أضيف في 17 يونيو 2018 الساعة 20:28

ماذا لــــــــــو..؟!


المصطفى سالمي
استند السيد (الراضي) إلى جدار المؤسسة، وبدأ يرقب بحسرة عشب المؤسسة الإعدادية الذي كان قد نما بفعل تساقط أمطار موسم أوشك على الأفول، وها هي النباتات الطفيلية تصبح صفراء يابسة متنافرة الطول والشكل، اندست بين ثناياها الحشرات الطائرة منها والزاحفة، أو تلك التي تدب على أرجلها، "ما أكثر الكائنات الطفيلية وما أكثر المخلوقات الحشرية المحسوبة على من يدب على اثنين"، هكذا ردد (الراضي) مع ذاته وهو مستغرق في تأملاته، لم يكن أحد يكترث للمنظر المنفر سواء من المدرسين أو الإداريين، فالنباتات أصبحت أقرب لأحراش من الشوك، ربما تآلف الناس مع المشهد ومارسوا لعبة التطبيع معه كما تعودوا وتآلفوا مع كثير من الظواهر السلبية والدخيلة، ولعل هذا ما استفز السيد (الراضي) أثناء حراسة التلاميذ وهم يجتازون الامتحان الموحد الجهوي، اقترب صاحبنا من زميله الأستاذ (أيوب) هامسا في أذنه حتى لا يؤثر على سيل أفكار الممتَحَنين:
ـ ماذا ضر المؤسسة لو خصصت جزءا من ميزانية جمعية الآباء لاستصلاح هذا الفضاء البيئي المتوحش؟!
تباطأ الآخر في الإجابة وكأنما بقي مفعول السؤال يسري بشكل سلحفي في ذهنه قبل أن يجيب:
ـ إنهم حتى وإن فكروا في مشاريع فهناك أولويات كمسابقات العدو الريفي أو جوائز تقديرية للمتفوقين في الدراسة، والباقي لإصلاح الكراسي والطاولات والزجاج والستائر..
ـ ولكن الذوق والجمال أولوية يا زميلي؟!
ـ دعك من الروايات والقصص يا مدرس اللغة العربية!
ـ لو كان لهؤلاء التلاميذ ذوق سليم لما كسروا الطاولات أو أحدثوا بها خدوشا ولما مزقوا الستائر وكتبوا على الجدران!
ـ ماذا لو تمّ فتح باب تطوعي للتلاميذ ليساهموا في إحداث النادي البيئي المشلول عندنا منذ سنوات، ومن خلاله يمكن إحداث ورشات البستنة حتى يتحقق الجمال الذي تتحدث عنه يا زميلي العزيز!
ـ فكرة ممتازة، لدينا حوالي ألف تلميذ في مؤسستنا، لو ساهم كل واحد منهم بدرهم رمزي لجمعنا مبلغا لا يستهان به، ويمكن من خلاله دفع قسط لبستاني والباقي نشتري به أغراسا وشجيرات وشتائل وبذورا، ونستعين بالمعدات الفلاحية للنادي البيئي من فؤوس ومعاول..
ـ هيا أرني شطارتك، وبصفتي عضوا في جمعية الآباء أعدك بتقديم مساعدة مادية للنادي.
ـ كنت منذ قليل غير متحمس للفكرة وحسبتك تسخر من أفكاري الحالمة..!
ـ أبدا، أنا معجب بخيالك الجامح، وأتمنى أن تجتمع واقعيتي مع رومنسيتك، لو يتخلف التلاميذ عن الإسهام سيضيع كل الجهد هباء، أنت تعرف شقاوتهم التخريبية، حين يساهمون بعمل ونصيب من الجهد التطوعي فسيحرصون على الحفاظ عليه، أما الذي يأتي جاهزا ممنوحا فالاستعداد يكون أكبر لخذلانه وتبديده، ولكن لا تنس أن هذا المشروع سيكون بعد العطلة الصيفية، فقد فات الأوان بالنسبة لهذا الموسم الدراسي.
تحول اللون الضبابي فجأة إلى شعاع في عيني السيد (الراضي)، فقد يجد من يتحمس بضراوة لأفكاره، هو يعرف في قرارة نفسه أن الأفكار الجميلة تكون مشعة وضاءة في بداياتها، وأن معيقات كثيرة ستؤدي إلى خفوت البريق، لكنه لن يتردد في المسير مهما كان ويكون، فهو بالتغيير مهووس مسكون، ومستقبل هذا الجيل بالجمال والذوق مرهون، وليس فقط بركام المعلومات الجافة نرتقي بشبابنا، فبالحس المرهف والجمال الفني في محيطنا يمكن تحقيق ما يبدو مستحيلا، و على إيقاع السكون المخيم على قاعة الامتحان حيث التلاميذ يدونون ويملؤون بياض الورق سوادا ـ كان السيد (الراضي) مستغرقا في تأملاته محاولا بالخيال أن يعيد تر تيب المشهد في مخيلته، ولعل الصور الماثلة أمام ناظريه من خلف زجاج الفصل الدراسي قد بدأت تستعيد توازنها الداخلي وقد امتدت إليها ريشة الفنان لتعيد بالألوان الزاهية رسم المشهد المأمول..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب