أضيف في 16 ماي 2018 الساعة 21:42

زمن الشيخ زايد في ميزان التاريخ


عبد الإله بلقزيز

لا يمكن المَرء، في مناسبةٍ مثل مناسبة مئويّة الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، إلا أن يتوقّف أمام التاريخ السياسيّ للراحل، وفي منعطفاته الكبرى والأساسية؛ ليقرأ فيه بعضاً من دروس الخبرة؛ وهي كثيرة؛ أدواره الكبرى في التاريخ الوطني والقوميّ؛ مواقفه الشجاعة والمبدئية في الجليل من الأحداث؛ أُفْقُه الواسع في النظر إلى تحدّيات الحاضر وإلى موجبات المستقبل؛ حكمته في مقاربة الخلافات والنزاعات في دائرة الأمّة...، وسوى هذه من الخصال التي لا يسع للحديث في تفاصيلها مقال. ويهمّنا في المعرض هذا، ونحن نعيش المناسبتيْن معًا: مناسبة مئويّة الحكيم ومناسبة استفحال أوضاع الأمّة، أن نوجّه النظر إلى ثلاثةٍ من أَظْهر مساهمات الشيخ زايد في البناء السياسيّ العربيّ لا نعثر، اليوم، على ما يضاهيها أو يبني عليها ويستأنف سيرتَها الحميدة، عسى أن يعيد التذكيرُ بها بوصلةَ العمل العربيّ إلى الوجهة الصحيحة التي أخطأتِ السياساتُ العربيّة التزامَ جادّتها في غمرة تناقضات خياراتها.
أوّل المساهمات الثلاث الكبرى إنما كانت على جبهة التوحيد: التوحيد الوطني والإقليمي. لم يكن الشيخ زايد قوميّاً عربيّاً، بالمعنى الإيديولوجي المتعارَف عليه في المدرستيْن البعثية والناصريّة؛ ولكنه كان منتميّاً إلى مدرسة العروبة التي مَبْناها على عقيدةٍ سياسيّة تقول إنّ العرب أمّةٌ واحدة، عليها أن تنهض بواجب توحيد إرادتها وقوّتها؛ كي تكون أهلاً لأن تخوض تحدّي الوجود في عالم جديد متغيّر. لكنّ وحدويّة الشيخ زايد تميّزت بأنها واقعيّة تَلْحَظ الممكنات وموازين القوى؛ لذلك آمنت بالتدرُّج، وأدركت أنّ الخطى الأولى على طريق توحيد الأمّة تمرّ بتوحيد أوطانها الصغرى. ولقد كان الإدراكُ هذا في أساس المشروع الذي قاده لتوحيد إمارات الخليج العربي، والذي انتهى إلى قيام اتحاد الإمارات العربيّة في دولة قبل قريبٍ من سبعة وأربعين عاماً. وهي، اليوم، الدولة العربيّة الرائدة في مضمار التنمية والتنمية الإنسانيّة، والتي تتمتع بالاستقرار والثقة من العالم؛ بسبب صدقيّتها وجاذبيّة بيئتها التنمويّة.
وإذا كان الدافع التوحيديّ هذا هو ما حمَل الشيخ زايد، ورفاقه، على إنجاز تجربةِ توحيدٍ حقيقيّة، هي الثالثة تاريخيّاً بعد تجربة توحيد الجزيرة العربيّة، التي قادها الملك عبد العزيز آل سعود وانتهت بقيام المملكة العربيّة السعوديّة، ومحاولة توحيد مصر والشام، التي قادها الرئيس جمال عبد الناصر وانتهت بقيام الجمهوريّة العربيّة المتحدة (قبل انفراطها)، فبالدافع التوحيديّ عينِه التزمت سياسات الشيخ زايد العربيّة خيار التعاون والتكتّل والاندماج في المحيطيْن العربيّ والخليجيّ، من خلال العمل الفاعل عبر جامعة الدول العربيّة وبرامجها واتفاقياتها ومنظماتها، ابتداءً، ثم من طريق الإسهام التأسيسيّ في بناء «مجلس التعاون» الخليجيّ ثانياً.
ولقد ظلت سيرة دولة الإمارات العربيّة المتحدة في التجربتيْن سيرةً مميَّزَةً ومشهودًا بها؛ فهي وَفَت بالتزاماتها في الأطر التي تنتمي إليها، فقدّمت أكثر مما هو مطلوبٌ منها، ولم تتحلَّل من أيٍّ منها مثلما فعلت دول كثيرة في النظام العربيّ. وقد تكون لي أسبابي للقول بأنّ الشيخ زايد كان مستعدّاً لخطوات توحيديّة عربيّة أعلى من مجرّد التعاون، العربيّ والخليجيّ، لو كانت ظروفُ غيرِه تسمح لهم بذلك. ويكفي أنّ مشروعهُ لتوحيد إمارات الخليج كان أكبر مما أتاحتْه له الممكنات الموضوعيّة الخارجة عن إرادته.
وثاني تلك المساهمات التزامه الفعّال والمميَّز بالقضايا العربيّة عامّة وقضيّة فلسطين خاصّة، وعدمُ تردُّده في نصرة أيّ قضيّة بدت له عادلةً في قضايا الأمّة (تحرير فلسطين والأراضي العربيّة المحتلّة من «إسرائيل»؛ دعم المجهود الحربيّ العربيّ لمواجهة التوسّعيّة «الإسرائيلية»، دعم مبادرات تصفية الاستعمار ومواريثه في البلدان العربيّة؛ مناهضة أيّ تجزئة وانفصال جديديْن في البلاد العربيّة؛ التزام مبدأ الأمن القوميّ العربيّ في وجه مصادر تهديده الأساسي -«إسرائيل»، إيران، تركيا- ثم التزامه وحدة الأقطار العربيّة واستقرارها وأمنها ومناهضة الفتن والحروب الأهليّة فيها...). وما وقف الشيخ زايد، إزاء القضية الفلسطينية، موقف تأييدٍ ومناصَرة سياسيَّيْن فحسب؛ بل زاد على ذلك بالدعم الماديّ السخيّ للشعب ومؤسّساته الوطنية، منفرداً عن غيره بأنه الوحيد الذي لم يربط دعمه بفريقٍ سياسيّ فلسطينيّ بعينه؛ فلقد ظل بعيداً عن خلافات القوى والفصائل، منتصراً للوحدة الوطنيّة وسياسات الإجماع الوطنيّ، حادبا على منظمة التحرير في السرّاء والضرّاء، مدرِكاً أن قضية فلسطين جوهر الصراع العربيّ -«الإسرائيليّ»، وأمنَها جوهرُ الأمن القوميّ العربيّ، وحلَّها- طبقًا لقرارات الشرعيّة الدوليّة والعربيّة، مفتاحٌ للأمن والاستقرار والتنمية في الوطن العربيّ.
وبمثل ما كان الشيخ زايد سخيّاً في المواقف والعطاء مع شعب فلسطين، كان الأخير سخيّاً في عواطف الاعتراف والتقدير والمحبّة تجاهه؛ فكان اسمُه منقوشاً في الذاكرة والقلوب كما هو منقوش على مداخل المؤسسات الاجتماعيّة والشوارع. وكما أتى رحيل جمال عبد الناصر يمثّل نكسةً نفسيةً وماديّةً فادحةً للشعب الفلسطينيّ، أتى رحيل الشيخ زايد يمثّل نكسةً ثانيةً لا تقِل فداحةً عن الأولى. ولا غرابة في المسألة؛ إِذْ يرمز رحيل الرجُليْن إلى فِقدانٍ جماعيّ للظهير العربيّ: الذي كان يُلْجَأ إليه في النوائب والمُلِمّات.
أمّا ثالث المساهمات الكبيرة تلك فَحِرْصُ الشيخ زايد على مقاربة الخلافات العربيّة بحكمةٍ وتبصُّر، وبروح توحيديّة تَسْعى في سدّ الشروخ ورَتْق الفُتوق، وترسيخ قيم التوافق والتفاهم بين أبناء الأمّة. منطلقُه الدائم، الذي لم يَحِد عنه في سياساته العربيّة، أنّ ما من عربيٍّ في غَنَاءٍ من نفسه عن غيره من العرب، وأنّ هؤلاء جميعاً يصنعون حاضرهم ومستقبلهم وكرامتهم بوحدتهم واتفاقهم وتوافقهم. كان في هذا يتصرّف بهدْيٍ من أخلاق القرآن السمحة، وقيم المروءة العربيّة النفيسة ولكن، أيضاً، بمنطق رجل الدولة المحنّك الذي يدرِك مَوطن المصلحة العامّة للوطن والأمّة، فلا يُخطئ طريق إدراكها. وبالنظر إلى ندرة هذه السجايا، في عالم عربيّ فَقَد رشده، كان الطلبُ كبيراً على دور الشيخ زايد، والرهانُ عظيماً على حكمته في سياسة جسْر الفجوة بين المتنازعين، والوساطة الحميدة التي تضع لنزاعاتهم فصلاً ختامياً يعيدهم إلى صوابهم.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب