أضيف في 1 ماي 2018 الساعة 15:19

هل يمكن أن تكون هناك تربية دون صدمات؟* ج.2 (ترجمة)


نورالدين البودلالي
Philippe MEIRIEU

وساطة الثقافة
وراء هذه الحماية التي تجب علينا تجاه الطفولة احتراما منا بتعهداتنا الإنسانية، فإن مسؤولياتنا كمربين تفرض علينا أن نوفر للطفل الوسائل الضرورية ليعيش ما يتحتم من صدمات نفسية التي ستصادفه خلال وضعيات متعددة في حياته الخاصة: اكتشاف قاس لخيانة صديق، فشل شخصي مدرسي أو رياضي رغم المجهود لذي قام به خلال الاستعداد، تجربة غير مرتقبة عنيفة، معاناة جسدية أو الموت، وغيره. هذه الأحداث لا تقع، بطبيعة الحال، «في الوقت المناسب»، الوقت الذي نكون فيه مستعدين لتحليلها أو التقليل من شأنها، وحين تذكرنا نعض مصالحنا أن الحياة تبقى غنية بشكل غير محدود وحاملة لفرص سعادة محتملة لانهائية. إن الصدمات النفسية تحدث، تحديدا، حينما يغطي حدثا باقي الأحداث، ويظلم الأفق وكأنه يطمس المستقبل بشكل تام. حينها يمكننا دوما أن نجعل الطفل ينسى ما وقع، مراهنين على الوقت والنسيان؛ لكن هذا لن يجعلنا نساهم بفعالية في بناء الشخصية، ولا بالتقزيم المستمر لما وقع أو بترديد أنها «ليست المرة الأولى ولا الأخيرة التي ستصادفنا وضعية من هذا القبيل وأن الآخرين قد خرجوا منها سالمين!». وهنا يبقى الكلام والتواصل هما الأجدر، لا يمكن الاستغناء عنهما وهما يتطلبان، في الغالب، وساطة.
ليس من السهل التحدث عما وقع، خصوصا حين تكون الشحنة الوجدانية قوية جدا وحين تتنكد العلاقات العاطفية في سياق أزمة. لربما قد يكون هذا مرغوب فيه. المراهقون يعانون من هذا بالضبط، حيث تكون لديهم رغبة جامحة للحوار مقترنة بخوف مهول أن يقتحم أحد حميميتهم. لهذا السبب غالبا ما يكون مفيدا أن نراوغ ونستعمل وسائط، لربط الاتصال، التي يمكنها أن تتمثل في الإبداعات الأدبية أو السينمائية، والتظاهرات الثقافية المختلفة التي تنجح في نقل التعبير، بدرجة عالية من الإتقان، عما يقلق الانسان ويغضبه ويسبب له المعاناة مساهِمة في تدميره أو، على العكس من ذلك، في بناء شخصيته. فعندما يتم التفكير في الحدث داخل إطار ثقافي ويدخل تاريخ الإنسانية فإنه يفقد وحشيته البدائية؛ إنه -الثقافي- يصير وسيلة للاتصال بالآخرين وللمشاركة الإنسانية حيث تتم حينها مقاسمة الصعوبات وأيضا الآمال. في هذا أكثر مما يسمح بالخروج من الانعزالية؛ ثمة إمكانية للحصول على نوع من الطمأنينة التي تحل بشكل تدريجي بقلب المعاناة أو الانفعال... طمأنينة لا تلغي التمرد ولا حتى الحزن لكنها تسمح بترجي إمكانية التسامح، يعيد فتح الأفق شيئا فشيئا ويسمح بالأمل في، لا النسيان، ولكن التجاوز و، ربما، عودة الثقة في النفس والقوة الداخلية التي تجيد التلاؤم مع الحنان واستدخال صورة الانسان في أفضل أشكاله.
هذه، على الأقل، هي التجربة التي يمر منها عدد كبير من الآباء حين تعرف العائلة موت عضو منها ويستعملون عند مقاربة هذا الحدث مع أطفالهم الصغار كتابا ثمينا كغُرَير الفقير (المدرسة الترفيهية). نفس الشيء يمكن أن يعيشه معلم وهو يشرك تلامذته في التفكير في عنف صور إبادة مبثوثة عبر قنوات التلفاز، تم ابتذالها لدرجة تختلط فيها مع روايات الخيال العلمي أو، على العكس من ذلك، نشر الجثث المشوهة بوحشية التي لا يمكن إلا أن تثير الاشمئزاز... قراءة وتحليل «النائم في الوادي» لرامبو يمكن أن يُحوﱢل التلصص إلى شفقة حقيقية، تأمل في ظلم وتفاهة الحرب التي قتلت مراهقا رغم أنها متوافقة تماما مع جمالية العالم. إنها حالة المدرس الذي يشتغل مع مراهقين على وضعيةِ صعوبةٍ كبيرةٍ، ضحايا وجلادون في نفس الآن يعيشون في عالم هامشي يتحكم فيه قانون غابوي لا يرحم، ويعمل على جعلهم يكتشفون نشأة الآلهة لهيسيود: «في المقابل، التنافس البغيض ينجب النسيان، المجاعة، المعاناة المصحوبة بالدموع، المشاجرات والحروب، القتل والطعن، الخصومات، الأكاذيب، النقاشات، النزاعات، القوانين السيئة والكارثية المتلازمين دوما» في خضم هذه الفوضى لابد أن يتدخل زيوس ليقيم النظام كي يبزغ عالم قابل للعيش فيه. لقد لبست الحكاية بالفعل معناها وكيفت اللاإنساني: تفصِل، وتسمي، وتحكي الماوقع لتأخذ مكانا لها... ثم هناك قصة أستاذ الثانوية المهنية، الذي يواجه مأساة يومية متمثلة في غياب الآباء الفاشلين من وجهة نظر الشباب، والذين اقترح عليهم الأستاذ قراءة جماعية لقصة موباسون القصيرة، ابن: حينها أمكن لكل واحد التحدث عن نفسه بوساطة نص جعل الشاب منخرطا ومتخذا مسافة [حذرا]، في نفس الوقت. قد يحدث أن ينفلت الوضع وأن يتمادى تلميذ في استفزاز شخصه أو في اعترافات خجولة؛ في هذه الحالة على المدرس التذكير بالنظام الذي يفرضه النص: فمن خلاله يعمل كل منهم، وكذا من خلال مواضيع أدبية أخرى التي تسمح بإثارة استيهامية الأبوة: هنا نكون قريبين جدا من فرانكشتاين، وبيغماليون وبينيكيوه أيضا. يتم استفسار الصدمات النفسية للفرد في حالاتها المتفردة العميقة جدا إلى حين انكشافها في كنهها: لا شيء هنا «يواسي» بسخافة، ولا شيء يمحي آثار الجرح بأعجوبة، لكن هناك وعي متدرج بإنسانية الإنسان. يقول فرانسوا مورياك أن المربي هو الذي «يؤسس إنسانية الإنسان». هو يفعل ذلك أيضا من خلال الطريقة التي يردد بها صدى الصدمات النفسية التي تصر على التواجد في قصة طفل أو مراهق مرفوقة بالأسئلة، وكذا في حالات القلق والأساطير المؤسسة لهذه الإنسانية.
صدمات نفسية حيوية؟
أخيرا، ليس بالإمكان الإفلات من مسألة الصدمات النفسية لضرورة يفرضها المربي على الطفل حتى يساعده على الكبر: طقوس الانتقال المرحلي التي تتفاوت نسبة عنفها، العقوبات المبررة بشكل كلي أو جزئي، حالات الهلع، المخاوف وحالات قلق المستعملة من الأكبر سنا بدرجات متفاوتة ويرون فيها فرصا ثمينة للتعلم على «تهذيب النزوات»، للسيطرة على النفس وتجاوز المحن البسيطة تهيؤا لتلك، الأكثر صعوبة من دون شك، القادمة فيما بعد. من هذا المنظور سيكون إيجابيا أن يرتعد الطفل، في الليل، خائفا من الظلمة لعدم سماح والديه له بإشعال الضوء؛ سيكون مفيدا تهويل الامتحانات والاختبارات بغية جعل الشباب يعيشون حالات إجهاد؛ سيكون مبررا تهديد اليافع بعقوبات تتناسب والأخطاء المرتكبة لتسريع نمو خياله الملحمي والتمكين من زرع الثقة في النفس عند اكتشاف أن المخاوف التي تمت تغذيتها لا تتحقق في الواقع. وللتوضيح فإن الحضارات بأجمعها قد قامت أو هي تقوم بهذا الإجراء: ألم يُفرض على شباب الهنود عبور الصحراء بجرعة ماء واحدة في أفواههم ويبصقونها عند وصولهم بغية «تمتين عزيمتهم»؟
هذا مؤكد، إلا أن هذا الاختبار قد أُعِد منذ فترة طويلة؛ دلالته دافع عنها مجتمع بأكمله مدعيا طابعه القدسي؛ قد كان جزءا من الأساطير الاجتماعية المستوعبة تماما ومجموعة متناغمة من الطقوس. الشاب الهندي كان متدربا على استحماله يرافقه عرّابه حتى اليوم المشؤوم. هو نفسه من طلب شرف التنافس أملا في أن يصبح عضوا ضمن مجتمع الكبار. لقد جليا لديه ولدى الجميع أنه في نهاية السباق سيمكنه تحقيق عدد من الامتيازات، كاختيار لقب واكتساب زوجة وتأسيس عائلة.
بيد أنه من الممكن مساءلة هذه «الطقوس الصادمة» التي يدعي مجتمعنا فرضها على أطفاله من أجل مصلحتهم: إذ لعدم تواجدها ضمن ميثولوجيا متماسكة واضحة، فإنها غالبا ما تظهر بحسب ما يقدره الكبار، بل تكون في بعض الأحيان تعبيرا عن نزواتهم. في أقصى حالات «المضايقات» التي يمارسها كبار التلاميذ على الصغارَ، فالخضوع لها لا يعطي أي حق في سلطة إخضاع الآخرين لها في السنوات القادمة... إنه قبول محزن للطابع السادي كُليةً لهذه الممارسة. وحتى إن لم تكن مهينة، فإن هذه التجارب في حد ذاتها لا تُكوﱢن، في الحقيقة، شخصيته. إنها لا تساعد على النمو إلا حين تدخل في إطار بيئة مكونة، وأن تأخذ موقعا في لحظة معينة من تطور الشخصية وتكون موضوع استثمار شخصي مدعوم من قبل مجتمع يعطيها معنى. والـــ«بيئة المكونة»، التي سبق لنا الإشارة لها، هي تلك التي تضمن صراحة أن التجربة ستمر دون أن تتعرض سلامة وكينونة الفرد لأي انتهاك: فبدون إطار يمنح مسار التجربة أمنا نفسيا وجسديا، لا يمكن للفرد أن يتحرك إلا تحت الضغط وسيعمل على تجنب التجربة عندما يعتبر أنه من الضروري مواجهتها. «اللحظة الحاسمة» للتدخل، هي التي يختارها ويحددها الراشدون (مع هامش تقريبي لا مفر منه)، معتقدين أن الطفل أو المراهق، بسبب تجربته التي راكمها من قبل وما نوفر له من موارد، يملك الوسائل لمواجهة تحد يبقى مع ذلك صعبا بالنسبة إليه، بل وقد يهدد نموه. ف«الاستثمار الشخصي» هو الإرادة التي تدعمها الرغبة: الرغبة في أن يصبح شبيه ب«شخص راشد»، أن يتجاوز ذاته، أن يتخذ خطوة حاسمة فيتم الاعتراف به بعد ذلك داخل المجموعة التي ينتمي إليها... ألا نرى أكثر من الطريقة التي يتعلم بها الأطفال التكلم أو المشي! يمكن أن نرى فيها كيف يضمن الكبار الإفلات من العقاب عند ارتكاب الخطأ أو الحد من المخاطر الجسدية والنفسية؛ سنجدهم يحاولون استغلال الفرصة طمعا في تحقيق تقدم حاسم والاعتراف بالجهد المبذول مقرين، في نفس الوقت، أنهم يتجردون من أصله وينسبون للآخر تصرفاتهم الخاصة. إنهم، من خلال فعل الإحالة هذا المتحقق في سياق ملائم، يستدعون فردا لجعله يبرز على أرض الواقع.
من أجل بيداغوجية مصاحبة عند [المساعدة على] ركوب المخاطر
لنعد، للختم، إلى مثال جد متداول. يمكن أن يحدث هذا بأية إعدادية: خوسيه، جيرار أو أحمد تلميذ يصل متأخرا كل صباح للمرة العاشرة على التوالي. ولأن المدرس قد رفض دخوله للقسم، فقد توجه إلى مكتب أحد المشرفين التربويين الذي أبدى بعض الانزعاج. حينها انطلق الطفل في خطبة طويلة لتبرير موقفه: فهو الوحيد، بالمنزل، الذي يستيقظ صباحا منذ أن تعطل والده عن العمل؛ ثم عليه أن يشرف على ابنة أخيه الصغيرة إلى وقت متأخر من الليل لأن عمتها، التي تحرس على تربيتها لوحدها، وجدت عملا كمنظفة بأحد المكاتب في الجوار؛ لم يعد متحمسا للوصول في الوقت المحدد في حين أن الأساتذة، أنفسهم، يسمحون لأنفسهم بالوصول إلى مقرات عملهم متأخرين بشكل منتظم؛ أما بالنسبة لدرس هذا الصباح، وهو درس الفيزياء، فهو بالتأكيد لا يفهم شيئا في هذه المادة... علاوة على أن الأستاذ أخبره أنه قد راكم تأخرا كبيرا من الصعب تداركه. في ظل هذه الظروف، بأي حق يمكن أن تفرض عليه عقوبة بسبب تأخره؟
لنعترف أن الصورة كاريكاتورية شيئا ما؛ لكن ما يهمنا هو أنها من الناحية الهيكلية ممكنة وأنها، من هذا المنطلق، عادية تماما. إنها، أيضا، واقعية بشكل رهيب ولا يمكن للراشد، في هذا الوضع، التملص منها. عليه أن يتصرف بسرعة وأن يتخذ، بطريقة أو بأخرى، قرارا. وكيفما كان الفعل الذي سيقوم به -وحتى إن لم يفعل شيئا- سيكون ذلك قرارا، ومن المرجح أن يكون له أثر ما، ليس فقط على التلميذ المعني، ولكن أيضا على سلوك زملائه، وعلى مواقف المدرسين و، بصفة عامة، على الحياة اليومية للمؤسسة. وضعيتان ممكنتان في هذه الحالة: تلك المتمثلة في كونه أخذ قراره انطلاقا من مجموع المؤثرات الممارسة عليه وتلك التي تفترض حرية غير قابلة للاختزال تجاه هذه المؤثرات وهو قادر على مقاومتها. فمن ناحية يمكننا أن نعذر التلميذ بالنظر لكلما يمكن أن يعاني منه؛ ومن ناحية أخرى، يمكن اعتباره مسؤولا بافتراض أنه، على الرغم من الظروف، يمكنه دوما أن يتحمل الضغوط ويقرر بحرية. بطريقة معينة يمكن اعتبار الموقفين مقبولين: أولا لأن هذا التلميذ ليس، بالطبع، متساو مع زميله الذي تهيؤ له والدته فطور الصباح في السابعة صباحا؛ وثانيا، لأنه، في حالة عدم افتراض قدرته التصرف بحرية، سيخاطر بالوقوع في قدرية فجة. فإما أن نعذره ولا نقوم بمعاقبته حتى لا نظلمه ولا نصدمه، وإما أن نحكم عليه بخوض تجربة يفترض فيها أن تقوي إرادته.
لكن إرادته لا يمكن أن تنبني بطريقة سحرية من خلال إنكار الحتميات الاجتماعية وإنكار التاريخ الذي هو نفسه وارثه الشرعي. لا يمكن لإرادته أن تنشأ إلا في بيئة ملائمة، في حالة ما إذا توفرت له فرصة مناسبة واقتُرِح عليه مشروع صعب لكنه واقعي يهدف من ورائه الحصول على تقدير الكبار وتتم مساندته في تحقيق رغباته. يبقى على المربي هنا أن يبتكر وضعيات تناسب هذا اليافع لكن دون السقوط في أدنى ديماغوجية؛ على المربي تقديم المساعدة والدعم اللازم كي يتطور ويرقى بنفسه، ليتمكن من تحدي نفسه ويمكنه، في الأخير، تحمل مسؤولية أفعاله. سيعهد إليه، حسب الحالة، تعليم شخص أصغر منه سنا، أو مسؤولية تنشيط اجتماع بين زملائه في القسم وبين أساتذته حول الطرق البيداغوجية لتدريس الفيزياء أو حول القانون الداخلي، أو مسؤولية تحرير قراءة في كتاب عن الأسئلة التي يشعر أنها مقلقة وذلك لصالح مجلة المدرسة، إلى غير ذلك.
لا شيء سهل هنا. الكبار مجبرون على الحضور. إنه مطلب، بل وحتى، مطلب تربوي حقيقي لكونه في نفس الوقت مطلب تجاه الذات ومطلب تجاه الآخر. إنها طريقة لمساعدته على النمو دون أن نقوم، على أية حال، بإعداد الطريق له ، ودون حرمانه بتاتا من سعادة الاكتشاف أو رعشة الخوف.



https://www.meirieu.com/ARTICLES/traumatismes.pdf *

لملاحظاتكم: [email protected]


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب