أضيف في 26 مارس 2018 الساعة 18:06

الساعة الإضافية


رشيد اليملولي
الساعة الإضافية .
استفاق المواطن المغربي على الساعة الإضافية ، التي دأبت الحكومات المتعاقبة على اعتمادها ، بالرغم من عدم الرضى النفسي و الاجتماعي ، الذي يعبر عنه المغاربة بامتعاض بدليل الحوارات و الانطباعات المتولدة عنها ، بشكل قد يدفعنا إلى التساؤل الجدي حول الغاية من فرضها ، عوض عرضها على أنظار المغاربة ولو اقتضى الأمر إجراء استفتاء ؛ ألا يتعلق الأمر بحرية المواطنين ؟ .
غير أن ما يشير الانتباه في تقديرنا الخاص هو اعتماد الساعة الإضافية خارج أي تعاقد اجتماعي ، بعيدا عن أي دراسة مسبقة للنتائج التي قد تترتب عنها ، من جانب العلماء طبعا في العلوم الاجتماعية و النفسية ، بشكل قد يجعل من مسألة سنها و، و اعتمادها مسألة ذات مشروعية اجتماعية ، و بمباركة من المواطن المغربي أو برفض منه .
إلا أن كل هذه " الأحلام " تتبخر على صخرة اسمها فاعل سياسي و تنظيمي ، يراكم بما يكفي من الهزائم ، حتى قد يجعل من هذا الأسلوب الراقي قاعدة للعمل في العمل ، و لنا في تبرير هذا القول دليلان ؛ إصلاح صندوق التقاعد و مسألة تحرير سعر المحروقات ، حيث أبانت لجان تقصي الحقائق عن قدر كبير من الإهمال المتأتي من سوء تقدير الأمور ، تنصلت من خلاله الدولة بمؤسساتها من مستوى معين من المسؤولية ليس السياسية فحسب ، و لكن الحضارية ( التفقير ) ، فلا إصلاح نظام التقاعد استند إلى ما يشفع له بالتنزيل في إطار احترام ضوابط العمل المؤسساتي ، و لا مسألة تحرير سعر المحروقات حافظت على ثقافة المواطن في الاستهلاك في هذا الميدان .
المغزى و الدرس الذي يحيل عليه هذا الإجحاف في تنزيل مقتضيات " العنف " المشروع للدولة ، هو ضرب في مصداقيتها و تفقير الحياة الاجتماعية ، عبر إلغاء القيمة النوعية للاختلافات المجالية و النفسية و الذهنية المرتبطة بالتركيبة الإثنية و الاجتماعية للمغرب ، لدرجة قد تحد من الانخراط الفعلي في مفهوم الجهوية المتقدمة ، التي أبان هذا الإجراء عن فراغ أفقها ، ما دامت لم تنطلق من الواقع الاجتماعي و الثقافي لترسي قاعدة أو قانونا تنظيميا متوافقا بشأنه ؛ فالثابت أن القضايا الكبرى التي لها علاقة وطيدة بالمواطن و حياته اليومية ، لا يجب أن تتم خارج إرادته و موافقته ، و في أحسن الأحوال بعيدا عن مشاركة أو إشراك الفاعل العلمي و النقابي و التربوي ، أما أن تتصور و تعتقد الدولة أنها تمارس جزءا من سلطتها و عنفها المدستر ، فذلك رهين بمستوى إدراكها لنوعية هذا المواطن ، الذي يطيع و لا يناقش ، يتلقى و ينفذ أكثر مما يناقش و يشاكس و يرفض و يحتج ، و إن اقتضى الأمر التمرد على سياسة أو فلسفة غير ديمقراطية من مؤسسة أو مؤسسات ، هي المؤهلة لتطبيق مبدأ الديمقراطية و التشارك و الإشراك ، وليس فقط تصوير المواطن مادة خام تلبي نداء المواطنة في المسيرة الخضراء و مسيرات الغضب على رموز السيادة ، التي يتحول فيها المواطن المغربي إلى نموذج الخيرية و الجمالية و النموذجية ، و حين يتعلق الأمر بحاجة نفسية أو اجتماعية تؤثر على عطائه يتم ضربها بعرض الحائط .
فهل تم التفكير مثلا في إشكال التنقل في القرى و إلى المعامل و إلى مختلف المهن التي تتطلب " أمنا " اجتماعيا و أمنيا ؟ و هل تم التفكير في المحصلة النفسية للأطفال المتمدرسين و آبائهم و أمهاتهم و كيفية تدبير مفهوم الزمن ؟ .
الحقيقة التي مراء فيها أن الدولة تشتغل وفق دلالة الفعل " النفعي " خارج أي خلفية تستحضر الهواجس اليومية و أنواع القلق التي تساور مواطنيها ، و البحث عن سبل تجاوزها بدل تكريسها .
أليس حريا في هذا المستوى من القول أن الدولة بفعلها هذا تحرك الآسن و تحرض على التمرد إذ تهدد الأمن النفسي لمواطنيها ؟ .
و بالمقابل لماذا اختفت فتاوى و تدخلات القطاعات ذات الصلة ( الفقهاء ـ العلماء ـ الإعلام ـ النقابات ـ الأحزاب ) .
القوة ليست بالفعل ، و إنما بتقدير و معرفة الأثر و حدوده و عواقبه المترتبة عنه ، فالرغبة في تنظيم كأس العالم و إن كان مشروعا طموحا ، لا يعني شيئا أما غياب الإنسان و مستوياته النفسية المرتبطة بالطاقة و العطاء و الاقتصاد النفسي ، و لا تفسر القوة بالموارد المالية و إنا تقاس الثروة بالإنسان و رمزيته الدالة على الرغبة في الإنتاج ، فسور الصين العظيم و إن عد إنجازا و معجزة من المعجزات السبع ، لم ينفصل في مبناه و معناه على بناء الإنسان الصيني الذي اخترق كل البيوت و عمر كل الأسواق ، و الأمر نفسه حصل في اليابان و كوريا الجنوبية .
الصمت المطبق قد يعني شيئا واحدا ، الاستقالة من الاحتجاج و طلب المصالحة بأي ثمن .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب