أضيف في 21 ماي 2018 الساعة 17:26

دبــدوبــــــة


المصطفى سالمي
"دبدوبة" موظفة بمديرية الضرائب ببلدة (العجيلات)، إنها تبدو كامرأة في منتصف العمر، والحقيقة أنها شابة في مقتبل الحياة، فقط هي السمنة والترهل جعلاها تبدو أكبر من سنها بكثير. تتحرك (دبدوبة) مثل كتلة من الشحم واللحم تتدحرج، فتـتمايل أرطال من الدهون المتراكمة التي تحاصر الخلايا الحية في الدماغ، مما يجعل هذا الذي في الجمجمة يسبح في أبخرة متصاعدة من معدة لا تمل ولا تكل من الاشتغال والعمل، تحمل (دبدوبة) في حقيبتها ـ وبشكل مستمر ـ حمولة علف، عفوا لفافات أكل تعتبرها مجرد مسكنات لطاحونة تطالب وباستمرار بوقود لجسد متثاقل، لغته الكسل والارتخاء، إنه نقيض لنشاط معدة (دبدوبة) تماما. وعلى النقيض من تثاقل حركة هذه الأخيرة وكلامها حلت الإيماءات وملامح وتعبيرات الجسد، إنها تنطق وتعبر عن واقع الحال، هي تنذر بسوء العاقبة لكل مواطن حل بمديرية الضرائب من أجل قضاء خدمة أو مصلحة من المصالح ووجد في طريقه (دبدوبة)، حينها يلحظ خمولا اختلطت فيه الوراثة بالفطرة وبالاكتساب، وعلى هذا الزبون أن يقرأ في أعماقه الحوقلة ويستعيد بالله من الشيطان الرجيم، فـ (دبدوبة) ما خُلقت للعمل والحركة، لذلك تتأمل أوراق الملف المقدم لها لمرات ومرات قبل أن تجد ألف مبرر وعذر للتسويف والمماطلة، ثم تُرجع الأوراق لصاحبها، وقد تستمر في لعبة التأخير حتى يمل الزبون، ويبحث له عن وجهة أخرى أو ينسى الخدمة المطلوبة ما لم يكن ملزما بها، حينها قد تؤديها موظفة أخرى هي دون شك مختلفة وزنا وحركة..
(دبدوبة) عدوة العمل والنشاط، إنها كائن يحب الراحة والنوم والأكل، هذا الثالوث هو مدار حياتها وبدايته ومنتهاه، هذا الأمر تقوله كل جارحة في (دبدوبة)، عيناها ناعستان باستمرار، يداها تتعبان وتتعرقان عند كل حركة، ولقد اختلف الناس في تبرير كسلها، فمن قائل هو الوزن الزائد، ومن قائل هو العجز والوهن النفسي، ومن قائل المسؤولية على مَن قلّدها ثقل العمل والواجب..
تمر الأيام، وتختفي (دبدوبة) من مديرية الضرائب ببلدة (العجيلات)، ويتساءل الفضوليون عن سر غيابها، وإلى أين وجهتها، ويتنفس بعض المواطنين الصعداء، لكن الأيام ما تلبث أن تكشف الحقيقة، إن (دبدوبة) انتهى بها المطاف مرتمية على فراش المرض، فهي لا تستطيع الحركة والقيام من سريرها إلا بجهد جهيد، قلة فقط أبدوا التشفي وتحدثوا عن لعنة الكسل والغش أو التقصير في أداء الواجب، ولكن أغلب ناس بلدة (العجيلات) الطيبين تعاطفوا مع (دبدوبة) ودعوا لها بالشفاء، فصاحب المنّ والعطاء له الحكمة الكاملة في ما يقع لعباده من بلاء، وعلى المؤمن أن يطلب دائما الستر والسلامة من كل داء، ويحمد ربه على نعمة الصحة حمدا لا بداية له ولا انتهاء.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب