أضيف في 14 يوليوز 2018 الساعة 01:09

تجربة التشكيلية نزيهة خيري حكايات خلاخل تشكيل ووشوشات نسائية تبحث عن الحقيقة الجمالية بين ثنايا اللون.


خيرة جليل



حين قال بيكاسو ان خير من يكتب المذكرات هو التشكيل فلأن هناك تجارب حين تقف أمامها تحس أنهم فتحوا بابا زمنيا لك في عالمهم الفني ، زيارتي اليوم لإقامة الفنانة التشكيلية بمدينة الدار البيضاء نزيهة خيري جعلتني أحس أنني بمتحف عائلي فني مصغر لعالم كبير ممتد في الزمان وغني بالمشاعر وباللوحات الفنية والتحف القديمة.
فمن هي التشكيلية نزيهة خيري كانسان مبدع ومتفاعل مع محيطه؟ وكيف تعاملت مع المنشأ الفني؟ وما هي رسالتها الفنية التي تحاول تمريرها للمتلقي المغربي والكوني عامة؟
دراستي لن تقف عند عمر نزيهة الفني ولكن عند عمق تجربتها الجمالية. هي فنانة عصامية ولدت بشرق المغرب ، بين فكيك ووجدة ترعرعت ولامست اشعة الشمس الاولى لتنتقل فيما بعد الى مدينة الدار البيضاء التي تختلف عن بيأتها بصخبها وازدحامها وضجيجها، هذه المدينة لم تفقد الفنانة هدوءها، بل زادتها ذكاء وتطلعا وكفاحا لتفتح عالمها الفني ببداية حلم بسيط كان بدايته ان تترك ذكرى فنية جميلة على جدار بامريكا لابنتها، كلما مرت من امامه أحست بروح والدتها وهي ترعاها بنظراتها الهادئة وتعدها بالعودة لزيارتها والاعتناء بها. هكذا جدارية أولى في عالم الغربة ستفتح أمامها الباب لتؤثث بيتها بلوحات تعج بكل العواطف التي تكنها لأسرتها و لوحات أخرى تعلن فيها تمردها الفني والفكري على النظرة الضيقة لعمل المرأة في المجال الفني.
التشكيل فنيا وجماليا لدى التشكيلية المغربية نزيهة خيري مذكرات برؤية مبدعة تتخذ من اللوحات حقلا خصبا لتنبث منها شتائل أجساد. وأحيانا تصبح اللوحة بيضة تفقس ليخرج منها أرجل بشرية بخلخال جميل. وهو في حد ذاته غنى مخيلة الفنانة لا من حيث الفكرة او من حيث الألوان الموظفة في المنشأ الفني. وأحيانا نكون أمام ملامح أشخاص تعج بها ذاكرة المبدعة بزمن يحضر فيه الحكي الفكري والثقافي داخل المنشأة الإبداعي بالحقل البصري . وأنت تتجول بإقامتها التي حولتها إلى متحف فني فسيح تجد أن اللوحات في غالبها وشوشات نسائية بألوان الحلم وومضات من الذاكرة برمزية استعمال الورق الحريري الشفاف بتشكيلات فنية رائعة على شكل انثناءات لها انسجام تام مع الصباغة الزيتية مع إدخال بعض الرموز الثقافية المغربية كالخميسة أو التخليلة الفضية من الزي المغربي القديم . قد يكون هذا استحضار للذاكرة الفردية الأسرية من موروثها العائلي على شكل قبسات أو اقتناص للحظة من عتمة الذهن المرهف لتجسيد الحوار بين الإنسان و الزمن أو الإنسان والإنسان في حد ذاته أو تواصل روحي فني مع الأسلاف عامة.
لوحات التشكيلية نزيهة خيري كرم روحي يحكى صمتا بهدوء امرأة من شرق المغرب ، امراة محافظة ومعاصرة في الآن نفسه . هذه المرأة المحافظة على الروابط الأسرية القوية داخل أسرتها بتوظيف اجساد متداخلة لشخوص ذكورية ونسائية ، وباستعمال ألوان غنية للوحات بالزى التقليدي الغنية بالحلي الفضية والأحجار الكريمة كاللبان الحر والمرجان والعقيق والصيغة الفضية محتشمة الملامح تغيب فيها التجسيدات الواضحة للوجه لتنقل في لوحاتها حكاية الأعراس المغربية القديمة ، كما تبرز في لوحات عديدة أقدام نسائية التي تحتفي بأنوثتها بلبس الخلخال الذهبي أو الفضي ، هذه الحلي النسائية التي انقرضت أمام إكراهات الحياة اليومية وعصر السرعة وبذلك فالتشكيلية تبني لنا فلسفة تشكيلية بصرية جديدة مع المتلقي الناشئ الذي يجهل الكثير عن الثقافة المغربية الأصيلة . فهي بذلك تحكي حكايات جمالية تشكيلية بصيغة التاريخ . فسيفساء تشكيلي مغربي هو محاكاة للواقع اليومي برسم ملامح تعدد روافد الحضارة المغربية . وفي لوحات أخرى ترى التشكيلية امرأة مغربية معاصرة ومحافظة لإثبات ذاتها وسط زحمة الحياة بمدينة متروبولية كالدار البيضاء بلمسات تكعيبية تأتي من اللاشعور لتعبر عن تأثرها بنهج بيكاسو بلمسات مغربية. إن الإبداعات الفنية الجمالية للفنانة الوجدية نزيهة خيري تظل أعمالا مميزة فيها قواعد الاشتغال الفني وفيها ملامح الظاهرة الفنية المعاصرة .مقاربتها تتميز بكونها مقاربة تاريخية جمالية بتوليف فكري يتشبث بالأصالة ويحاكي حكايات نسائية من زمن المعاصرة بترتيبات ذوقية ولونية رفيعة المستوى لان أعمالها خلق وإبداع يعج بحكايات من الذاكرة الإنسانية تعبر الوسط المغربي نحو المجتمع الكندي أو الأمريكي .. .فيها لمسة مناهضة، وحالة ثورة،تمرد عن الجَاهز كما فيها إصلاح مشاعر نابضة،طازجة تعبر على الحياة الحقيقية من خلال الإبداع . من هنا تعيدني لوحات التشكيلية للسؤال الجوهري : لماذا عاشت لوحات كوربيه،سيزان، بيكاسو،ما تيس وتلوز لوتريك وتوفت السريالية في المهد ؟ الجواب نجده في لوحات نزيهة انه ابداع صادق يستمد مشروعيته من الحياة اليومية. فهي قد ترسم الوجع لكن بلمسات الجمال، فنانة إنسانة بدرجة مبدعة ،فنانة صادقة لدرجة الجنون حين تجعل الوجه الإنساني في إحدى لوحاتها ساعة بعقارب لتقيس ارتسامات السعادة عليها وتجعل من الكتفين ميزان بكفتين لقياس راحة القلب والجسد لتكشف عن ساق نسائية بخلخال يعبر عن جمالها وأصالتها. هي إذن دعوة صادقة للتحدث عن الجمال لصالح المشاعر النابضة. لوحاتها في حاجة إلي وعي إنساني شديد وفهم كبير. إلى إنسان يطرح أسئلة دقيقة في مسار الإبداع ، وانا أحاول أن أنقل دعوتها لأني اريد ان اصف كيف تتربص باللحظات الإنسانية لرسم الداخل المتحرك الثابت الإنساني وليس الجمال الخارجي الزائف . هي لم تبحث عن عيون جميلة لترسمها، بل هي ترصد عيونا وراء سياج حديدي معلنة ان من يملك عينين للنظر و الملاحظة الدقيقة للتمتع بالجمال لا يمكن تقييد إرادته داخل زنزانة . الحياة الرتيبة.
عندما سألتها عن تكوينها الفني أخبرتني بأنها فنانة عصامية منذ نعومة أظافرها ، وتأسفت على انها لم تلتحق بالتعليم الأكاديمي. وهنا سألتها سيدتي الفنانة: ماهو الفرق بين الرسم الأكاديمي وبين العصامي الذي يعتمد على خطة جمالية خلقت مع الفرد ؟ من طبعها الهادئ والخجول اجابتني بكل تلقائية: كنت أتمنى أن اتلقى تكوينا اكاديميا صارما. فأخبرتها وأنا كناقدة تشكيلية:
- سيدتي ، ان دور التشكيلي في الحياة هو صناعة الجمال لتهذيب الذوق وإقحام المتلقي في المساءلة الفلسفية لتمرير خطاب معين . وأنت لوحاتك تنتزع الإعجاب من زوار إقامتك. أنت لو تلقيت تكوينا أكاديميا كان سيقتل الفنانة بداخلك. أنت تحتاجين لفضاءات وازنة لعرض اعمالك. الآن هي تظل في مكانها المغلق،المنزل أو ربما قاعة عرض درجة ثالثة لمدة أيام ؛ لكن في الحقيقة هي تحتاج لأصحاب التربية البصرية والذوق الفني ووعي آخر.
فعلا هناك جهد فني وتقني ضخم قد لا يدركه العابر في تأمل لوحات الفنانة نزيهة الزرقاء والبنفسجية اللون والتي قررت الاستغناء فيها عن المباشر لصالح المشاعر الإنسانية الأهم في العلاقات الإنسانية. هي ترسم المشاعر الداخلية في حركة اهتزازات لونية ونتوءات تحس بها عند تمرير يدك على اللوحة، هي ناتجة عن التربص لاصطياد نقاط لا ترى بالعين المباشرة المجردة ، هي توازى اهتزازات الفرشاة في يدها كفنانة صادقة. هذه الاهتزازات التي قد لا يراها العابر إلا خدشات خشنة ،وهنا يأتي الخلط عند من يدعون النقد والمتلقي البعيد عن الفهم حتى لو كان ممارسا للفن. هي فنانة المشاعر النقية وهذا يجعلها من زمرة المجددين الباحثين عن الحقيقة الجمالية بين ثنايا اللون بتخطي عتبات الفكر العادية لاستدعاء المخيلة الفنية الغنية .>>>>الناقدة خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب