أضيف في 27 يونيو 2018 الساعة 00:02

عرب ومونديال وفيفا...


المصطفى سالمي
أصبحت كرة القدم ـ والرياضة عموما ـ متداخلة مع السياسة والاقتصاد، فهي عنصر استثماري مهم لما تتضمنه من إعلانات ومشاريع مذرة للأرباح، إنها سلعة كباقي السلع، كما أنها تلعب دورا سياسيا كبيرا خاصة حين يتم استغلالها في البلاد المتخلفة كأفيون يستقطب الاهتمام ويصرف الأنظار عن المشاكل الجوهرية في الصحة والتعليم وباقي القطاعات، وهي تستغل الأسماء الرياضية البارزة في توجيه الرأي العام لتمرير بعض المشاريع المشبوهة أو الرفع من الأسعار حين يكون الاهتمام منصبا على مباراة كروية هامة أو تظاهرة رياضية كبرى. وبالنسبة لمونديال روسيا 2018 الذي هو محور حديثنا فقد شهد ولأول مرة مشاركة أربعة بلدان عربية دفعة واحدة هي المغرب وتونس ومصر والسعودية، وكانت أحلام هذه الدول هي التأهل للدور الثاني لأول مرة بالنسبة لمصر وتونس وللمرة الثانية بالنسبة للمغرب والسعودية، أو وربما الذهاب أبعد من ذلك في هذه التظاهرة العالمية، لكن الأقدار شاءت أن تصاب هذه المنتخبات الأربعة مجتمعة بخيبة أمل كبرى وتتلقى كل واحدة هزيمتين متتاليتين من بداية المشوار ليكون الإقصاء المر في انتظارها، ورغم الأداء المستحسن للمغرب ونسبيا تونس ثم السعودية وخيبة الأمل الكبرى بالنسبة لمصر ـ أداء ونتيجة ـ إلا أن أسطوانة الأداء المشرف عادت لتعزف وترن في الآذان من جديد، ولا أحد غاص في عوامل الإخفاق الحقيقية لهذا الفشل الذريع، فالمغاربة صبوا جام غضبهم على التحكيم وفساد الفيفا وتقنية (الفار VAR) التي استخدمت بانتقائية في هذا المونديال، وأهل الحجاز تعللوا بظروف تغيير الناخب قبيل المونديال وعدم الإعداد الجيد، والمصريون حملوا المدرب وطريقته الدفاعية الصرفة المسؤولية، والتوانسة عادوا باللائمة على سوء الطالع وصعوبة المجموعة وإصابة بعض اللاعبين المميزين في الهجوم قبيل المونديال بأيام معدودات. لكن أين الحديث عن فشل كل المنظومة ببلادنا العربية؟ إذ كيف يمكن أن تكون الرياضة استثناء وتحقق وحدها النجاح في ظل الفشل المتمدد في كل القطاعات المحورية ببلادنا، إن الرياضة أصبحت علما يخضع للتخطيط والإعداد المتوسط أو البعيد المدى، ونتائج الغد يوضع لها التصميم اليوم، كما لابد من أن تكون البيئة العامة سليمة ومهيأة لتحقيق النجاحات والإنجازات الباهرة. إن اللافت للنظر في بلادنا العربية هو أن ميزانيات ضخمة تُرصَد للرياضة وذلك لأهداف وغايات مشبوهة بعيدة عن جوهر الرياضة في حد ذاتها كالتدجين والتخدير وتلميع الأنظمة الاستبدادية، ولعل هذا ما فضحه تسفير أشباه الفنانين على حساب الشعب المفقر مع محاولة استغلال أي إنجاز/ فلتة لتلميع رقعة السواد، زد على ذلك فضائح بيع التذاكر المقدمة مجانا لأقارب بعض اللاعبين والمسيرين العرب فضلا عن الانفلاتات والمزالق في معسكر بعض المنتخبات العربية وأخص بالذكر هنا المنتخب المصري.
إن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هنا هو كالآتي: لم لا يتم رصد ولو عُشُر تلك المبالغ الطائلة ـ التي أهدرت هباء في إعداد اللاعبين والتنقل بالطائرات وعقود المدربين الخيالية ـ في البحث العلمي ببلادنا العربية التي ترزح في الفقر والجهل والتخلف؟ لِمَ لا تُطبع أعمال الشباب الأدبية والروائية وتشجع إنجازاتهم وبحوثهم في الفيزياء وعلوم الحياة والأرض والشعر والقصة؟ أم هو البدن وحده القادر على العطاء في العدو والقفز والكرة بألوانها وأنواعها؟ فكما أعطيتم الفرصة للشباب في إبراز قدراتهم البدنية وفي الغناء والرقص والكوميديا جربوا أيها المسؤولون إعطاءهم الفرصة لإبراز طاقاتهم الفكرية والأدبية والفلسفية بطبع أعمالهم وإخراجها للنور والدعاية لها وإشهارها، هيئوا لهم المختبرات وأجهزة البحث العلمي لعل الفشل الذي لازمنا في الرياضة في هذا المونديال تمحوه نجاحات في منجزات العقل وثماره!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب