏وحنبلية وحنفية وإمامية وغيرها، كما أن فقهاء العصر الحديث قد ‏يختلفون مع فقهاء الماضى فى هذه النقطة أو تلك تبعا لاختلاف ‏الثقافة والزمان والمكان والأوضاع السياسية والاقتصادية ‏والاجتماعية... وهكذا.‏


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر