أضيف في 20 أبريل 2018 الساعة 16:01

الحضنة المنتظرة


العربي الرودالي
250 حرف على الأقل، 24 ساعة للنشر من جديد.



قصة قصيرة
الحضنة المنتظرة

عندما هيأت أمينة قفصا صغيرا، انتظرت إلى أن وهبها أحد معارفها ما كان قد وعدها به.. عصفور صغير لم يمض عليه إلا وقت نمو ريشه، منذ أن تفقصت عنه بيضة الحضنة التي كانت منتظرة.. فرحت به و استبشرت الخير في تربيته .. و رغم أن القفص صغير إلا أنه أنيق، و أكيد سيألفه... غير أنها تمني نفسها بأن تبدله بقفص أوسع عندما يكبر عصفورها. كانت العناية فائقة ، و الحدود آمنة و على السهول اخضرار و أشجار، و في الأنهر مياه دفاقة، و السماء تضيئها شمس ناعمة، و الفضاء يغمره هواء منعش... و... القفص الصغير متركن في زاوية على شرفة غرفة النوم بالبيت القائم وسط هذا العالم الجميل.. تضع أمينة كل صباح باكرا حبوبا ناعمة و ماء نقيا متجددا وورقة خس خضراء يانعة تحتفظ بها دائما طرية... و أحيانا تسلق بيضة دجاج،تقشرها،تقطعها ثم تضعها له بشهية داخل القفص.. كم كان يتحمس لقدومها نحوه.. لقد اعتاد أن تقدم له الطعام بيديها العطوفتين، فداخل الحدود الآمنة العيش مشبع، مغذ و لا يحتاج إلى بديل... يسعد العصفور فيتسع قفصه، و تذوب القضبان في المجال، تشغل أمينة شريط تسجيل يغرد بأعذب أصوات الطيور، فيهفو لها قلبه الصغير و تستقر في وجدانه.. و من حين إلى آخر يستعيدها بصوته، عندما لا يسمعها تتردد فيبدع أكثر.. سمعت فجأة خارج الحدود الآمنة، طلقة و كأنها من بندقية قناص، صاحبتها شقشقات بعض العصافير النافرة- موسم طرد العصافير من الحقول قد حل- و رغم ذلك لم تتذبذب قضبان القفص و لم تهتز لتلك الطلقة.. توهمت أمينة أن الطلقة يمكن أن تكون طائشة.. هرولت نحو عصفورها، خافت على راحته و اطمئنانه،فوجدته يترنم بما تعلمه من تغاريد الطيور المسجلة على الشريط.. كم يبلغ الاعتزاز مبلغه عند أمينة كلما أقبل على البيت زوار أو ضيوف.. ينحرف الحديث عن سياقه.. يقاطع.. يتوقف مرات عديدة عندما تصدح حنجرة العصفور بنبرات تهفو لها القلوب فينبعث الإعجاب و التنويه.. و ينتشي العصفور مع أمينة لهذا الثناء،فيزيد في تغريده و يتسع قفصه و تذوب القضبان في المجال.. هذه المرة سمعت عن بعد، خارج الحدود عدة طلقات و كأنها من بنادق لقناصة كثيرين.. و رغم ذلك لم تتذبذب قضبان القفص.. توهمت أمينة أن القناصة سيلحقون بعصفورها و كأن القفص غير آمن في زاوية على شرفة غرفة نومها ببيت قائم وسط عالم جميل... و توالت الطلقات.. فأثار انتباه أمينة ضجيج شقشقات متعددة و مختلفة.. أطلت على عصفورها فوجدت خارج القفص حشرا لعصافير برية و حبا مشتتا، كان يرمي به لاجتذابها و هي تنط منشغلة بالتقاطه.. و زادت الحشود النافرة و المتجمعة حول القفص.. و لم يعد العصفور يغرد فقد نسي شدوه و ترنيمات كانت تنال ثناء كل زائر للبيت،و انشغل بتشتيت الحب لإغرائها كي تبقى قربه و يستأنس بها. لم تعد الطلقات تسمع.. طردت كل العصافير من الحقول.. أطلت أمينة على عصفورها كي تسعد بطمأنينته فوجدته منشغلا لا يأبه بشيء صار كل همه أن يخرج رأسه بين القضبان محاولا الالتحاق بالأجنحة الصغيرة التي ترفرف حوله طليقة كلما تجمعت عليه أو غادرته لتعود في وقت آخر.. قلقت أمينة على عصفورها الذي لم
يعد يغرد،فقد أصابته العدوى.. انتقلت إليه من أصحابه الذين لا هم لهم سوى التقاط الحب.. أصبح مثلهم.. أثاروا فيه نفس النزوع، فأ تلف كل شيء.. أبعدته أمينة عن ذلك قصد استرجاعه إلى ما كان عليه.. وضعته في منأى و أغلقت أبواب الشرفة.. مرت أيام ، والعصفور الذي كان مغردا لازال منطويا في صمت حزين، لا تسمع منه ترنيمات كانت تنال الثناء و التنويه، فقد أوشك على الهلاك.. أدركت أمينة أن الحدود أصبحت غير آمنة، و العالم الجميل صار موحشا و القفص ضاق و تقلص مجاله، و القضبان سمكت و تصلبت.. فأخلت سبيل عصفورها ليلتحق بما شاء.. نظفت القفص و هيأته و انتظرت حضنة جديدة لجلب عصفور آخر...


العربي الرودالي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : العربي الرودالي

باحث في علم الاجتماع   / تمارة , المغرب