أضيف في 14 غشت 2018 الساعة 16:12

أشياء صغيرة و معنى كبير


رشيد اليملولي
أشياء صغرى و معنى كبير .
أصبح من شبه الأكيد أن المجال العام ، السياسي منه و الاجتماعي و الاقتصادي في المغرب ، مبنيا على التحايل و الفراغ القاتل الخالي من أي دلالة إيجابية موحية ، و أضحى معه الاقتناع يتزايد في كل لحظة و حين ، بأننا بصدد مجال تتسع فيه الهوة ، و تكبر بين المجتمع و مؤسساته المعبرة عنه، و بين مختلف الأفراد و الشرائح و الفاعلين الرئيسيين في المغرب ، و بعيدا عن تسويد الوضع و إضفاء القتامة اللازمة عليه ، و بين الرغبة في تبرئة طرف و اتهام آخر ، نقول أن إمكانات جسر الهوة ، لا تأخذ أي مسار طبيعي ، بقدر ما تتعالى صيغ الاحتقان النفسي و الحكرة و الهزيمة ، لدرجة يصعب معها تقدير الحصيلة و الطاقة النفسية الناجمة عن عدم الثقة في الوطن و في رموزه ( صور إجرام سريالية ـ بذخ خرافي ـ فقر أسطور ـ تذمر لا حدود له من هزائم متوالية للوطن في المجال القيمي و التنموي ) ، و حتى نعطي الأمر قدره من التمثيل و النمذجة نسوق بعض النماذج ، التي و إن لم تغط مجموع الحالات العضال ، فهي تؤشر بدرجة أو بأخرى على منحى تجدير قيم الفشل في بناء نموذج الدولة المتعددة الرؤى ، التي يكتسي فيها الفرد دلالة باعتباره قيمة ، و المجتمع باعتباره مصدر الشرعية كلها و المشروعية جلها .
أعفي وزير من مهمته السياسية ، و هذا الإعفاء أريد له أن يكون حدثا مدويا ، يندرج في إطار غضبة سياسية ، و من منظورنا الإعفاء لا يشكل حدثا بالمعنى السياسي و الثقافة السياسية ؛ إذ إن وجود وزير له من السوابق في الإعفاء ، يجعل وجوده أصلا في الحكومة نشازا .
الدلالة السلبية المستوحاة من الإعفاء ، هي القفز على فشل المنظومة السياسية و الحكومية برمتها ، و التعويل على حدث تقني ، و تقديمه على أنه تعبير عن التحول ، و تسويق مضمونه ؛ بمعنى أن الإعفاء يتعالى على الوثيقة الدستورية ، و يرديها حبرا على ورق ، خاصة و أن المحاسبة ظلت الغائب الأكبر ، و في أحسن الحالات تم تغييبها بغية " تحقير " و " تسفيه " الضغط الناجم عن الإعفاء ، حتى لا يتحول المجتمع إلى قوة ضاغطة أو اقتراحية ، لها وسائلها في الدفاع عن " أحقيتها " في لفظ من أساء إليهم ماديا و رمزيا .
و ارتباطا بالمنحى ذاته ، العملية السياسية في المغرب مطالبة ليس بإقالة وزير ، و تعويض الأشخاص و الأرقام الحزبية ، بل هي مطالبة بتغيير قواعد الممارسة السياسية ، و أدبياتها ووسائلها و غاياتها ، بعد أن ثبت فشلها في تحقيق الغاية المرتجاة ، لدرجة أضحى معها المجال السياسي مجال أزمة بالمعنى الحضاري و الفلسفي ، أي أنه غير قادر على تحقيق المطلب الاجتماعي في الرقي بالسياسة و السياسيين في المغرب ، الأكثر من هذا تحقير السياسة و الساسة ، و تقوية نفوذ المخزنة و سلطتها الرمزية والمادية ، و الإعلاء من سبل غرس مواريثها و أعرافها و طقوسها المتجاوزة .
