أضيف في 20 يونيو 2018 الساعة 00:37

العرب وفكر الهزيمة التاريخي، مأزق البدايات وبشاعة النهايات


نورالدين الطويليع

وأنا أتابع اتفاق العرب التاريخي الغريب في مونديال موسكو على توقيع نهاية واحدة عنوانها الهزيمة المرة في النزع الأخير من المباراة، قفزت إلى ذهني قولة جميلة للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي: "أدركت في النهاية أننا لا نرسم ما نسكنه، بل ما يسكننا"، فالإنسان العربي يسكنه ويستوطنه فكر الهزيمة الذي قد يداريه ببدايات كاذبة لا تلبث أن تذهب جفاء مثل زبد السيل، رغم مت تحظى به من هالة إعلامية تجعل أفق انتظارِ عربيِّ الطابورِ الخامس يحلق بعيدا، خالقا عوالم ترنسندنتالية يرفع بها نفسه واهما إلى أعلى عليين، دون أن يدري أن السقوط آت لا ريب فيه، وأن ارتطام أحلامه بسطح واقع صلد تراكمت ظلمات خيباته، وعلا بعضها فوق بعض، سيكون ارتطاما مدويا تنشطر معه الذات لتتحول إلى كتلة انكسارات متناثرة هناك وهناك، جعلت مع تكرار تجربتها المتشابهة نتيجتها من هذا المواطن العربي كائنا مريضا نفسيا يجتر ويحمل كل عوامل السقوط والاستسلام، ويسلم منذ البداية، بل منذ ما قبل البداية، بنتيجة نهايتها المأساوية.
حتى في الحب الذي نفر إليه من ضوضاء الهزيمة، ونحاول أن نبني من خلاله صرح الحياة التي لا تتأثر بالموت والفناء، وتتعالى على كل عوامل التعرية المودية بالبقاء، وتشيد لنفسها عالما من الأحلام الجميلة التي نحقق من خلالها انتصار الروح، ونضمن لها السمو والتعالي، حتى هذا المعقل الأخير دَكَكْنَاهُ عن الآخر، وتحولنا إلى وحوش آدمية تبحث عن الافتراس، مُوَارِبَةً حقيقتها ببعض إيتيكيتٍ محدودِ الصلاحية لا يلبث أن يتحول إلى سم قاتل نسقي به بعضنا البعض بسادية غريبة تكرس هزيمة العاطفة وتثبتها.
بهذا الصدد تنصح أحلام مستغانمي المرأة العربية، محذرة إياها من الرجل العربي، قائلة: "توقفي عند روعة البدايات، ودعي له بشاعة النهايات"، ردا على شريعة العربي التي صدح بها محمود درويش يوما، وكتمها من سواه: "لا أريد من الحب غير البداية"، فما يملكه العربي هو البداية التي يتفنن في طلائها بكل أساليب التجميل، ويُفَخِّخُهَا بكل طرق الاحتيال حتى إذا تكمن من خداع آذان الناس وأبصارهم، فحسبوا الورم السرطاني شحما، انفجرت عبوة الخيبة الناسفة في وجوههم، وأتت أكلها الرجيم بإذن سيدها الذي يتلبس لبوس مجنون حب أفلاطوني كاذب.
هي روعة بدايات لا أقل ولا أكثر، وما بعدها بشاعة تحرص النهاية، التي لا يفصلها طول مسافة عن البداية، على توقيعها، يتكرر ذلك في السياسة والفن والدين والتعليم والرياضة، وكل مناحي حياتنا المظلمة إلا ما كان منها وميض بداية خاطف، لهذا صرنا نخشى البدايات لأنها تحولت إلى حصص عذاب قبلي تنتشلنا من الفشل لتوقعنا فيه، ونستشرف من خلالها انهيار سد طافح من شأن تدفق فيضه أن يغرقنا في بحر لجي متلاطم الهزيمة، ما يدفعنا إلى الأخذ بالأسباب، والفرار إلى منطقة الأمن والأمان والدعة والاطمئنان، وإلغاء كل البدايات، وإيصاد أبواب المحاولة في وجهها، آخذين العبرة من الشاعر نزار قباني الذي صاح يوما على وقع لدغة النهاية: "لو أني أعلم خاتمتي ما كنت بدأت"، لأن ذلك سيعفينا من تكرار لازمته: " إني أغرق، أغرق، أغرق".
لقد رسمت الهزيمة العربية المتشابهة في المونديال صورة الهباء لمجتمع عربي أقام توأمة مع فكر الهزيمة، وعمَّق صلته بها، وحرص على تضميخ النهايات بلونها رغبة في ترسيخها في الأذهان، لأن العقل البشري يبني تصوره على آخر التجربة، وتلك هي رسالتنا إلى العالم، فنحن نحتفل بالهزيمة ونشيع بها مناسباتنا الرياضية والثقافية والسياسية، محققين انتصارا ساحقا على كل من سولت له نفسه نزالنا بمراكمة الأصفار في سجلاتنا التي لا تعرف غيرها، وتلقي أهداف قاتلة لم تعد لكثرة هَزِّها شباكَنا تثير إحساسنا المتبلد، فصرنا قاب قوسين أو أدنى إلى ما تمور به هذه الصورة الشعرية للشاعر أبي الطيب المتنبي من معنى:
من يهن يسهل الهوان عليه......ما لجرح بميت إيلام


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب