أضيف في 27 مارس 2018 الساعة 11:58

''الإرْث'' كمُشْكلة زائفة لإخْفاء واقع اللَّامُساواة الهَيْكليّة!


عبد الجليل الـگُـور
يعتقد أَدْعِياءُ "العَـلْمانيّة" بيننا أنّ نظامَ "الإرْث" في الإسلام مُجْحِـفٌ جدًّا بحقّ المرأة باعتبار أنه يَقُوم، كما يُظَنّ عُمومًـا، على تَطْبيق آليّ لمبدإ «للذَّكر مِثْل حَظّ الأُنْثيَيْن». ولذا، فإنّ كُلّ من يَتصوّره كذلكـ لا يَتردّد عن المُطالَبة بإلغائه كنظام لا يَخفى تَعارُضه الظّاهر مع المبدإ الأساسيّ في الدِّمُقْراطيّة القاضي بـ«المُساواة في الحُقوق والواجبات الأساسيّة بين كُلّ المُواطِنين».
وإذَا كان الاعتراضُ على "الإرْث" في الإسلام لا يَصِحّ إِلَّـا إِذَا أُخِـذ هذا النِّظامُ في سياقه الكُلِّيّ المُحَدَّد بنَسقٍ شَرْعيّ وفقهيّ لا يَقْبَل أن يُفْصَل فيه بين البُعد التَّعبُّديّ-الخُلُقيّ والبُعد الاجتماعيّ-الاقتصاديّ، فإنّ التّرْكيزَ على قضية "الإرْث" كما لو كانت المدخلَ الأَنْسب لتفعيل "المُساواة" المطلوبة في المُجتمعات ذات الأكثريّة المُسْلمة يُعَدّ تَضْليلًا بَيِّنًـا على الأقلّ من جهتَيْن: أُولاهما، كَوْنُ تَوْزيع "الإرْث" يَرْجع أساسًـا إلى حَقّ الأفراد في التّصرُّف الحُرّ في مُمْتلَكاتهم الخاصّة بما يَرْتأُونه صوابًـا (من حقّ "المالِـكـ" الشَّرْعيّ في أَيِّ مُجتمع حُرّ أنْ يُبَذِّر أموالَه أو يَهَبَها أو يُوصيَ بها كما يشاء!)؛ وثانيتُهما، كَوْن «المُساواة في الحُقوق والواجبات الأساسيّة» كُلًّا لا يَقْبَل التّجْزِيء وواقعًـا أعقد بكثير مِمّا يُمَثِّله نظام "الإرْث" الإسلاميّ (حقّ الأقرباء في "الإرْث" لا يأتي أبدًا قبل ما يجب لهم، قانونيًّـا، بصفتهم مُواطِنين مُتساوِين في حُقوق "المُواطَنة" و"التّعْليم" و"السَّكَن" و"الصّحة" و"الشُّغْل" وغيرها من "الحُقوق" و"الواجبات" الأساسيّة).
وفي المدى الذي لا يَصْعُب على المرء أن يُدْرِكـ أنّ المُعْترِضين على نظام "الإرْث" الإسلاميّ يَبْدُون مَيّالِين إلى السُّكُوت عن شتّى أنواع "الظُّلْم" الواقعة على كُلّ فئات النّاس بمُجتمعاتِ المُسْلِمين، فإنّ حِرْصَهم على شَدّ الانتباه فقط إلى "الإرْث" يُشير إلى شيء آخر تماما، شيء يتجاوز بشكلٍ مُضاعَف جدًّا تَحْريف أنظار عامّة النّاس عمّا يُكابدونه في الواقع المَعيش من مَظالم اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة. إنه يُشير، أَوّلًـا، إلى العمل على ٱسْتبعاد أَيّ إِمْكان للدُّخُول الفِعْليّ في تَغْيير ذلكـ الواقع، كأنّه لا يُراد للمُسْلِمين والمُسْلِـمات أن يَتمتّعوا بـ«حُقوقهم الوَضْعيّة» إِلَّـا إِذَا أَقْدَموا على الانْسلاخ من «الفرائض الشَّرْعيّة» في دينهم بحيث يَصيرُون، بوعيٍ أو من دُونه، إلى الأخذ بالمُقْتضى المُضْمَر في «الدِّين العَلْماني» الدّاعي إلى أنّ ثَمَنَ الظّفَر بـ«الحُظُوظ الدُّنْيَوِيّة» في هذا العالَم لا يَتأتّى من دُون قَطْع كُلّ رَجاءٍ في المَثُوبة عن العمل بـ«المَقاصد الأُخْرَويّة». ويُشير، ثانيًا، إلى أنّ ٱطّراحَ نظام "الإرْث" في الإسلام يُوجب، بـﭑلأحرى، التّسْليمَ بتاريخيّة كُلّ النُّصُوص الشَّرْعيّة المُؤسِّسة (قرآنًـا وسُنّةً)، من حيث إنّ مَن يَجْرُؤ على تَعْطيل نُصُوص "الإرْث" المُفَصَّلة في "القُرآن" لنْ يَترّدد عن الذّهاب إلى النّتيجة الأبعد بالحُكْم عليها وعلى نَظائرها بأنّها نُصوصٌ قد أصبحتْ مُتجاوزةً وأنّها لم تَعُدْ، بالنِّسبة إلى مُقْتضيات هذا العَصْر، سوى لَغْوٍ أو سُخْف.
وعليه، إِذَا ٱتّضح أنّ غَرَضَ أدعياء "العَـلْمانيّة" من وراء الاعتراض على "الإرْث" يَتمثّل أساسًـا في التّوَسُّل به للتّمْكين لإرادتهم في تَعْطيل مجموع «الفرائض الدِّينيّة» ذات الأثر العُموميّ في الإسلام، فإنه لا يبقى خافيًا أنّ الاحتجاجَ بـ"المُساواة" من قِبَلهم ليس سوى ذَريعةٍ ظَرْفيّة لتَبْرير مَسْعاهم ذاكـ. ويشهد على هذا كَوْنُهم قَلَّما يَجْرُؤُون على إِعْلان مُعْتقَدهم المُضْمَر القاضي بتَكْذيب "الوَحْي" تَعاقُلًا أو تَعالُمًا، بل إنهم ليُسْرِعُون - في غالب الأحيان- إلى تَعْظيمِ ومُناصَرةِ كُلّ مُسْلِـمٍ يَقُوده ٱتِّباعُ هَواهُ إلى مُخالفةِ أَمْرِ رَبّه أو يُؤَدِّيه سُوءُ فَهْمه إلى الاجتراء على رَدّ ما لم يُحِطْ به عِلْمًا.
ومن ثَمّ، فمَـنْ كان يَحْرِص بالفعل على رَفْع "الظُّلْم" عن مُخْتَـلِف فئاتِ النّاس لنْ يَتوانى عن الوُقوف على جميع أنواعه التي في مُقدِّمتها نظام "الاستبداد" و"الفساد" الذي كان ولا يزال يُوَظِّف "الدِّين" نفسَه من خلال أبرز مُمَثِّليه في تَشْريعِ وتَسْويغِ كُلّ ما يقترفه المُتغلِّبون (أو المُسَيْطِرون) من مَظالم على كُلّ المُسْتويات. وإِلَّـا، فلو صحّ أنّ المرأةَ المُسْلِمةَ مظلومةٌ بسبب نظام "الإرْث" في الإسلام على النّحو الذي يقتضي إصلاحَه وَفْق مبدإ "المُساواة"، لكان من الأَوْلى أنْ يُطالَب بمُراجَعةِ مصدر "الظُّلْم" نفسه الذي ليس، بالتّالي، غير «ٱلإسلام/ٱلدِّين» بما هو أُصُولٌ ٱعتقاديّةٌ وحُكْمِـيّةٌ يُفْترَض أنّها تدعو إلى "ٱلتّمْييز" وتُرَسِّخ دُونيّة المرأة. والحقّ أنّ من بين دُعاة تَعْطيل نظام "الإرْث" من يعتقد أنّ "الإسلام" - بما هو كذلكـ- يُمَثِّـل مصدرَ كُلّ شَرٍّ في الحاضر تماما كما كان في الماضي بما يُوجب نَبْذَه جُمْلةً وتَفْصيلًا!
لكنّ أهمّ جانب في الاعتراض على نظام "الإرْث" الإسلاميّ إنّما هو ذاكـ الذي يَتعلّق بـﭑدِّعاء أنّ مَطْلَبَ "المُساواة" يُمَثِّل خيرَ تَعْبيرٍ عن ٱلتَّوَجُّه "ٱلحداثيّ" مُتصوَّرًا كسَيْرُورة قائمة حصرًا على "التَّنْوِير" و"التَّحْرِير". ومن هذا المنظور، فإنّ مَنْ يَرُدّ "الإرْثَ" الإسلاميّ يَظُنّ أنّ من مُقْتضَيات "الحداثة" أن يَكُون الإنسانُ "سَيِّدًا" بناءً على عَقْله الآمِـرِ و"مالِكًـا" للعالَم بعَمَله المُحَرِّر. فلا مجال، إذًا، عند أدعياء "الحَداثة" لشيء آخر يتعارض مع التّوَجُّه "التَّسَيُّديّ" و"التَّمَلُّكيّ" في النّظَر إلى وُجُود الإنسان وفِعْلِه في هذا «العالَم الدُّنْيَوِيّ».
وما يَجدُر الانتباه إليه، بهذا الصّدد، هو أنّ ٱلتّوَجُّه "ٱلحداثيّ" لا يَقُوم كتَوَجُّه تَسْيِيديّ للإنسان في الكوْن إِلَّـا بالقدر الذي يُسَلَّم أنه نُزُوعٌ مُتنكِّرٌ إلى "ٱلتَأَلُّه" أو "ٱلتَّرَبُّب"؛ من حيث إنّ إعلان «مَوْت ٱلإلاه» في الفكر الحديث هو بمثابة إِيذان بظُهور «ٱلإنسان-ٱلإلاه» (وَفْق عُنوان كتاب الفيلسوف الفرنسيّ "لُوكـ فيري"). وإذَا كانتْ مآزقُ «مشروع الحداثة» ما فَتِئتْ تُؤكِّد لَـامَعْقُوليّة الاستسلام للاختيار بين ٱرْتكاس "التَّحْرير" إلى ٱسْتئناس «العُبُوديّات المُسْتجدّة» (بفعل تَحَوُّل "التّنْوير" إلى تَسَلُّطٍ سنده "التّعاقُل" أو "التّعالُم" بما يفسح المَجال لـ"ٱلتَّعْتيم" و"ٱلتّجْهيل" كما تتعاطاهُما، بالخصوص، وسائل الاتِّصال الجماهيريّ) وبين الصَّيْرُورة إلى قَبُول المَآل الانْتحاريّ للحضارة المُعاصرة (من خلال تَدْمير المَجال البِيئيّ-الحَيَوِيّ ٱستنزافًـا أو ٱسْتعلاءً)، فإنّ الانفتاحَ على آفاق تَجَدُّد الفِكْـر المُعاصر في تَعقُّده وتَعَدُّده قد صار يُوجب الانْفكاكـ عن "النُّمْذُوج" (أو، إنْ شِئْت، "الـپّـارديغم") السّائد.
وبقدر ما يُحَصَّل الوعيُ بذاكـ ٱلانْقلاب في "النُّمْذُوج"، يَصيرُ من المشروع أن يُعاد الاعتبار إلى نظام "الإرْث" الإسلاميّ بصفته يَنْدرج ضمن تَوَجُّه فلسفيّ يُعارِض النُّزُوع "التّسَيُّديّ" و"التّمَلُّكيّ" بما يجعل «التّحقُّق البشريّ» في هذا العالَم غير مُمْكِـنٍ إِلَّـا على أساس كَوْن الإنسان مخلوقًـا مُكَلَّفًـا على جهة التّعبُّد "ٱلائْتماريّ" و"ٱلائْتمانيّ". فلا يَستقيم عملُ الإنسان، في الإسلام، إِلَّـا بما هو هذا «ٱلعابد ٱلمَأْمُورُ وٱلمُؤْتمَنُ» في إطار عمله «ٱلاستعماريّ/ٱلاستخلافيّ» بالأرض على ٱلنّحو الذي يصير به جِماع «ٱلتَّدْبير ٱلبَشريّ» عملًا خُلُقيًّـا صلاحه مَنُوطٌ بـﭑلاستقامة على "ٱلذِّكْر" و"ٱلشُّكْر" تُجاه الخالق المُنْعِم والرَّبّ الهادِي، ممّا يَقْتضي دَوام "ٱلبَذل" إِحْسانًـا في العمل ومُعامَلةً بالحُسنى.
وفقط في سياق «ٱلنُّمْذُوج ٱلجديد»، يتأتّى إِدْراكُـ أنّ كونَ "التَّنْوير" و"التّحْرير" لا قيام لهما من دُون «ٱلعمل ٱلدِّينيّ» هو ما يجعل إِصْرارَ أدعياء "العَلْمانيّة" على تَعْطيل "الإرث" يُمَثِّل سُوء فهم من قِبَلهم لحقيقة النّظام الإسلاميّ بِرُمّته. وحينما يُعايَن مدى كَوْن الاعتراض على هذا النّظام يَصْدُر غالبًـا عن الخُضوع لمُقْتضياتِ «ٱلأمْرٍ ٱلواقع» كما كَرّسَته عالميًّـا مَوْجاتُ التّدخُّل الغربيّ في القارّات الثلاث على ٱمتداد نحو خمسة قُرون، فلا بُدّ من أن يُؤكَّد أنّه لا شيء يُوجب العمل بـﭑتِّباع سُبُل "التّحْديث" الغربيّ سوى ٱعتقاد أَفضليّتها في ذاتها أو الإقرار بالعَجْز عن الاجتهاد للإتْيان بما يُضاهيها على النّحو الذي يُبرِّر ٱلاكتفاء بتَقْليدها ٱدِّعاءً لـ"الحَداثة" أو تَظاهُرًا بالتَّحُّرر من "التُّراث". وما أشدّ بُؤْسَ الذين لمْ يَبْقَ بين أيديهم من حُجّة غير «تَقْليد ٱلغالِب» أو الارْتهان للكَسَل الفكريّ!
ومن أجل ذلكـ، فإنّ مُناهَضةَ أدعياء "العَلْمانيّة" لـ«ٱلإسلام/ٱلدِّين» تحت مِهْماز الصِّراع الفِكْرَوِيّ (أو الإديولوجيّ) لا تُقِيمُهم بصفة العامِلين حقًّا على "التّنْوير" و"التّحْرير"، من حيث إنهم لا يَفْعلُون شيئا آخر سوى أنّهم يستبدولون سلفَ غيرهم مكان سَلَفهم الخاصّ بما يُتيح لأحدهم حفظ مظهر «الإصلاحيّ المُجدِّد» أو «التّقدُّميّ الثّائر»، بل إنّهم لا يَرَون ضَيْرًا في أن يَكُون سَيْرُهم فقط بما يُرْضِي السّادةَ في الخارج ووُكلاءَهم في الدّاخل؛ كما أنهم لا يَجْرُؤُون على الانْفكاكـ عن جِماع «ٱلأَمْـر ٱلواقع» القائم على تَقْسيمٍ عالميٍّ للشُّغْل يَجعلُ الشُّعُوبَ المُسْتضعَفة في مَقام الخادم التّابع والعبد المُطيع. والحال أنّ النُّهُوض بمُقْتضَيات "التّنْوير" و"التّحْرير" لا يَكُون إِلَّـا بـﭑلعُكُوف على بالغ ٱلاجتهاد في تَحْصيل كُلّ الوسائل الكفيلة بحِفْظ ٱلاستقلال لإقامة "العِلْم" و"العمل" ٱشتراكًـا في شُروط "ٱلمعقوليّة" و"المسؤُوليّة".
ولأنّ «ٱلإسلام/ٱلدِّين» يَقُوم على وُجُوب الخُروج من عبادة كُلّ الآلهة الزّائفة والتّحرُّر من كُلّ الأغلال المُقيِّدة، فإنه لا يَقْبَل أن يَكُون «ٱلتّأْنيس/ٱلتّأنُّس» في حُدود الخضوع لشُروط هذا «ٱلعالَم ٱلدُّنْيَوِيّ» بما يَؤُول إلى حَصْر هَمّ الإنسان في "ٱلتّملُّكـ" و"ٱلتّسَيُّد". ولهذا، فإنّ نظامَ "الإرْث" – إلى جانب «ٱلزّكاة» و«إنْفاق ٱلعَفْو»– تَوْزيعٌ للثّرْوة يُنْصِف المَحْرُومين ويُحَرِّر المَحْظُوظين بمُجتمعٍ يُفترَض فيه أن يَكُون النِّساءُ شقائقَ الرِّجال الذين أُخِذَ عليهم أن يَكُونوا قَوّامِين عليْهنّ بالقِسْط وأن يَسْتَوْصُوا بهنّ خيرًا.
فليس المُجتمعُ بمُنْصِفٍ للنِّساء ما دام يَفْرِض عليهنّ أن يَطْلُبْنَ "ٱلتّحرُّر" بمُغالَبةِ الرِّجال في كُلّ الميادين حيث يَسُود "التّفاوُتُ" وراثةً طبيعيّةً أو ٱجتماعيّةً. وما أشدّ وَهْم "ٱلتّحَرُّر" على النِّساء حينما يُرَسَّخ ٱستغلالُهنّ بِنْيَوِيًّـا خارج البيت وداخله، فلا يبقى أمامهنّ من خيار سوى الانسلاخ عن "الأُنُوثة" كبقية من ماضٍ (يُنْظَر إليه كأنه مُورِسَ فيه «ٱلتَّطْبِيعُ ٱلتّاريخيُّ» للفُرُوق الاجتماعيّة) أو كأَثَرٍ من واقعٍ حاضرٍ يُراد أنْ يُمَكَّن فيه لـ"ٱلتّثْقيف" بما يُؤَمَّـل أن يَمْحُو «ٱلتّمْيِيزَ ٱلجِنْسيَّ» تَخْنِيثًـا وتَبْخِيسًا لتلكـ "ٱلفُحُولة" التي طالما مَثَّلتْ مَعْقل «ٱلسَّيْطرة ٱلذُّكُوريّة» وقَرِينها البِنْيَوِيّ «ٱلعُنْف ٱلرّمْزيّ»!
وهكذا يَثْبُت أنّ "الإرْث" في المُجْتمعات ذات الأكثريّة المُسْلِمة ليس سوى مُشْكلة زائفة يُراد بها إخفاء واقع مُزْدوِج يَتمثّل، من جهة أُولى، في ٱنْعدام البناء القانونيّ والمُؤسَّسيّ لنظام «المُساواة في الحُقُوق والواجبات بين مجموع المُواطِنين»؛ ويَتمثّل، من جهة أُخرى، في كَوْن أدعياء "التَّنْوير" و"التَّحْرير" لا يجدون وسيلة أنجع للتَّغْطيَة على عجزهم الظّاهر في مُواجهة واقع "الظُّلْم" سوى إِلْقاء المسؤوليّة على "الآخر" الذي يَظُنّونه قابعًـا كشبح في ماضي "المُسْلِمين" المُتَّهَمِين عادةً بـ"التّزَمُّت" و"التّعصُّب" أو ماثِلًا كخَطرٍ داهِمٍ في حاضرِ "الإسلاميِّين" المَوْصُومين عُمومًـا بـ"التّطرُّف" و"العُنْف".
ولعلّ التّحدِّي القائم الذي على أدعياء «الحداثة المُتعلْمنة» أن يُبادروا إلى رَفْعه حتّى يُصدِّقَهم جميعُ النّاس في ٱعتراضهم على نظام "الإرْث" إنّما هو أن يُقيموا بُرْهانَهم على أنّ النِّساء في مُجْتمعاتِ المُسْلِمين لم يَعُدْ من حَقٍّ مُضَيَّع لهُنّ سوى نَصيبهنّ الكامل في "الإرْث" بما يُفيد أنّهُنّ قد صِرْنَ يَتمتَّعْنَ بكُلّ حُقوقهنّ الأساسيّة في "التّعْليم" و"الصِّحّة" و"السَّكن" و"الشُّغْل" و"الزّواج" أو أنّهُنّ وَحْدَهُنّ اللَّائي لا يَزَلْنَ يُعانِين هَضْم حُقوقهنّ تلكـ.
ولأنّ هُواة "التّضْليل" لنْ يَستطيعوا الإتْيانَ بمِثْل ذلكـ البُرْهان في واقعٍ يَنْزِلُ بأَثْقالِ ظُلْمه على أكثريّةِ المُواطِنين لرُسوخ بِنْيات "الاستبداد" و"الفساد" فيه، فإنّ أمرَهم يَصيرُ مفضوحًـا بما يُؤكِّد أنّهم يَبْحثُون عن تَحْقيقِ نَصْرٍ معنويّ خاصّ على من يَعُدُّونهم حُماةَ مصدرِ أكبر شَرٍّ في العالَم المُعاصر، وهو الذي ليس (بالنِّسبة إليهم كما بالنِّسبة إلى رُعاتهم وداعِميهم عالميًّـا وإقليميًّـا) سوى «ٱلإسلام/ٱلدِّين». ولَيْتَ مَـنْ كان هذا حالَه يُعْلِـن نِيّاته الحقيقيّة صريحةً ومَرّةً واحدةً حتّى يُعْرَف من أَيِّ مَوْقعٍ لا يَفْتَأُ يَتفانى في ٱلتَّدْليس وٱلتَّشْغيب على مَساكينِ "ٱلمُسْلِمين" و"ٱلمُسْلِمات"!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الجليل الـگُـور

مترجم وكاتب متفلسف   / , المغرب