بالموازاة مع الإعفاء ؛ تبرز المقاطعة باعتبارها منتوجا سياسيا و اجتماعيا ، أبانت فيه الدولة عن فشل كبير في تقوية علاقتها بالمجتمع ، ونسج مصالحة بإمكانها السير نحو أفق أفضل ، فالمرجح أن المقاطعة و بصرف النظر عن مرجعيتها السياسية هي سلوك سياسي و نفسي و اجتماعي ، أراد تمرير خطاب معين و رسالة محددة ، مفادها الرغبة في تحسين الوضعية المعيشية ، و معها الطبقة الوسطى و المهمشة ، و طبعا بأسلوب حضاري لا يعتمد العنف و لا يرغب في الفتنة ، اللهم إذا استثنينا بعض الأصوات التي تحاول النفخ في الكير و الفتنة ، و مرجعيتها معروفة من المقاطع و غيره ، المعنى الذي تتغاضى عنه السلطة هو أنها تراكم لليأس و عدم الثقة في الدولة ، بشكل قد يؤدي إلى تنامي العداء اتجاه الدولة ، و تحويل الطاقة و البوصلة من التذمر ، إلى طاقة إيجابية تجاه الدولة وإلى منتوج مفيد ، و من ثم تكوين حصيلة نفسية ، قد تفيد في تصاعد كتلة بشرية معارضة ، و مؤهلة للفتنة و العنف في إطار رد الفعل ، لذا فالثقافة المؤسساتية تفرض على الدولة إعادة النظر في بعض يقينياتها و مسلماتها ، و تصويب الهندسة الاجتماعية بما يتوافق و يتماشى و مبدأ السلم و الأمن الاجتماعيين ، و ما تغاضيها عن الصيغ المتعددة و المتنامية لإفشال المقاطعة ، إلا علامة على تقوية المقاطعة و صعود تحديها ، و لا أدل على ذلك من أساليب المراوغة ، و تغيير شكل المنتوجات المقاطعة و الشركات الحاضنة بطريقة تنم عن "استبلاد " و" استحمار" المستهلك المقاطع تحديدا ، و قد نستثني في هذا شركة الحليب ، و التي أبدت بعض الليونة ، و دشنت خطابها الخاص في المصالحة مع المستهلك ، و بناء جسر تواصل يمكن أن يفضي إلى نتيجة ما في مستقبل الأيام ، و خلاف ذلك من شركات أخرى تمعن في اللامبالاة و الازدراء ، و كأنها غير معنية بأنها قد تهدد السلم والتماسك الاجتماعي .
لا مشاحة في أن ابتداع الحيل و المكر و " الدهاء " بالمعنى الذي لا يورث إلا السلبية ، و لا يؤكد إلا تقوية بؤر التذمر و اليأس القابلة للانفجار في أي مناسبة .
تتقوى المعاني السلبية للمجال السياسي المغربي ، و تنتعش بإيعاز من سلوكات قد تبدو عادية و بسيطة ، و لكنها لا تختلف عن الأحداث الكبرى في شيء ، سوى أنها تعينها في إقبار السياسة ، و من ثم البلد في أتون الفراغ و الموت و الضحالة ، و منها بالإضافة إلى ما سبق مسألة شراء أضاحي العيد لمجلس البرلمان ( 600 موظف و قدر مالي وصل إلى 200 مليون سنتيم ) .
السؤال البسيط أو المبسط هو ما معنى صرف هذا المبلغ في سنة دينية ؟ و هل من الواجب تبذير هذا القدر المالي من لهم الاستطاعة ؟ .
مهما كانت طبيعة الأجوبة و مبرراتها القانونية ـ الإدارية ، فالدال أن العملية برمتها لا تحيل على أي معنى أخلاقي ـ قيمي ، سوى تسمين الانتفاع و الريع ، في وقت يحتكم ممثلو الشعب على تقارير المندوبية السامية للتخطيط ووزارة الداخلية بمن هو تحت عتبة الفقر و ليس الفقر فقط ، أليس في البرلمان رجل رشيد ؟ .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب