أضيف في 17 أبريل 2018 الساعة 10:24

هل يمكن أن تكون هناك تربية دون صدمات؟* ج.1 (ترجمة)


نورالدين البودلالي
Philippe MEIRIEU
إن طرح السؤال حول مدى إمكانية وجود «تربية دون صدمات نفسية»، يعتبر بمثابة اعتراف ضمني بقدرتنا على التحكم فيما يقع لطفل ومراهق، وما سيحدث له في حياته ويساهم في بناء شخصيته. والحال أن ادعاء كهذا هو، في نفس الوقت، عبثي وخطير.
نشوة القدرة الكلية للتربية
عبثي لأنه يفترض أن جميع الوقائع تشكل نوعا من البرمجة وأنه بالإمكان التدخل لصالح كل طفل نشك في احتمال إصابته بصدمة نفسية. صحيح أن ما يحدث في حياة الطفل يرجع، في جزء منه، إلينا... لكن في جزء منه فقط. أما ما يعيشه في غيابنا (مع رفقائه، في الزقاق، عند مشاهدة التلفاز، وعند مقابلة راشدين آخرين) فلا يمكن لنا أبدا السيطرة عليه. أيضا لا يمكن السيطرة على الأمور التي يتم فيها الاعتماد علينا، فلسنا مستعدين دائما للتضحية بما نعتقده صحيحا أو ضروريا في ضوء رغباتنا ودوافعنا الخاصة، حرصا على ألا يتعرض الطفل للصدمة. إذ يمكن لتنقل مهني، أو نزاع عائلي، أو ردة فعل تجاه ازعاج أو غضب أن يفرض نفسه علينا دون أن نكون قادرين فعلا على مقاومته في الوقت الذي نستشعر احتمال وقوع صدمة. علاوة على ذلك، وفوق كل ذلك، تفرﱡد الوضعيات والمصائر الفردية هي بالحجم الذي لا نعرف معه أبدا مسبقا كيف ستعاش الوقائع: فالحدث نفسه قد لا يكون له أي أثر على فردٍ ما، وقد يبصم آخر مدى الحياة. نفس الجملة، التي نسيها مؤلفها لحظات بعد النطق بها، يمكن أن تشكل قرارا عقابيا يسـﻣﱢر شخصا في مكانه مصابا برضوض نفسية دائمة قد تجره نحو الكآبة، أو، على العكس، قد تشكل بالنسبة لآخر تحديا نفيسا لتجاوز ذاته.
لكن الرغبة في التحكم في كل شيء حماية للطفل من أدنى صدمة تشكل، هي أيضا، خطرا كبيرا على تربيته. فمن دون أحداث مفاجئة، من دون «اضطرابات» غير متوقعة كما يقول علماء النفس، لا يمكن للطفل أن ينمو. لن يكون لذكائه أي دعم، ولا أي وسيلة لأن يتمرس؛ لن يكون بإمكانه أبدا أن يتوقع أمرا، أو يتحقق من أمر أو يثبت تنبؤاته، أو يتساءل عن معنى ما يحياه، أو يواجه تجارب جديدة، أو يستدمج معارف جديدة عن العالم وينتهي ببناء وضعيته الخاصة. فالحياة التي يُخطﱠط فيها لكل شيء تنيم العقل، وتربي فقط على ردود الفعل الآلية وتحث، إضافة لذلك، على الفكر «الاستراتيجي»: حيث البحث فيه على «التعايش مع» أو «الاستمتاع» عوض الفهم الفعلي. وإجمالا، إن التربية المبرمجة، وهي في صالح الطفل -حتى لا يصاب بصدمة-، تقزمه حتى يصبح جرذا في متاهة: فتنهك قواه داخلها، يموت ببطء، يحتار بين العنف والسلبية. المدن الفاضلة الكلية لم تكن خاطئة... فمن 1984 لأورويل إلى عالم شجاع لهوكسلي تبلور حلم خيالي مرعب: سيطرة المربي المطلقة على المتربي، ال«مربي العظيم»، الذي يرسم الطريق، ويقرر كل شيء مكان الآخرين، يعرف ويفرض ما هو في «مصلحتهم» ويرى «منفع»تهم.
أما إذا أردنا التخلي عن نشوة التحكم والقدرة المطلقة، فلا يمكننا التأرجح، بذلك، بين قبول غير مشروط لأي حدث صادم (بحجة أننا لن نتوفر على وسائل لتفاديه)، والقدرية (تحت ذريعة السماح للطفل بالقيام ب«تجاربه»)، أو السلبية (تحت ذريعة احترام نمو شخصيته). ما يميز التربية هو كونها، على وجه التحديد، نشاط يتحتم علينا دوما في خضمه، بطريقة أو بأخرى، أن نقرر مكان الآخر ما يساهم في نموه ويساعده على بناء شخصيته... فلو كان في مقدوره أن يقرر ذلك، لكان قد رُبي من قبل. صحيح أنه لا يمكننا ولا يجب أن نقرر كل شيء، لكن علينا أن نقرر في عددٍ من الخيارات التي تتراوح بين السلوك الأكثر يومية (الاستخدام الصحيح للغة، احترام التوقيت، آداب المائدة، وغيرها) والمواقف الاجتماعية المؤسسة للحياة الاجتماعية (ما نسميه «الأدب الخلقي» الذي، بعد التخلص من حزمة التوافقات القديمة، يشكل، دون شك، شرطا أساسيا للتبادل بين الناس) بل والقيم كذلك (السياسية، الدينية، الثقافية) التي نعتقد فيها والتي من المشروع أن تكون لدينا رغبة في أن نجعل من نحب يؤمن بها. إن الطفل يأتي إلى العالم عاجزا تماما لدرجة أنه علينا دوما أن نقرر أولا مكانه، لكن هذا يكون مصحوبا بقلق على أن تسمح قراراتنا له بالتدريج أن يلعب أدواره، «أن يستخدم أنا»، كما تقول بيستالوتزي، بمعنى من المعاني، لكي «يحقق ذاته»، في النهاية، بفضل الاختيارات التي يقوم بها من بين ما نقدم له من اقتراحات.
وبعبارة أخرى فإن مسؤوليتنا التربوية، وفيما يتعلق «بإدارة» الصدمات، تقع على عدة مستويات:
ال«حق في الطفولة» وال«حق في المدرسة»
بداية، يلزمنا التأكد من أن أطفالنا لن يتعرضوا، خلال نموهم، لصدمات عنيفة، هدامة، قد تهدد سلامتهم الجسدية والنفسية. عدم القيام بذلك سيؤدي إلى إمكانية حدوث تطورات بعدية، وفي هذا الإطار خبرنا تجارب لن نتعافى منها. هنا، وأكثر من «حقوق الطفل»، علينا، كراشدين، ضمان «الحق في الطفولة». إنه الحق في عدم التعرض لوضعيات مشينة، وعدم العيش قبل الأوان في المخاوف المعقدة لكبار السن، وعدم الاحتكاك بالبذاءة بشكل مستمر، هذا الاختزال اللامحدود لجسم الإنسان في اللحم الذي يلغي الفرد الاجتماعي في الانسان. إن مسؤوليتنا هنا أولا هي قانونية وتتعلق أيضا بالاعتداءات الجنسية، وسوء المعاملة، ونشر الصور أو النصوص الإباحية بين القاصرين التي تشوش عليهم وتزعجهم: كل الجرائم التي يجب أن يعاقب عليها القانون.
من نفس المنظور وبغض النظر عن الحقوق التي تنبثق عن مسؤولية المواطنين والمُشرﱢع الذي يتصرف بالنيابة عنهم، فإن مسؤوليتنا ترتبط أيضا ب«الفضاء الآمن» الضروري للتعلم والنمو. فالتعلم يفرض على النامي محاولة القيام بشيء لا يعرف القيام به، لكي يتعرف على وجه التحديد كيفية القيام به: المشي حين لان يعرف المشي ليتعلم كيف يمشي، والتكلم حين لايزال يغمغم ليقدر على التواصل، والقراءة رغم أن النص يخيف، والحساب وإن لم يكن يفهم شيئا في عالم الأرقام، وغيره. إذن ما هو المطلوب من الطفل ليلقي بنفسه وسط المعمعة ويحاول فعل ما يبدو مستحيلا بالنسبة إليه قبل أن يستوعب ذلك؟ علينا أن نضمن له أحقيته في التجريب، وأحقيته في الخطأ، وأنه، إضافة لذلك، لن يتعرض للسخرية ولا للعقوبة التي قد تثبطه، بل وتسمه للأبد. لهذا السبب يتوجب على «المدرسة» أن تلعب دورا أساسيا، فيما يتعلق بالتعلم، شرط أن تعود به إلى معناه الأول الذي كان يعني، في اللغة اليونانية، «ترفيه»: أي ضمان وقت وفضاء لا يضطر فيه الواحد للنجاح فورا، حيث يمكن فيه استكشاف طرق جديدة، والمخاطرة بفعل أشياء تثير، مع ذلك، مخاوف أو تبدو صعبة التحقق. وقت وفضاء نكون معهما متيقنين من عدم تلقي عقاب سريع عند الفشل، وحيث يمكن تلقي نظرة عطوفة حين نتردد في اتخاذ الخطوة الضرورية وإيجاد الموارد اللازمة لتحسين الأداء، ولاكتساب الثقة في النفس ويصبح بشكل تدريجي قادرا على مواجهة مواقف العالم الخارجي لوحده. بهذا المعنى تصبح المدرسة -بما فيها الأشكال الغير النظامية (ثمة حالات «مدرسية» داخل الأسرة، في التنظيمات الجمعوية، في بعض التجمعات الشبابية التلقائية)- هي بالفعل فضاء مهمته، إن لم تكن القضاء تماما على الصمات النفسية، فجعل الحتمية منها لكل تعلم، على الأقل، متحملة: لا يمكن أبدا لأية بيئة، كيفما كانت ملائمة، ولا أي مربي، كيفما كان متنبها، أن يعوضوا في، الواقع، القرار الفردي للتعلم و ل«شجاعة البداية»، على حد تعبير فلاديمير يانكيليفيتش، التعويض مناسب؛ في هذه الصدد ستكون هناك دوما مخاطرة غير قابلة للاختزال التي يمكن أن يقال عنها أنها متضمنة لبعد صادم: كترك المعلوم وإقناعاته المريحة لمواجهة المجهول وما يخلقه من حالات عدم الاستقرار، أو التخلي عن صورة للذات ليبرز نفسه في صورة مختلفة، والخروج من متخيل أولئك الذين عرفوك طفلا ولازالوا يرونك كذلك، لتجعلهم يرون شخصية جديدة تقلقهم، لا يستطيعون الامساك بها والتي، أحيانا، لن يعودوا يفهمونها. إن مهمة المربي الممارس هنا هي، في نفس الوقت، السماح بالمرور إلى الفعل في إطارٍ يخلق له فرص التحقق، ويستقبل هذا الفعل في أفضل الظروف الممكنة حتى لا يتم تثبيط الفعل القادم: فمن ناحية، توفير الفرص، وال«مواقف المتخذة» بشكل إرادي، من خلال الدعامات والمحفزات، عبر الوضعيات-المشكلة المتعددة، والتي من الممكن الوصول إليها إبان تمثلِ تقدم ملحوظ عند تجاوزها باقتراح مواضيع قادرة على تعبئة الرغبة وتعبئة المؤسسات التي تسمح لها بالتعبير عن نفسها. ومن ناحية أخرى، الترحيب بتدخلات كل واحد، دون إفراغ أو التظاهر بنسيان الطابع الصادمي الذي لا يمكن تجنبه والذي هو متضمن فيها، ولكن بالثناء عليها بطريقة ما ببادرة ترحيبية: إن إصابة الذي قرر النمو بصدمة ليست في الحقيقة بناءة لما هو إنساني إلا إذا كانت مصحوبة بتعجب متواضع من قبل الراشد الذي يكتشف أن علامة إنسانية قد بزغت لتوها، وذلك، في نفس الوقت وبنفس الطريقة الجذرية، بفضله وبدونه.
https://www.meirieu.com/ARTICLES/traumatismes.pdf *

لملاحظاتكم: [email protected]


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب