أضيف في 8 يوليوز 2018 الساعة 19:42

سبينوزا: «الاستبداد» و«الطاعة الطبيعية» (ج 2) ترجمة


نورالدين البودلالي
سبينوزا والإسلام: استعراض حالة
Youcef Djedi
نعلم وجهة نظر سبينوزا المتشددة في موضوع الاستبداد، المتجسد في رأيه في النموذج السياسي التركي والذي نبهت مقدمة الرسالة اللاهوتية والسياسية إلى حماية الهولنديين منه. لقد أشاد فيلسوفنا، مثلما فعل ديكارت كذلك، بهذا الشعب الذي كان ينعم «بسعادة نادرة [...] في العيش في ظل جمهورية، تعطى فيها حرية واسعة للحكم عن الله وتكريمه وذلك بحسب الطبيعة الخاصة المعطاة لكل واحد، وحيث يحظى كل واحد بحرية هي بالنسبة إليه أعز وأسمى مكتسب».
[هذا في الوقت الذي] يكمن أكبر أسرار النظام الملكي ومصلحته الرئيسية في خداع الناس و السيطرة عليهم ببث الخوف المغلف بهالة الدين، فيقاتلوا من أجل حماية عبوديتهم كما لو كانت حريتهم، ويعتقدوا أن ذلك غير مخجل، بل شرفا كبيرا يدفعهم لسكب دمائهم وزهق أرواحهم من أجل رجل واحد.
وحتى وإن لم تتضمن هذه الفقرة بصورة مباشرة –وليس هذا بضروري- الأنظمة الإسلامية، فإن الأسطر التي تسبقها في نفس المقدمة لا تدع مجالا للشك. والواقع أن الاستبداد وخادمته الخرافة، بالنسبة لسبينوزا، « لم يكن لهما أثر أكبر مما كان في بلد الأتراك حيث يعتبر النقاش وسيلة لتدنيس المقدس، و ترهق كثير من الأحكام المسبقة الحكم، وأن العقل الراجح لم يعد له مكان في الروح وأن الشك نفسه لم يعد ممكنا». فمكيافيلي، مثلا، صاحب الأفكار الثاقبة 1، والذي كان سبينوزا يمتلك أعماله الكاملة 2، أكد، دون أن يضيف جديدا، «أن النظام الملكي لتركيا الكبرى يحكم بنفسه لوحده. الباقون كلهم عبيد 3».
غير أن الخطاب النقدي لسبينوزا سيتجاوز مداه في رسالته إلى يعقوب أوستين، التي يدافع فيها عن نفسه من هجمات لامبرت فيلثويسن على الرسالة اللاهوتية والسياسية، التي، حسب هذا الأخير، تهدم كل عبادة، كل دين وكل كتاب مقدس، بإقحام القدرية بشكل قطعي ومبسط و، أنها إن لم تصل حد ال«إلحاد مبطن»، فهي على الأقل تدعو إلى نسبوية دينية. فبالنسبة لفيلثويسين، وفقا لتأكيدات الرسالة اللاهوتية والسياسية، يمكن اعتبار القرآن كلام الله. والواقع أن المؤلف لا يملك أية وسيلة لإثبات عدم أحقية محمد في النبوة، مادام الأتراك أنفسهم، انطلاقا من أحاديث نبيهم، يحافظون على فضائل أخلاقية لا يشك في مصداقياتها أحد. هذا من جهة من جهة ثانية، يرى المؤلف أن الله غالبا ما يقود، عبر آيات أخرى، إلى استخدام العقل والطاعة أمما لم تستفد من أشكال الوحي الذي نزل على اليهود والمسيحيين 4.
إجابة سبينوزا هي أكثر إثارة للدهشة من كونها مُحرَجة ويبدو، أكثر من ذلك، أنها تبطل الفكرة التي ترى أن «عدم اهتمام» الفيلسوف «بالعقائد يثبت أيضا رفضه لها جميعها؛ سواء تعلق الأمر بالمسيحيين أو اليهود، الأتراك [المسلمين] أو الوثنيين 5». ففي نهاية المطاف، يمكن استنباط تلميحات دي فيلثويسين بسهولة، خصوصا المتعلقة منها، على الأقل، بالنسبوية الدينية. ومع ذلك فإن سبينوزا يدافع عن نفسه كون «متًهِمهُ يفسر بشكل خاطئ جدا» « بدافع الحقد أو عن جهل» تطور أفكار كتابه ويعترض –سبينوزا-، عكس كل التوقعات 6، أن العكس تماما هو ما يقترحه مذهبه ويعلن بوضوح تام أنه «يستنتج بكل جلاء أن محمدا محتال»، لكونه «يقمع [...] تماما الحرية التي تقر بها الديانة الكاثوليكية التي أوحي بها إلى النور الطبيعي وباقي الأنبياء، وأثبتت ضرورة الاعتراف بها». ويضيف فيلسوفنا:
لكني أتساءل هل من الضروري علي أن أثبت أن نبيا، حتى إن لم يكن محتالا، كان كذابا؟ على العكس من ذلك، الأنبياء هم أحق من الدفاع عن أحقيتهم في النبوة. قد يقول قائل أن محمدا قد بث هو الآخر في الناس قانونا إلاهيا وقدم آيات نبوية أكيدة، كما فعل باقي الأنبياء، حينها لا سبيل لإنكار حقيقة نبوة محمد. أما بالنسبة للأتراك وباقي الأمم، إن كانوا يعبدون الله بمحبة الحق والإحسان لذي القربى، فإني أعتقد أن روح المسيح تغمرهم وأنهم أُثيبوا، كيفما كان اعتقادهم، عن جهالة، في محمد وما أُحي له 7.
صحيح أن سبينوزا، المؤيد القوي لحرية الوعي، لا يمكنه أن يستوعب أي سلطة سياسية أو دينية لا تعترف أولا بهذه الحرية. ومتاعبه مع السلطات الحاخامية في بلاده معروفة جدا لا يستدعي الأمر العودة إليها. لكن مشاكله لم تكن محصورة مع اليهود وحدهم، فهو، على الرغم من صلته بالمذهب الكلفاني، لم يتوقف أبدا عن إدانة حجم الأخطار التي شكلتها الكنيسة على الدولة وحرية الوعي. ولعل أن واحدا من الأسباب التي أدت إلى وضع تصوره حول الرسالة اللاهوتية والسياسية، كما أسر بذلك هو نفسه لأولدنبورغ، قد كان بالضبط «رغب(ته) للدفاع بكل الوسائل الممكنة عن حرية الفكر والكلام التي تهددها السلطة الواسعة جدا، باستعمال القمع في هذا البلد، المسموح بها للرهبان وغيرتهم 8»
نتفهم مخاوف سبينوزا بنكران كل ديانة للحرية، «ما دام أنه صحيحا أن كل رجل دين، وثنيا كان أم يهودي أم مسيحي أم محمدي [مسلم]، هم غيورون عن سلطتهم من كل انصاف وقول حقيقة وأنهم جميعا تحركهم نفس روح الاضطهاد 9». فيما يتعلق بالإسلام كان من الممكن، بالفعل، أن لا نرى في رسالته لأوستن سوى مراوغة بسيطة يمليه اتخاذ الحذر –وهذا بالفعل ما أوصى به الفيلسوف مراسله-، لو لم يكن هناك مقطع، في رسالة أخرى، يؤكد الرؤية السلبية للغاية للفيلسوف تجاه الدين الإسلامي.
الرسالة المقصودة تتمثل في رده على رسالة جاءته من فلورنس من تلميذه السابق ألبير بورغ 10. يخبره الشاب أنه «برحمته تعالى الواسعة، عدت إلى الكنيسة الكاثوليكية وأصبحت عضوا فيها». ثم أتبع ذلك بمحاكمة طويلة بنبرة جد ملتهبة في حق «الرجل التعس الذي لعبت برأسه شياطين قوية»، «وثنية»، «عديمة الرحمة»، والتي تستحق هي نفسها الرحمة ك«الكلفانيين، أو الذين يسمون بالإصلاحيين، [...]، مناصري لوثر، مينوناتيين، وسوسينيانيين، الخ»، وهم «كما هو حالكم في مملكة يخيم فيها ظل الموت».
أما بالنسبة لليهودي، الذي ارتد عن دينه حديثا، وباعتبار أنه يعلم بطبيعة الحال أن أستاذه السابق من أمته –ويعرفه أيضا بالتأكيد غير مهتم بمصيرها-، فهو يدعوه بالطريقة الأكثر وقاحة أن يقدر
كذلك العقوبة الرهيبة والقاسية لدرجة لا تتصور التي حطت بقدر اليهود إلى أدنى درجة من البؤس، وذلك لكونهم صلبوا المسيح. تصفح، ابسط أمامك، تمعن التاريخ العالمي، لن تجد مجتمعا كان له نفس الغنى مثل هذا المجتمع ولو في الأحلام.
بعد اليهودية والمسيحية، ماذا عن الإسلام؟ لا شيء باستثناء جملة عابرة وذات مسحة ساخرة في موضوع تأكيد أن «القسطنطينية مقر إمبراطورية تركيا». ولا حتى يسمح السياق نفسه بالمجال، مثلما هو الحال بالنسبة للمقطع الذي يمدح فيه العقيدة المسيحية المنتشرة بعمل الجمعيات الخيرية، «وليس بهدير السلاح، وقوة الجيوش العديدة وتدمير الأراضي، وهي السبل التي يوسع بها أمراء العالم ممتلكاتهم».
لا يبدو هناك ما يبرر، منذ الوهلة الأولى، التفاف من قبل الإسلام ولنا كامل الحق أن نستغرب إجابة سبينوزا هذه:
أعترف بالنظام السياسي الذي شيدته الكنيسة الرومانية [...]؛ لكني لم أكن لأعرف ما هو أكثر قدرة على خداع الجمهور والهيمنة على النفوس لو لم توجد الكنيسة [المساجد] الإسلامية التي، من هذه الناحية، تفوق كل الأخريات؛ فمنذ بدء هذا المعتقد، لم يتم، بالفعل، تسجيل أي انقسام بمساجده 11.
وددنا لو عثرنا على البينة التي تدعي فرانسواز شارل دوبر، في مقالها عن «سبينوزا والزنادقة»، العثور عليها استنادا على التقنية التي اعتمدها الفيلسوف في وجه خصمه:
عن تهمة اعتبار محمد نبيا حقا والقرآن كتابا مقدسا، «أجاب سبينوزا بطريقتين. أولا بالتأكيد وبوحشية أنه لم يفعل شيئا سوى إظهار أن محمدا كان دجالا. إنه أمر [كان] شائع في الصياغة، أرثوذكسي بالنسبة لفكر الحقبة، ومستفز بشكل رهيب، وذلك لأن الصياغة تستحضر بشكل طبيعي أطروحة الدجالين الثلاث، حتى وإن كانت لا تتماشى وموضوع الرسالة اللاهوتية والسياسية».
الحق أننا لا نجد سببا واضحا لحضور أطروحة الدجالين الثلاث في رد سبينوزا على فيلثويسين.
إذا سلمنا أن هذا هو حقا موضوع رده، ألم يتبعه بعدها بحجة مترتبة عنه؟ لعله بهذه الطريقة كان سيدمر الإسلام وبقية الديانات وينعت بالدجالين مجموع الأنبياء؛ أو أنه سيتبنى صراحة النهج الإلهاني الذي يبدو أن فرانسواز شارل دوبر قد اكتشفته في بقية رده، عندما
ينتهي أخيرا، وهو يوبخ نفسه، إلى عدم الاهتمام بالأديان –المعتقدات والمذاهب- طالما أنها تنشر تعاليم العدل والإحسان، وهو بالضبط ما ينتقده فيه خصمه. هذا ما يجعله يتمسك بوجهة نظره ويجعله ضحية النقد المتمثل في عدم المبالاة بالمعتقدات وما يماثل طابع الأديان، مادامت أنها تضمن الفضيلة، مما يجعلها قريبة فعليا من الخطابات الإلهانية.
الحقيقة أن هجوم لامبر دو فيلثويسين كان مركزا بشكل دقيق، وبالتالي كان يتطلب من سبينوزا ردا قويا. نرى هنا مدى محدودية «الحياد القيمي» الذي أشار إليه كارل ياسبيرز كسمة مشتركة بين سبينوزا وفيبر 12.
لابد من الاعتراف أن سبينوزا، في تعامله مع مفهوم النبي، ارتبط بنموذج كتابي انجيلي صارم، ميز فيه، كما يقعّد ذلك الكتاب المقدس، بين النموذج المتحقق للرسول، ونقصد به موسى، الذي كلمه الله «جهرة»، ونموذج باقي الرسل، النبيئين، الذين كانوا مجرد مؤولين لكلام الله، ويمتلكون مع ذلك معرفة طبيعية 13. ينفجر هذا النموذج بشكل مضاعف من خلال توسعة العهد الجديد المتمركز حول شخصية المسيح. فهذا الأخير «قد أرسل [بدءا] هداية لا لليهود وحدهم، وإنما للناس أجمعين 14»؛ ثم بعد ذلك تلقى، وهو المزود بروح «تفوق بكثير الروح الإنسانية»، الوحي الإلهي «بشكل مباشر، دون كلام ولا رؤى 15»، «من روح إلى روح». فبالنسبة لسبينوزا «لم يكن المسيح نبيا وإنما كلمة الله 16».
إذن ما المكانة التي يخصها سبينوزا لصاحب الدعوة الإسلامية؟ إنها نفس المكانة التي تعطيها له بالتأكيد الديانتين المسيحية واليهودية، أي «نبي كذاب». وقد سبق لإخوان سبينوزا اليهود أن اتهموا محمدا بالمدينة المنورة بكونه «مجنون 17»، هاجم وسخر من العهد القديم 18. ولم يستعمل حاخامات آخرون كابن ميمون مثلا 19، بعد مرور عدة قرون، من تعبير آخر غير «مجنون» لوصف نبي الإسلام. وباصطلاح سبينوزا لا يمكن إلا حرمان محمد من المعرفة والعقل السوي. هذا بالفعل ما عبر عنه الفيلسوف في أفكار ميتافزيقية، حيث يستبعد القرآن والتلمود لكونهما بحسبه يفتقران للنور الطبيعي 20، الذي نجده لدى أنبياء الإنجيل. ولهذا السبب جعل سبينوزا من محمد نبيا كاذبا والإسلام «خرافة» منتشرة ظلت، مع ذلك، ثابتة منذ بزوغها.
هل كان سبينوزا يجهل حتى وجود مذاهب في الإسلام، كما اعتقد بذلك البعض 21؟ احتمال ذلك جد ضعيف؛ ويكفي أن نستشهد فقط بدلالة الحائرين، ، لتقديم صورة عن هذا الأمر. فهل كان يجهل بوجود مذهبين متمايزين في الإسلام، كل منهما يشمل مذاهب فرعية عديدة؟ الواقع أن ما ألمح إليه سبينوزا، باعتباره هولنديا حقيقيا، و أحيانا مؤمنا ببروتستانية راديكالية ، هو تلك الانشقاقات الناتجة عن التمزق، كما حدث تماما مع الإصلاح الديني. وفي نهاية المطاف، ألم يتأسف المصلح جمال الدين الأفغاني لعدم وجود لوثر آخر بالإسلام؟
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- Traité politique IV, § 7 ; X, 1
2 - A. J. Servas van Rooijen , op. cit., pp. 145-146
3 - Le Prince, IV
4 - Lettre XLII (déjà citée).
5- Ch. Appuhn, in op. cit., p. XVI
6 - Cf F. Charles-Daubert, « Spinoza et les Libertins — Le Traité des Trois imposteurs ou L’esprit de Spinoza », in R. Bouveresse-Quilliot (dir.), Spinoza, sciences et religion. De la méthode géométrique à l’interprétation de l’Écriture sainte, Paris, Vrin, 1988, pp. 171-181
7 - Ibid., lettre XLIII
8- Spinoza, op. cit., lettre XXX
9- Ibid., p. 1542
10 - Ibid., lettre LXVII
11 - Lettre LXXVI in B. Spinoza, OEuvres complètes, p. 1347
12- Spinoza, München, Piper, 1978, pp. 57-65 ;Y. Djedi, op. cit., pp. 197-198
13- Traité théologico-politique, chap. I
14- Ibid., chap. III
15- Ibid., chap. II
16- Ibid., chap. III
17- Cf. Y. Djedi, op. cit., pp. 97-98
18- Osée, IX, 7 (c’est du moins ce que suggère Jean de Hulster dans son édition de M. Maïmonide, Épîtres, op. cit., pp. 22, n. 69 ; 58 n. 68) ; Jérémie, XXIII, 21-40
19- Op. cit., pp. 22, 58, 61, 71, 94
20 - VIII, in fi ne
21- A. Wolf , op. cit., p. 476
22- Cf. G. Hunter, Radical Protestantism in Spinoza’s Thought, Aldershot, Ashgate, 2005



لتعليقاتكم على الترجمة [email protected]


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب