أضيف في 25 يونيو 2018 الساعة 17:52

الباكالوريا و الموت الرحيم


رشيد اليملولي
250 حرف على الأقل، 24 ساعة للنشر من جديد. الباكالوريا و الموت الرحيم .
عادة ما تنتمي لحظة التقويم و التقييم إلى الزمن الخاص ، أي الزمن الفردي و ما يحيط به ، من قدرة على بناء تصوراته و الأفكار التي تبيح له إيجاد موطئ قدم في سياق اجتماعي و اقتصادي معين ، و ما قد يطرحه من تفاعل مع محيطه سلبا و إيجابا ، و ما بين هذا الحق الشخصي و الحق العام تتناسل العديد من الإشكالات ذات الطبيعة المعقدة و المركبة ، يصعب أحيانا تتبع تعقيداتها و إكراهاتها.
إن المرحلة الإشهادية المسماة باكالوريا ، لا تقف عند مستوى النتيجة الشخصية لكل فرد ، بل تتجاوزها إلى هاجس " مؤسساتي " تعكسه طبيعة المجهودات و الطاقة المبذولة ، لإخراج هذه الشهادة من مستوى معين من الرضى العام الوطني و الشخصي ، وخلف هذا المبتغى تقبع ضبابية و غموض له مستويات متعددة ترقى إلى درجة العائق و المعيق نظريا و عمليا .
لا تسلم شهادة الباكالوريا من إخراج سياسي و بصمة سلطوية ، تتكاثف الجهود بشأنها من أجل ضبط تسويق نتيجتها وطنيا و دوليا ؛ فوراء الأرقام و النسب عوالم نفسية و معرفية و اجتماعية و ثقافية تتباين أنساق حضورها ، و أشكال حضورها في أذهان كل قريب منها .
لا غرو، أن هذه المحطة محاطة بسياق اجتماعي و سياسي محدد ، و هو درجة الاحتقان و الجفاء و البرودة ، التي قابل بها الفاعل السياسي هذه الموجة ، و من ثم لا تخلو نسبة النجاح (57%) من هاجس سياسي و مرتكزات داعمة له ، في مقدمتها التخفيف من حدة التوتر النفسي ، و التقليل من موجة الغضب الذي أججته المقاطعة ، و في هذا يأتي تنظيم مهرجان موازين ، بغرض استكمال مشهد إسعاد الأسر و الأفراد ، و إرفاق ذلك بمشهد غنائي قد ينسجم مع متطلبات و رغبات وميولات البعض منهم ، و من هذا نزعم أن هناك " خطة " مدروسة لفرملة و تلغيم الاحتجاج الافتراضي و الواقعي في الآن ذاته ، تنضاف إليه المرتبة التي حصلت عليها المنطقة الشرقية على صعيد الأكاديميات ، و هي الرتبة الأولى وطنيا ، فبصرف النظر عن مستوى و درجة تمكن المتعلمات / المتعلمين من التحصيل ، و دون إغماط حق الجهة و فاعليها ، تكمن خلف هذه الرتبة غاية ، تتجلى في امتصاص بل و تذويب حراك جرادة و التأسيس لتطويقه ، عن طريق مكافأة رمزية أملا في تحويلها إلى سياسة إعادة الاعتبار لهذه المنطقة ، هذه الرسالة تنبني على مناطحة و مجابهة الحراك الاجتماعي و التقليل من شأنه و غلوائه ، ليغدو الهاجس السياسي و الاجتماعي المحدد الأساس في هذه المحطة ، بعيدا و إن بدرجات متفاوتة عن الهاجس المعرفي و المنهجي للمتعلمين و المتعلمات .
تخص المفارقة هنا النسبة المعلن عنها ، و هي في تقديرنا ذات طبيعة إشكالية صرفة ، حيث أن الهوة سحيقة بين الحاصلين على معدلات عالية ، و الحاصلين على معدلات متوسطة المعبر عنها بمقبول ، ما يؤكد أن نسبة النجاح تخص فئة عريضة من المقبولين ، و لا تمس إطلاقا عنصر الندرة ، الذي هو في أحسن الحالات استثناء و ليس قاعدة ، و المعبر عنه في العلوم الرياضية و الفيزيائية ، و التي هي أيضا تعبير عن نمط التقويم ، فالإدانة هنا تتعلق بضعف المنظومة التي تنتج " الوهم " المقنع بنسب لا تراعي الفروق الجوهرية بين المتوسط الحسابي و الواقع المتباين ، و لا تحاول التقليل منها ، إذن ما بين رقم خيالي (19.44) و رقم عقيم ( 10.00) تكن أزمة صناعة الذات و الوطن ، و ترتفع أزمة تجهيل و تجييش البطالة و العطالة ، و الأدهى المفاخرة بصناعة جيل تقني يصور فيه الذكاء بالتخصص الضيق ، الذي يكون فيه الفرد رياضيا قحا أو فيزيائيا قحا ، لا يرى في المعرفة إلا غنيمة و أسلابا نحو مجده و راتبه ووضعيته الاجتماعية ، فلا نحن أنتجنا الفيزياء و الرياضيات ، و لا نحن استطعنا تزويج الفقه بالرياضيات و الفيزياء بالشعر ، و العلوم التقنية بالرواية و علم النفس و الاجتماع و التاريخ ، و كأن المعرفة في فلسفة بلادي جزر و أرخبيل لا تقاطع بين أجزائه .
تبدو النتيجة المصرح بها في تقديرنا مغالية ، و أسيرة واقع اجتماعي و سياسي معين ، بحيث أن النظر إلى السياقات المعرفية و المنهجية التي تميز طبيعة الامتحانات ، تخلو خاصة في المواد الأدبية و أيضا بالعلوم الإنسانية من استراتيجية اتخاذ المواقف ، و الكفايات الخاصة بالتعليل و التركيب و البناء و التفسير ، حيث أن التدرج في بناء الأسئلة يحيل على تمكين المتعلمة و المتعلم من رصيد تقويمي مسبق ، خارج أي مجهود مبذول ، يتم فيه الاكتفاء بوصف و استخراج المعطيات ، دون تطوير الأمر إلى التفسير و التعليل و التركيب ، و إن تم ذلك فعادة ما يكون محتشما ، و إن لم يكن غائبا بالمرة ، و لا يخفى ما مدى خطورة تقويم لا تحضر فيه الرغبة في البناء و المشاكسة و اتخاذ المواقف ، في أفق بناء التصورات و الأفكار و القيم في المرحلة الجامعية ، فالتقويم التربوي هنا يتم على حساب التقويم المنهجي و العلمي و المعرفي ، إن لم نقل التحريض المؤسس على الغش ( الموضوع المقالي في مادة التاريخ و الجغرافيا الذي يجب إعادة النظر فيه جملة و تفصيلا ) .
هنا في تقديرنا تكتمل صورتان ، صورة الإخراج السياسي لنتيجة الباكالوريا ، و صورة تفقير و إخواء المضمون الإشهادي من أي قيمة علمية و اعتبارية تؤسس للاستثمار في العنصر البشري ، و كأننا بصدد عملية قتل لأجيال بالأسلوب المعروف بالموت الرحيم .
هناك عمل غير مقنع نلمسه واقعا مريرا في عملية التصحيح ، و هو الضعف البين و الهزال الذي يميز منتوج و مجهود الفئات المستهدفة في عملية الامتحان في الكتابة و التحرير و التعبير ، و الانتقال من مستوى إلى آخر ، حيث تغيب كل الضوابط المعرفية و المنهجية المعمول بها ، لصالح الاستظهار و الغش و تناسخ الأجوبة ، و تشابهها خاصة و أن المعني بالأمر سيتوجه إما إلى اللغات الحية أو العلوم الإنسانية أو القانونية أو الشرعية ، و هنا الإشكال العميق و الموت السريري لمشروع الدولة في بناء الأجيال التي يبرز فيها الفقيه الذي يصور الأزمة في التبرج ، و الشاعر الذي يستجدي الدراهم من السلطة ، و المؤرخ الذي يزور الحقيقة و يبجل الخرافة ، و الروائي الذي يكتب تحت خصر الرقص و السكر و العربدة ، و رجل القانون الذي لا يدخر جهدا في تمكين الأنظمة من حماية نفسها قانونيا ، ويرى فيه وسيلة للاغتناء السريع و لو على حساب القيم النبيلة ، يتكرس هذا الواقع غير المقنع من خلال الإشارات المقدمة من بعض رموز التواطؤ ، الذين يرون في تسهيل عملية الغش و مباركتها نوعا من الانتقام من الواقع أو الدولة ، و تسويق خطاب الإنسانية المزيفة و إنقاذ المتعلمين من براثن الفشل، و التحلل من المسؤولية ، بدعوى أن الفرق كبير بين غاش صغير و غاش كبير ، و التجاهل هنا يخص قتل الدولة و قيمتها الاعتبارية في سلم التنمية ؛ فالعنصر البشري هو المقياس الأوحد و الوحيد للتنافسية و ما تأجيل الاستثمار فيه ببعض السلوكات المرصودة إلا مزيد من تكريس التخلف الذي نجنيه جميعا ، و من هنا الدعوة صريحة لإعادة الاعتبار للامتحانات الإشهادية ، و اعتبارها جهادا تجند له كل الطاقات ، لأن الأمر مرهون بقيمة اسمها البلد و الوطن ، و الكبرياء في منافسة القوى الكبرى ، أليس من حقنا أن نغزو العالم بفكرنا و عقلنا و أخلاقنا و قيمنا العلمية ؟ .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب