أضيف في 25 يونيو 2018 الساعة 15:07

الأمل القادم


محمد مجد
أبواب المنزل مغلقة والظلام دامس وكمال لا يستطيع النوم هذه الليلة وما به لا ينام؟ لابد أن هناك سببا، فهو يبدو شارد الذهن، يتجول في المنزل وقد يخرج إلى الحديقة المجاورة، إنها حديقة الحي بأزهارها وأشجارها وعصافيرها وزائريها الذين يزيدون جمالها تأنقا وبريقا فتبدو لهم مزدانة بثوبها الأخضر الرائع، لكن كمالا لم ير كل هذا ولم ينتبه إليه، فعلى طول الطريق الرابطة بين الدار والحديقة الزاهية تفكير و معاناة و مكابدة، لما ألم بخاطر كمال وعكره، لكن ورغم مرور سنوات لم يتسنى لأحد أن يعرف السبب، حتى كمال لا يدري ماذا أصابه، لعله يضيق صدره أو يذرف دمعا أو يصرخ صراخا لا معرفة للعامة به، حتى أمه القريبة منه جاهلة بالأمر، وأبوه المسافر دائما من أين سيعلم؟ إنها لمشكلة عويصة، ورغم مجيء الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء فلا أحد يدري، الله أعلم، لعل بعض المشاكل أثرت على نفسيته، أو أن سفر الأب المستمر كان سببا، على كل حال فقد كان كمال يدعو الله أن يفرج الكرب، لاسيما وأنه فلسطيني رأى أهوالا وحروبا من طرف قوات الاحتلال إذ أن القصف على مقربة من الحي، فجنباته أصبحت مشتعلة، بل إن قوات الاحتلال ألقت القبض على أحد أفراد عائلة كمال، لكن كمالا رغم ذلك ظل صامدا بدعائه متفائلا بالنصر، تارة يجوب منزله من بيت إلى بيت، فتشد انتباهه طاولة فوقها مزهرية تعج بأزهار مختلفة الألوان فهناك أزهار حمراء وبيضاء وصفراء، وقد تعجبه أريكة ناعمة مريحة، أو قد يرتاح حينما يقرأ قصة أو قصصا في الخزانة. وتارة أخرى يلعب مع أصدقائه في ملعب الحي ويمر من كل شوارعه فهذا شارع أنيق، وهذا شارع يؤدي إلى مدرسة ابتدائية وذاك شارع على جنباته نخيل، لا تفتأ تعدها حتى تصل إلى السوق. وكمال هكذا كل يوم – رغم السرور الذي يملأ المكان – منزعج ومتوتر، قلق حيران ، وذات يوم سأله صديق يدعى يوسف عن سبب هذا الحزن، فلم يستطع جوابا وذهب إلى المنزل وأخذ يبكي، وظن أن هذا الهم سيطول، ولكن بعد مرور مدة على ذلك، أصبح كمال يروح عن نفسه ويجبر خاطره لكن بانعزالية تامة، وما إن أحست أمه أنه لم يعد يقدر على ما به، أرسلت في طلب طبيب نفساني فأخبرت أنه سيأتي بعد أيام بحكم سفره الآن خارج البلاد، هذه الأيام زادت في معاناة الأم وولدها، وها قد جاء الطبيب النفساني، بوزرته البيضاء وحقيبته السوداء سواد تلك الليلة المظلمة، بدأ الطبيب بإجراء لقاءات مع كمال امتدت حوالي الشهر أو ما يزيد عنه، ثم خلص إلى نهاية مفادها أن الولد مصاب بأزمة نفسية حادة قد يكون سببها مشاكل خارجية ربما أسرية، مما يوجب الراحة اللازمة. ورغم ذلك فقد ظل كمال مضطربا حتى انتشر خبر قدوم هشام إنه الأب، لعله سيعود إلى بلده، وفعلا لقد اتصل الأب وأخبر عن مجيئه، وها قد بدأت تلوح في الأفق لحظات السرور في نفس كمال، غدا أو بعد غد سيصل هشام. ها هي أهازيج الفرح تطل في الحي لقد وصل الأب بقبعته البيضاء وقميصه الأبيض، ها قد جاء بصحة وعافية تغمره سعادة لا مثيل لها. وكمال ينظر وينتظر عناق الأب لولده. سيقضي هشام هذه الليلة بل وسيبقى مع أسرته ولم يغادر بلده بعد الآن، رغم ذلك فجرح ولده لم يبرأ بعد، وبعد شهور أعلن عن الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، إنها الصفقة المفاجأة سيطلق صراح أخ كمال، إن اسمه سليمان لبث مدة طويلة رهن الاعتقال، وفي ليلة استلام الأسرى عمت أصوات التكبير واكتملت الفرحة عند كمال عندما غادرت قوات الاحتلال الحي وما جاوره، وأخيرا فتحت الأبواب وأضيء المنزل بأنوار البسمة المنتشرة واستطاع كمال النوم في هناء واطمئنان.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : محمد مجد

كاتب وشاعر   / , المغرب