أضيف في 28 مارس 2018 الساعة 22:47

الرؤساء المقاولون، وشعار ''خيرنا ما يديه غيرنا''، قراءة في مقال الإعلامي يوسف الساكت ''الرؤساء المقاولون يقلقون الداخلية''


نورالدين الطويليع
تحت عنوان الرؤساء "المقاولون" يقلقون الداخلية، نشر الإعلامي يوسف الساكت مقالا بجريدة الصباح، اليوم الأربعاء 28 مارس 2018، تناول من خلاله التسيب والرعونة التي يمارسها رؤساء العديد من جماعات الإقليم في إطار سياسة تبادل أدوار يفوتون عن طريقها الصفقات وطلبات السند لبعضهم البعض، ويستعملون جميع أساليب التلاعب على القانون لتنمية ثروتهم الحرام ونهب المال العام، وحرمان المنطقة من حقها في التنمية والنماء، وفيما يلي قراءة بسيطة جدا وسريعة للمقال اعتمادا على المقاربة السيميائية، نتغيا من خلالها تفكيك بعض شفرات النص والوقوف عند علاماته ومؤشراته، مساهمة منا في تسليط الضوء على واقع الفساد الذي نخر الإقليم، وحوله إلى مائدة تكالبت عليها الضباع من كل حدب وصوب.
أولا: قراءة في عنوان المقال
تنظر السيميائيات إلى العنوان باعتباره علامة وإشارة ورمزا، وعنوان هذا المقال يسعف كثيرا في التعامل معه وفق هذا المعطى بما يتضمنه من مفاتيح تسعف الدارس كثيرا في إضاءة ثرياه، والاستعانة بها لولوج معالم النص واستكناه مدلولاته والانتقال بين دروبه ومنعرجاته.
أول ما يلفت الانتباه هو سوريالية هذا العنوان الذي ينطق بمفارقة صارخة جمعت بين نقيضين، يقول القانون والعرف والأخلاق السياسية إنهما لا يجتمعان، ويقول واقع الحال اليوسفي بأنهما راسخان مرتبطان ببعضهما البعض رسوخ الأصابع في الراحتين.
وردت كلمة "الرؤساء" جمع تكسير للكثرة، فيما جاءت كلمة "المقاولون" جمع مذكر سالم، وهذا مؤشر يجسد الانكسار والفشل في دور تيماتيكي يتمثل في المهمة المناطة بأصحابها باعتبارهم رؤساء جماعات على عاتقهم مسؤوليات جسيمة تتطلب منهم بذل الممكن والمستحيل ووصل الليل بالنهار لإخراج جماعاتهم من دائرة الموت، ونفخ روح الحياة فيها من جديد، وهي التي تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة بكل ما تعني كلمة احتضار من معنى، هذا الفشل يقابله نجاح وسلامة في الدور التيماتيكي للممثل نفسه، وهو يمارس حرفة مقاول، فسلامة الكلمة من التكسير، ووقوعها جمعا سالما يظهر أنها تتمتع بما تفعل، ولم يلحقها كسر أو أذى وهي تخرق القانون في واضحة النهار، وتأتي المدَّان في الكلمة (الألف والواو) ليجسدا التطاول والترفع والصولان والجولان، فلا شيء يمنعها من الاستطالة وإشباع بطونها الجائعة بمزيد من عَبِّ ميزانيات جماعاتها.
وتأتي عبارة "يقلقون الداخلية" كخبر غير مقصود لذاته، وإنما هو مطية لشيء آخر يفيد أن السيل وصل الزبى، وسلوكات العصابة المتنفذة لم تعد مصدر قلق ساكنة سلمت أمرها للخالق، بعدما استنفذ فاعلوها كل وسائل إنكار المنكر، وإنما وصل الأمر إلى دهاليز السلطات العليا التي أقض مضجعها تمادي المقاولين الرؤساء، أو الرؤساء المقاولين في اقتراف جريمة تمريغ القانون في التراب،والتصرف بعنجهية تنم عن الاستخفاف واللا مبالاة بما يجري ويدور، وبالانتقادات الموجهة إليهم، كأن في آذانهم وقرا.
ويأتي العنوان الفرعي ليبرز مصدر القلق المتمثل في التلاعب بالصفقات وتأسيس مقاولات للاستئثار بها، في ضرب شنيع للقانون وللأعراف السياسية، وهذا ما يجعل للعنوانين وظيفة تحريضية تستنهض همم القارئ اليوسفي وتثير انتباهه، ليلتفت إلى ما يجري حوله، ويمارس دوره في الاحتجاج على هذا الوضع المرضي المثقل بفيروسات التدبير السيء.
ثانيا: الأدوار الباتيمية للفاعل الاستهوائي
نشير بداية إلى أن سيمياء الأهواء تدرس المشاعر والانفعالات المتعلقة بالذات الإنسانية داخل النصوص السردية، سنمارس ها هنا نوعا من التعسف في إسقاط هذه المقاربة على مقال إخباري، لكن ما يشفع لنا أن هذا الأخير يحضر فيه السرد بقوة، بالإضافة إلى أن سوريالية الفاعل والممثل (الرئيس المقاول) يدفعنا إلى نعيش بدورنا هذه الأجواء السوريالية على مستوى التحليل.
يبرز النص مجموعة من النوازع الاستهوائية التي ترتبط بالذات المقاولة وحالات نفسها الفردية، ومن بين هذه النوازع أو السلوكات نجد:
هوى التلاعب بالقانون: من خلال تأسيس مقاولات صديقة أو قريبة (نقصد هنا القرب العائلي لأصحابها من الرؤساء)، وصب كل ما في الخزان لصالحها، أو التعامل بمنطق (اعطيني نعطيك) بين رؤساء الجماعات، ليتحول المال العام إلى ما يشبه الكرة التي تدحرجها الأرجل كما شاءت وأرادت.
هوى الطمع والجشع: ويبرز من خلال رغبة الفاعل الاستهوائي اللا متناهية في جمع المال الحرام، مستغلا صفته كرئيس، مديرا ظهره عن أي مقاربة تنموية من شأنها إنعاش الرجل المريض، أو الأرض المريضة المثخنة بالجراح.
هوى الابتزاز واستغلال النفوذ: ويبرز من خلال المتابعات القضائية الكثيرة التي في حق رؤساء ومنتخبين ذهب بهم الحمق كل مذهب، وأطلقوا العنان لأنفسهم لإسقاط كل ذي مصلحة في شباكهم وجني المال الحرام عقب كل عملية نوعية بهذا الصدد.
أخيرا أحيي صديقي الإعلامي المتألق يوسف الساكت، ابن مدينة اليوسفية البار، على غيرته على هذه المدينة اليتيمة والإقليم المنكوب، وأشد على يديه وعلى يد كل من تطوع لإنقاذ السفينة ووقف في وجه الفساد والمفسدين، ولم تغره عطايا الليل الملغومة.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب