أضيف في 25 يونيو 2018 الساعة 15:16

أنا والزوجة والأولاد والمونديال؟؟


الحبيب عكي
في غرفة خاصة بأحد الأبناء في الطابق الأعلى،اجتمع الأولاد مع أمهم يتابعون مباراة في كرة القدم جمعت بين الفريق الوطني ونظيره "الموزمبيقي" في إطار نهائيات كأس العالم روسيا 2018،فجأة انتعشت الأجواء وارتفعت بينهم درجة الحرارة وتوترت منهم الأعصاب وتعالت بينهم الصيحات والتصفيقات وتفجرت الضحكات والآهات،حتى أني من شدة الهول صعدت إليهم أستقي ما الأمر،وبكل سذاجة وبساطة وعفوية عرضوا علي الجلوس معهم ومشاركتهم طقس اللعبة ومتعتها الأخاذة،فقلت لا بأس،لعلي أفهم ما حل بالغرفة المسكينة من فوضى عارمة وقد انقلبت ترتيباتها رأسا على عقب أو تكاد،وكأنها حلبة صراع ضار بين أعتى الجيوش"البزنطية"و"البورغواطية"،هذا يضرب فيها على الطاولة وهذا يقذف بالوسادة على ذاك وهذا الآمر الناهي لا يلبث في كل مرة أن ينقض من مكانه على أي كان عاضا إياه تارة و أخرى معانقا،قلت لا بأس،ولو أني لست من هواة هذا العبث وإن سميتموه المستديرة الساحرة،ولكن لا بأس،ما دام الأمر يرضيكم ويتعلق بالفريق الوطني فلا بأس أن أمكث معكم بعض اللحظات،شريطة أن تبقوا على سجيتكم وتستمروا على عفويتكم كأني غير موجود تماما،فأنا في الحقيقة أريد أن أتفرج عليكم وسأسعد بذلك كما أنتم تتفرجون على المباراة وبها تسعدون،ويكفيني أنكم مكثتم في البيت وابتعدتم عن المقاهى وآفة المقاهي وإن حولتموه إلى أمقه المقاهي،وعلى كل حال وكيفما كانت النتيجة فالبيوت التي تتفجر هراء وصخبا خير وأفضل من البيوت التي تموت صمتا وكمدا؟؟.

وبعد لحظات عصيبة،كادت الغرفة تنفجر فقط من جنون أبنائها،والغريب أني اكتشفت حنون أمهم أيضا وكأنها كانت عميدة اللقاء وأمهر لاعبة فاضت عليها الذكريات واشتاقت إلى حرارة المقابلات ومعارك البطولات،أو مشجعة وفية لم تدع من ارتداء القمصان وخربشات الأصباغ ورفع الصور والأعلام والشعارات،ولم تخفي شيئا من خبرتها وتعالمها في الثقافة الرياضية وهي تكشف عن أسرار اللعبة وقواعدها وكأنها قيدومة الحكام العرب؟؟،انتهت المباراة مع الأسف بهزيمة الفريق الوطني،وجلسنا كما قلت لهم منذ البداية في مربعنا مربع الهزيمة المألوف،أدرك الجميع حجم الوهم والتدبير الذي لا ينتشلنا من الهزيمة إلا ليغرقنا فيها؟؟،فبدأت التعليقات والتحليلات والاتهامات والتأويلات،والنظرات والعبرات والزفرات والدمعات والابتسامات والنكايات والتهكمات والاستفزازات..؟؟،وكلها في نظري تدل على شيء واحد ألا وهو الرغبة الجامحة في إحراز النصر على الخصم بأي ثمن،لأن المقابلة في معتقد المعتقدين لم تعد مجرد مقابلة رياضية بين لاعبين،بل ومن شدة اشتياقنا للنصر أي نصر ولو كان رياضيا أصبحنا وكأننا قد خضنا أم المعارك القومية الحاسمة وهي ولاشك منازلة مصيرية لنصر الأنا وفخر الهوية وعز الوطن؟؟،تصوروا أن أيا منهم لم يصدق ما حدث فصدقوا وهمهم وكذبوا أعينهم وهي ترى الخسارة وكأنها نزلت بغيرهم وعدوهم،بل إن بعضهم أخذوا يرقصون فرحا وطربا على الهزيمة حتى سقطوا،لأن المهم أن يعقب الفرح والطرب كل مقابلة وتلك هي الروح الرياضية التي تعودنا على تقبل الهزيمة اشتياقنا للنصر وإيماننا بالحظ اعتمادنا على المهارات،وإلا كيف ستبقى اللعبة أي لعبة مجرد لعبة تنعش الأعصاب ولا تتلفها؟؟.

وبعضهم ممن تلفت منه الأعصاب وجانب الصواب،قد دعا بالموت على الفريق الخصم وجعل أصلابهم من أبناء العاهرات وأمهات الحرام والساحرات،لأنه فقط تجرأ وانتصر على فريقنا وبالتالي ستسمو سمعتهم وبلدهم على سمعتنا وبلدنا؟؟،وبعضهم أراد تماسكه وامتلاك رشده فقال لقد خسرنا المباراة ولكن في الحقيقة ربحنا الفريق وربحنا المدرب وإن كان جلهم يعيشون في بلاد المهجر فهم شباب وطنيون ومقاتلون شرسون لا ينفذ لهم غيار ولا يشق لهم غبار؟؟،وبالمقابل انفعل بعضهم أكثر من اللازم فهدد بترك ملة الفرق العربية المنهزمة والدخول في ملة الفرق الأجنبية المنتصرة وموالاتها شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى ولو دخلت ملعب مونديال دخلناه؟؟،وانفعل بعضهم أكثر وقال نحن وطنيون ولكننا واقعيون لذا لن نفرح لأحد ولن نتأسف له،فقط لأنه لا الفريق ولا غيره لا أحد يتقاسم معنا الحوالات والهدايا والعلاوات،نحن فقط أبناء الضرائب و الإتاوات ورغم ذلك ديما..ديما..ديما؟؟،وبعضهم..وبعضهم..وبعضهم فقد الرهان مع زملائه ضدا على زوجته فوجد نفسه بين أمرين أحلاهما ركل،إما أن يطلق زوجته أو يدفع رهانا ماليا ضخما لا قبل له به،اللهم إذا أنقده بنك قومي بقرض ربوي ستستعبده أقساطه أربع سنوات قادمة ريتما يحل مونديال آخر يجدد فيه قيد الاستعباد على البلاد والعباد؟؟.فعلا،إن هوس الكرة يسكن البيوت،سكن القلوب فغاب الوجدان،وغشى العقول فضاعت الحكمة،وسلب الضمير فكانت كل الفواجع،أغضب الزوجات من الأزواج من كثرة هروبهم ولجوئهم إلى المقاهي،وفرق الآباء عن الأبناء في الولاء والانتماء،فأصبحوا يحبون النصارى ويعشقون مللهم وثقافتهم حتى في اللعب والترفيه والمأكل والمشرب والملبس والارتباط والإنجاب خارج الزواج، تماما بالقدر الذي يكرهون فيه الفرق العربية أو فرق الهزيمة ويسخطون على ثقافتها وتخلفها ولسانها كما يصفونه و يبدو لهم؟؟.

بسبب الكرة انشطرت المدينة البيضاء شطرين فهذا "ودادي" وهذا "رجاوي" وهذا مع "الأهلي"أو"الزمالك" أو مع "المقاولين"العرب،وانقسم البلد أقساما وأقساما،تزركش فيها القوم بأقمصة وأقمصة حتى جعلوا من كسوة العيد قميص الفريق،ورفعوا فيها أعلاما وأعلاما تكاد لا تجد ضمنها علم البلاد، فهذا"ريالي"أو"برصاوي"وهذا "باريسي"أو"لفيربولي"..؟؟،الكرة من تخرج الشعب إلى الشارع ما لا تخرجه أعقد القضايا والملفات ولا أعتى الأحزاب والنقابات،والكرة وحدها من تسمح بخرق القوانين فتمكن الموظفين من الغياب عن العمل دون محاسبة، وتمكن الجماهير من التظاهر في الشارع دون ترخيص؟؟، الكرة من تشاهد "ديربياتها" بملايين لا تضاهيها إلا ملايين الحجيج من كل فج عميق؟، ورغم أن الكرة تسطيح الوعي وتزييف الفرجة،فإنها تخلط بين الحاجيات وتجعل نفسها على رأس الأولويات وإن لم تكن كذلك،وتلتهم ميزانية التعليم والصحة والتشغيل والسكن وإن لم يحق لها ذلك،وتقلب المنطق في التحليل والثقافة والتربية والعقيدة..، فإذا الشباب الناشء أكبر حلمه لاعب،وأكبر همه ساحرة مستديرة فارغة جوفاء،يتفرج على مبارياتها ويتتبع أخبار فرقها ويتأسى بأبطالها ويراهن على نجومها...؟؟،صحيح أن بعض الدول الغربية استثمرت فيها وكل يوم تحاول خلق اقتصاد رياضي بالفرق والبطولات وبيع،وأكبر الدوريات والقنوات والصحف الرياضية والمجلات...وبيع اللاعبين وجلب المدربين بالملايين الخيالية التي تفوق ميزانية بعض الدول أو تكاد،وصناعة الحكام وجيوش من المذيعين والمحللين والمحتضنين والمستثمرين..؟؟،،ولكن إلى أي حد يمكن استنبات هذا التوجه وغيرها من التوجهات الفنية والسياحية المعلبة في بلادنا بلاد الفلاحة والصناعة والبحر والتجارة؟؟،هل يمكن هذا أم سيظل بالتأكيد قضية خارج الملف،لا أموال الشعب تبقي ولا انتظاراته التنموية تحقق؟؟.

خلاصة القول، أننا اقتطعنا من غربتنا وفي غرفتنا على كؤوس الشاي وأطباق الحلوى،لحظات مرحة لعبنا فيها أشواطا إضافية حول التحليل والتعليل وكشف الظاهر من المستخبي في شأن الرياضة والشباب،لحظات حوار ومرافعة تلقيت فيها من الأبناء وخاصة من هدافهم "كابتن صلاح"صاحب المذكرة الرياضية المخربشة منذ الصغر،وكم خطط فيها للفرق وبرمج لمبارياتها و وزع عليها من تلقاء ذاته الهزائم والانتصارات،واليوم وقد أصبح قائد الهجومات العائلية المنسقة،تلقينا منه أهدافا وأهدافا كثيرا ما صادقت عليها الحكمة الأم ولو بشيء من التعاطف و الخشونة والانحياز،ولكني بدوري لم أكن سهلا فقد حاولت تسجيل بعض الأهداف مما قذفت به في مختلف زوايا سابق التحليلات والتعليلات،حصل بها الكثير من الوعي ببعض متاهات اللعبة، وإن كانت تأبى رفضها عندهم في الغالب غوغائية الإعلام ومزاجية الأحلام وضغط الاستسلام للموجة والسير مع التيار والتماهي مع الواقع؟؟،وكثيرا ما كانت أجوبتهم،نعم ولكن..نعم ولكن..ولكن في الأخير اتفق الجميع ممن خرج كالعادة مبكرا من ملاعب المونديال ولم تطأها بعد أقدامه،على أن المونديال حلم مشروع،ولكن بيننا وبينه مونديالات أخرى علمية تنموية و ديمقراطية أهم وأولى وأفيد،وهي التي ستكون ولاشك طريقنا السيار نحو كل المونديالات،ولن نفرح بهذه المونديالات ما لم نخلق ونشجع ونلعب مع فرق وطنية من أبناء الشعب وطاقاته ومواهبه تقود هذه المعركة اللعبة في التعليم والصحة والتشغيل والسكن..،وكذا معركة مقاومة ومحاربة انحرافات اللعبة المستديرة الفارغة الجوفاء،حتى لا يفرح اليوم سماسرتها من المسؤولين كل المسؤولين،ولا يظنوا أنهم بمجرد جرعات رياضية محلية أو وطنية سيخرجوننا عن الوعي والوجدان ويدمنوننا الهروب من الواقع والفرجة والنسيان،أو بمجرد فاصل رياضي قاري أو عالمي سخيف سيمررون علينا الأزمات تلو الأزمات،ويشبعون الاحتجاجات والمظاهرات في الشوارع الركل والسحل والعصي والكدمات؟؟،لن يدع اللاعبون الوطنيون الأوفياء والحراس الحقيقيون البارعون من أبناء الشعب أحدا يهتك شباكهم بركلات العنف وأهداف الغش والتنمية المزورة،هم بالتأكيد مع "الحراكات" الشعبية كل "الحراكات" ولا زالت في مختلف المدن تقمع،وهم أيضا مع "المقاطعات" الشعبية كل "المقاطعات" ولازالت بطول التعنت والإهمال تواجه؟؟،فإلى متى كل هذه السياسات والحكومات والبرلمانات والانتخابات والعقليات..،التي عجزت وتعجز على أن توفر للشعب كل الشعب أهم الحقوق،وعلى رأسها حق التمنية الشاملة بقدر الحاجيات والمتطلبات،وضمنها تنمية الممارسة الرياضية الترفيهية الصحية الوقائية للشعب،والفرجة الرياضية الحقة المرحة والممتعة والدائمة والمربية،وليست الرياضة الموسمية الريعية الملهية والمخدرة و المبذرة دون طائل؟؟.

الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب