أضيف في 16 يونيو 2018 الساعة 17:44

كأس العالم بين التنظيم و التنديم


رشيد اليملولي
كأس العالم بين التنظيم و التنديم .
حري بنا أن نسجل ملاحظتين قبل الشروع في الكتابة ، تحسبا لأي تأويل متعسف ، و تنويرا للرأي ؛الملاحظات المسجاة في هذا المقال لا تبغي التقريظ و الثلب و مصادرة الحق في الحلم و الرغبة في المشروع ، و الأفكار و التصورات المبثوثة فيه تلزمنا بالحق في وجهة النظر التي تخترق الحق في الخطأ أكثر من الصواب .
غني عن البيان أن الحق في الحلم و المشروع مهما كان كبيرا أو صغيرا ، هو بمثابة القاعدة التي لا يرقى إليها الاستثناء ، و طبيعي أن الرغبة في تنزيله تقتضي توفير شروط نجاحه و ليس إنجاحه بأي ثمن ، إذ إن الفكرة أحيانا بمعناها الشمولي تتجاوز الفعل ، و في هذا لا يستقيم مثلا أن نحلم و أرض الواقع يباب و بلقع .
و لا مشاحة أن الحق في الفشل ، يعني التخلي و صرف النظر ، بل العمل منوط بمعاودة الكرة ، و تجنب كل ما من شأنه أن يعيد السقطة و يؤجج العائق و يديمه .
ليس خافيا أن رغبة المغرب في تنظيم كأس العالم انطلقت منذ مدة ، جر من خلالها البلد الهزيمة تلو الأخرى ، و هذا الفشل تتقاسمه بالطبع عوائق ذاتية و مسببات خارجية ، حالت دون حصوله على هذا المبتغى و الشرف في الآن نفسه ، غير أن معاودة الكرة و إن كانت مشفوعة بالإرادة في تحقيق الحلم ، لم تكن الخلفيات المؤسسة للنظر و الفعل تستجيب لهذا المطمح ، لسبب بسيط هو أن مشروع الدولة الحضاري لا يتناغم و مطمح الإنسان المغربي بالدرجة الأولى ، الذي ظلت وضعيته و أحلامه و طموحاته مؤجلة ، بفعل الارتكان إلى الفلسفة السلطوية في إنتاج الإعاقة الأبدية نحو أي تطور أو تقدم ، بل إن تاريخ الدولة المغربية منذ الاستقلال ، و في الكثير من المجالات كانت إدارة الأزمة لإنتاجها و إعادة إنتاجها ، فلا المنظومة السياسية اتجهت نحو التحديث العقلاني سواء كان ملكيا أو دينيا أو اشتراكيا أو غير ذلك ، و لا الاقتصاد الوطني استطاع التحرر من تقليدانيته و غموض مستقبله في النظر و الممارسة ، و لا الحقل الاجتماعي استطاع أن يفرز مواطنة حقيقية تتعالى على الخصوصيات لصالح الوطن الأم ، و لا الاختيارات الثقافية و الفنية أرست لمجتمع القيم و التعددية ، و كأننا بصدد أفق الفشل المنظم و الفوضى الخلاقة ، و في هذا تلتقي مشروعية الدولة الفاشلة ، و شرعية الدولة الأسطورية ، التي تجر المجتمع قسرا نحو منطقها الخاص ، و هو إدارة الهمزة السياسية و الفجائية الاقتصادية و البلقنة الاجتماعية و الخرف الثقافي و الفني ، الكل رهن فلسفة السلطة و ليس الدولة .
نكاد نجزم أن فشل المغرب في أي مستوى من المستويات هو فشل فكرة و إدارة المجتمع بما يتماشى و مبدأ الحكامة و العدل و القيم الكونية المنتجة للدلالة و المعنى ، و السباق المحموم نحو عوالم الريادة و التفوق ، حيث أن جل محطات صناعة الحلم المغربي كانت تفتقر إلى الوحدة و الانسجام في الدفع بالفكرة نحو أفقها الأرحب ، و غالبا ما ارتدت محاولات التغيير نحو الارتجاع الذي يلغي الزمن و لا يعيره اهتماما ، و كأن قدر هذا البلد أن يعيش حياته في موته .
إن النظر إلى الإخفاقات المتتالية منذ 1994 و إلى غاية 2018 لتنظيم كأس العالم ، تجعلنا أمام إشكال حقيقي تتجاوز فيه الرغبة في إهدار الطاقة الاجتماعية لصناعة الغد المغربي ، و إهدار المقدرات المالية في مشاريع ، و إن كانت مدرة للدخل فهي فقيرة في فلسفة بناء الإنسان ، ينوس بين هذين التناقضين السعي الحثيث نحو بناء مغرب يتم تصديره و تسويقه ، و تهديم مغرب يتم دهسه و تحقيرطاقاته ، هاجس السلطة في هذا هو تتجير المجتمع و تحويله إلى كائن ذيلي لا قيمة له و لا جدوى سوى التصفيق لكل مشاريع السلطة ، التي ننعم ببركاتها و نرفل في نعيمها الذي لا ينقضي و لا يموت ، المحصلة أن تاريخ العلاقة بين السلطة و المجتمع ، هو تاريخ تنديم المجتمع على الحق في أن يحلم ليس بكأس العالم ، و لكن بكأس العدل و التنمية و الحق و الواجب و المواطنة الحقة .
لقد أفرزت لحظات الفشل في تنظيم كأس العالم " سوء " تقدير من المشرفين على الملف لكيفية نسج شبكة العلاقات و المصالح ، و لم تتجاوز في ذلك تقليدها التاريخي و مساحة الأصدقاء و الأعداء ، و في كثير من الأحيان كانت أسيرة رد الفعل ، خارج الحرب الاستباقية تقوم على لغة المصالح " جلب المنافع و درء المفاسد " ، وبناء الأحلاف وفقها ، بل و اختراق متاريس الأكثر عداوة ، و تجنب منطلق الأخلاق و التدين المشكوك فيه و الفارغ في حلبة الصراع ضمن العلاقات الدولية ، و في درس تصويت ملكيات الخليج على الملف الأمريكي قرينة ذلك ، التي اتضح جليا أنها تشتغل تأسيسا على مصلحتها السياسية و الاقتصادية و ليس الدينية أو العرقية، و بعيدا عن الشعارات المرفوعة .
إن رفع التحدي و السقف السائر في فلكه يستوجب إعادة الكرة سنة 2030 في مستويين ، يخص الأول منهما بناء الإنسان المغربي اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا ، و ينطلق الثاني من فلسفة بناء الدولة و مؤسساتها بمعنى البناء و ليس الالتفاف ، و الاهتمام الدال و المعبر بالبنية التحتية و الفوقية معا ، و أي سعي خارج الاهتمام بالذات أولا ، يعد في تقديرنا ضربا من الخيال ، أو هو في أقصى الأحوال أشبه بديك الصباح ، الذي يعلن نهاية الحكاية ، و في كل مرة و حين ، و عوض أن نسعى إلى التنظيم نهفو إلى تنديم الشعب ، و تأجيل قضاياه المصيرية و اهتماماته ، و لا يعقل في هذا أن نسعى إلى تنظيم كأس العالم و نحن نجر الخيبات التنموية ، و لا نقدم للعالم منتجا علميا أو فنيا أو ثقافيا أو سياسيا نباهي به ،و الأدهى أن يوجد بين ظهرانينا فقير و محتاج و أمي ، و متغطرس وغشاش في العلم و السياسة و الاقتصاد ، وأن يوجه الرأي العام و يتحكم فيه شطاح و مداح و أفاق ووصولي و انتهازي ، و صاحب بضاعة يلفظها الجعل في القمامة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب