أضيف في 23 مارس 2018 الساعة 18:40

الفلسفة والواقع


Dr. Mougay Bilal

استهلال:
إن نظرة استقرائية أولية للواقع بقصد الوقوف على مكانة الفلسفة فيه؛ تجعلنا نقف على جملة من المعطيات أهمها:
1 ــ إن الفلسفة تتميز بالغموض وتتسم بالصعوبة، لذلك فهي مستعصية على الفهم لدى الكثيرين، الأمر الذي أدى بهم إلى النفور منها وعدم الاهتمام بها.
2 ــ تتسم الفلسفة بالجمود، فهي لا تأتي بشيء جديد، مما يعني أنها مجرد كلام فارغ.
3 ــ الفلسفة هي سقراط، أفلاطون وأرسطو...وهلم جراً.
4 ــ الفلسفة عاجزة عن مسايرة الواقع ــ حيث ترفعت عليه ــ الذي ازدادت مشكلاته وتفاقمت، وإذا بها كما يقولون كالريش بدون دجاجة، يبحث ريشها عن دجاجته والعكس صحيح.
إن جملة هذه المعطيات تدفعنا إلى التفكير في إعادة بناء مفهوم الفلسفة في ظل واقع نابذ لها. الأمر الذي يقتضي طرح مُمكنات جديدة بإمكانها تفكيك وخلخلة هذا الوضع، بحثا في أسبابه وسعيا منا نحو فهم مقتضياته. وهذا ما أنتبه إليه الفلاسفة المعاصرون بعد اللحظة الهيجلية إلى اليوم؛ سواء في السياق الغربي أين نجد فلاسفة بارزين أمثال: هوسرل، فوكو، هابرماس،...وآخرون. أو في السياق العربي أين نجد على سبيل المثال المفكر التونسي فتحي التريكي.
إذا انطلاقا مما سبق، ووفق تلك الرؤية التي سعى من خلالها الفلاسفة المعاصرون إلى تأسيس فلسفة محايثة مفتوحة بإمكانها الالتصاق بالواقع أو ما يصطلح عليه بالمضايفة الواقعية للعقل الفلسفي في العالم المعيش؛ فإن هذا يجعلنا نتساءل على أمر مهم وهو كيفية حدوث هذا التضايف بين المتعالي الترنسندنتالي وبالآخر الحسي أو اليومي المعاش؟
يتخلل هذا الإشكال الرئيس التساؤلات التالية التي نقسمها إلى قسمين:
1 ــ مالتعالي في الفلسفة ؟ وهل كان عامل تقدم لها ؟ أم أنه سبب لها مشكلات عويصة جعلتها تتخبط في أزمة خانقة ؟
2 ــ ماليومي ؟ وهل يمكن للفلسفة استيعابه ؟ وبالتالي هل من الممكن تأسيس فلسفة تتعامل مع اليومي وترتبط بما هو واقعي ؟
1 ـــ الفلسفة ووهم التعالي:
تشير لفظة التعالي Transcendance حسب ما هو وارد في المعاجم والقواميس الفلسفية، إلى التجاوز والمجاوزة، هذا ما أورده جميل صليبا في معجمه الفلسفي حين قال: "إن المتعالي يطلق على مبادئ المعرفة التي نحاول بها مجاوزة عالم الحس والتجربة، وفي هذه المجاوزة كثير من المخاطر والصعوبات" . كما أنه يشير أيضا إلى الارتفاع، فيقال: "تعالى الشيء ارتفع، والتعالي الارتفاع، كالعلو، والعلاء، والاستعلاء" .
"والتعالي في اصطلاحنا أن يعلو الشيء ويرقى حتى يصير فوق غيره، والتعالي أو المتعالي هو المفارق الذي ليس فوقه شيء". كما قد يعني المثالي، أي مجاوزة الواقع والعيش في عالم مثالي مفارق يشكل نسقا خاصا يحياه الفيلسوف أو المفكر، ومن ذلك يقال مفهوم المثالية التي هي نقيض للواقعية.
إن هاته المثالية بمعناها المتعالي هي ما طَبع تاريخ الفلسفة منذ مولدها إلى العصر الحديث، وهو ما يمكن تأكيده من خلال النموذج الأفلاطوني، الذي يقسم العالم إلى قسمين: عالم مادي وعالم مثالي، مفضلا في تقسيمه هذا عالم المثل على العالم المادي بوصفه زائفا ولا قيمة له، مقارنة بعالم المثل الذي يحوي الحقيقية المطلقة، كما أنه عالم طاهر ونقي خالٍ من كل الشوائب التي قد تشوبه.
ومن هذه الزاوية لما تحدث عن الفيلسوف، فإنه قال فيه: "هو وحده الحاضر المقيم في المدينة، أما فكره الذي ينظر إلى هذه الأمور بعين الاحتقار، على أنها أشياء تافهة لا قيمة لها؛ فإنه يحلّق في فسيح الأجواء (...) باحثا في أعماق الأرض يقيس مساحتها متتبعا حركات الأفلاك في ما وراء السماء مدققا في الطبيعة بأكملها وفي كل كائن بكليته دون أن يلتفت إلى ما هو على مقربة منه".
مما يفهم من هذا القول الفلسفي، أن الفيلسوف الحق بالمنظور الأفلاطوني هو من يتعالى عن العالم العيني المعاش، ويتيه بالمقابل في حلقات المعرفة المتعالية ساكنا أبراجه العاجية، وبهذا ينزع نحو الرفعة طلبا للاستقلالية. لكن الملاحظة الجديرة بالالتفات إنه بالرغم من مساعي تلميذه أرسطو الحثيثة للإعادة الاعتبار لما هو محسوس، إلا أنه انتهى إلى تفضيل ما هو معقول على ما هو محسوس.
إن تاريخ الفلسفة زاخر بأمثلة مشابهة، وهو ما يؤكده لنا أيضا النموذج الكانطي بل وحتى الهيجلي، فكانط انبنت فلسفته على أساس متعالي ترنسندنتالي، هذا ما يتضح من خلال نظرته للفلسفة بأنها معرفة من المعارف العقلية الصرفة، حيث يقول: "هي بالتحديد العلم بعلاقة وكل استخدام للعقل بالغاية القصوى للعقل البشري، وهذه الغاية بما هي عليه عليا، ينبغي أن تخضع لها سائر الغايات وتتوحد فيها جميعا". وقال أيضا بأن "المبادئ التي تسمو بالعقل فوق هذه الحدود هي ما يسمى بالمبادئ العليا" . لهذا يجمع الباحثون والمختصون في الحقل الفلسفي على أن فلسفته كانت عقلانية ترنسندنتالية بمعنى متعالية، وهو الأمر نفسه الذي وُصِمت به فلسفة هيجل من حيث أنها أيضا فلسفة عقلانية مطلقة بلغت حد التجريد.
إذا انطلاقا مما سبق وبما أنه "لا يمكن تصور فكر من دون لغة تعطيه مسوغات الوجود ودلائل الحضور" ؛ فإنه لا يمكن تصور فلسفة أو فكر فلسفي من دون لغة. بيد أن الملاحظ هو أن لغة الفلاسفة كانت دوما محل جدال ونقاش، وهذا راجع بالأساس إلى طبيعة المعالجة الفلسفية التي تميزت بالتعالي والمبالغة في التجريد؛ الأمر الذي أدى إلى نشوب خلافات بين الفلاسفة حول العديد من المسائل والقضايا، وهذا ما عبر عنه ديكارت قائلا: "لو كان الفلاسفة يتواضعون دوما على معنى الكلمات، لزال معظم ما يدور بينهم من سجال" .
وفق هذه الرؤية حاول بعض المهتمين بالشأن الفلسفي التفكير في تأسيس موسوعة للاصطلاحات الفلسفية تكون قَمِينة بدَرأ الصراع الذي نشب بين الفلاسفة، "لأنه لا يمكن الافصاح عن التجربة الفلسفية من خلال عنصري الفهم والإفهام بعيدا عن لبوس لغوي، ولا مجال لوجود الموقف الفلسفي دون تشكيل الخطاب المعلن عن الحضور، بل أن النشاط الفلسفي في معظم أجزائه قائم على رغبة مِلحاحة للإقناع عن طريق بسط المفاهيم" . لكن وبالرغم من هذه المحاولة الرائدة، إلا إنها لم تفي بالغرض وبقي الخلاف سائدا بين الفلاسفة بحكم أن هؤلاء أخذو ينحتون مفاهيم جديدة بشكل متواصل.
إن مثل هذا الأمر دفع بثلة من المفكرين والمناطقة والرياضيون إلى التفكير في تأسيس لغة اصطناعية، علمية، تكون دقيقة وصارمة وهي كفيلة بنظرهم لدرأ ذلك الصراع، وهو ما تجسد في إسهامات كل من فريجه وراسل وفتجنشتاين الأول وغيرهم.
فهذا فريجة (1872-1970)، الذي يعتبره الكثير من الفلاسفة من بين الباحثين في الفلسفة التحليلية. كما أكد على الرمزية وبحث في مسألة المعنى بحثا منطقيا من خلال مقالته المشهورة "المعنى والإشارة " سنة 1892 فحاول القيام برد الرياضيات إلى المنطق وذلك بتحليل العبارات اللغوية، ويعد بذلك من مؤسسي "النزعة اللوجستيقية "
وهذا أيضا فتجنشتاين (1889 ــــ 1951) يعتبر اللغة بمثابة تصوير دقيق للواقع، وهي لا تخرج عن هذا الإطار، حيث يقول: "إن أغلب القضايا والأسئلة التي كتبت عن مواضيع فلسفية ليست خاطئة، بل فارغة من المعنى (...)، إن معظم القضايا والأسئلة التي يثيرها الفلاسفة ناشئة عن الإخفاق في فهم منطق لغتنا (...)، وعليه فليس من قبيل المفاجأة أن نقر بأن أعمق المشكلات في الواقع ليس بمشكلات على الإطلاق".
ورغم ذلك فإن هؤلاء وعلى رأسهم فتجنشتاين تعرضوا لنقد لاذع، كون أن مشروعهم هذا يستحيل تطبيقه على أرض الواقع، أو كما سماه البعض باللغة الحلم. هذا ما يبرره أساسا انفلات فتجنشتاين الأول من هذا التيار ليتحول إلى ناقد، وبالمقابل مناصر للتيار الثاني القائل باللغة الطبيعية أو العادية، هذه الأخيرة التي جاءت نتيجة اخفاقات اللغة المثالية في إعادة الاعتبار للفلسفة بتأسيسها على أساس متعالٍ يكون قَمينا بدرأ مثالب المشكلات الفلسفية، ومن ثمة يتوجه بها نحو الدقة بغية تحقيق الموضوعية. بيد أن هذا المسعى تبدد مع نقد تيار اللغة العادية لهذا التصور الذي يعتقد أنصاره ضرورةَ استعمال اللغة العادية، وعدم البقاء في فلك الأبراج العاجية، وذلك من أجل معايشة الواقعي واليومي المرتبط بحياة الناس.
وفق هذا التصور سيعتبر "فتجنشتاين الثاني اللغة هي الاستعمال، ومنه فهي وسيلة مثلى للتفاهم والتواصل بين الذوات في محيط اجتماعي، ومنه فــــاللغة العادية بنظر فتجنشتاين هي " اللغة الجارية التي يتكلمها الرجل العادي أو رجل الشارع في حياته اليومية، كما يتكلمها الفلاسفة والعلماء في غير أوقات بحثهم."
ولعل السؤال هنا: هل يمكن للفلسفة انطلاقا من اللغة العادية استيعاب اليومي ضمن أجنداتها وحقول اشتغالها ؟
2 ـــ الفلسفة واستيعاب اليومي:
أ ـــ الفلسفة واليومي: منطق الصعوبة
أصبح التفكير في اليومي Quotidien راهنا مسألة بالغة الأهمية، بل وحاجة مِلحاحة يقتضيها التوجه الجديد الذي تشهده الفلسفة المعاصرة، ضمن سياق يختلق عن ما سبق؛ يهدف هذا التوجه أساسا إلى معالجة أزمة الفلسفة الخانقة التي تجرعت مرارة تمسكها بفكرة التعالي ورفضها لفكرة المحايثة للواقع، بوصفه فضاء للهامش، وبالتالي فلا فائدة ترجى منه. لكن الفيلسوف المستبصر بقضايا ومسائل اليومي المعاش، والمرتبط بهمومه ومشاكله، بإمكانه أن يتنفس هواء مختلفا يمكنه من أن يطرح من خلاله تحديات على الفكر ليس بوسع الفلسفة بنهجها المتعالي الإجابة عليها أو حتى مجابهتها. ولعل السؤال الأساسي هنا يتمثل في مــــاليومي؟
تكاد تخلو المعاجم والقواميس المختصة في الشأن الفلسفي من كلمة اليومي Quotidien، وبخاصة موسوعة لالاند للفلسفة التي لم تُعر لهذه الكلمة وزنا ضمن اجنداتها ومحتويات مضامينها الاصطلاحية، ــ في حين نجده يشير إلى مفهوم يتلامس معه وهو مفهوم الواقع réalité، حيت يعرفه بأنه "سمة ما هو واقع واقعي حقيقي Réel بأي معنى من معاني هذه الكلمة. وهو ما يكون واقعا سواء اعتبرناه في واحد من عناصره (واقع واحد) أم اعتبرناه في مجمله الواقع ولأن الظواهر عينها هي حقائق ووقائع"ــ. ولعل هذا راجع بالأساس إلى أن هذا المفهوم عُدا هامشيا، مما يعني أن حديثنا اليوم عنه هو أمر جديد أو بالأحرى مستحدث.
وعلى كل حال يمكن استجلاء تعريف اليومي عند الفلاسفة والمفكرين وهو ما نجده المفكر التونسي "فتحي التريكي" (1947) الذي عرفه بقوله: "كل ما يحيط بي وأدركه حالا ومن دون واسطة ليصبح قريبا مني وحاضرا في ذهني حضورا مستمرا. فالمحيط هنا يعني فضاء الحياة اليومية كالعائلة مثلا أو الحي والقرية والمدينة كما يعني أيضا الفضاء الواسع كالبلد أو المجموعة من البلدان". كما يعرفه لنا أيضا الفيلسوف الألماني ولدنفيس بالقول: "اليومي هو كل ما يحدث يوما بعد يوم ويتجدد".
من هذا المنطلق يفهم بأن اليومي هو الواقع المعاش المرتبط بي وبجماعتي التي احيا داخلها. كما أنه يعني الصيرورة والتجدد، فما دام أنه مشتق من اليوم، ونحن نعلم أن الأيام متتابعة ومتلاحقة يوم بعد يوم، فإن هذا يعني أنه مفهوم متجدد وغير قار أو ثابت. وهو ما يجعلنا أيضا نثير التساؤلات التالية: هل بإمكان الفلسفة القبض عليه أو بمعنى آخر هل يمكن أن تحتويه ؟ وكيف لها أن تؤكد حضورها فيه ؟ تلك هي الصعوبة التي تعترض الفلسفة وهي تحاول معالجة اليومي ضمن حقل اشتغالها. فكيف يا ترى حاول الفلاسفة معالجة هذا الإشكال ؟ أو بصيغة أخرى كيف تمظهر اليومي داخل الفلسفة ؟
1 ــ تمثلاته في الفلسفة الغربية:
1 ــ 1 فريدريك نيتشه:
يجمع الباحثين على أن نيتشه مثل عتبة ما بعد الحداثة، ــ أو بالأحرى بوابة التفكير الما بعد ميتافزيقي ــ حيث كانت انتقاداته لمشروع الحداثة المتّصفة بالجذرية والمتّسمة بالشمولية، فاتحةُ أملٍ للمبشرين الجدد بمرحلة ما بعد الحداثة، فنيتشه قام بمراجعة نقدية عميقة لمشروع الحداثة، يمكن نعتها بالجينالوجيا، حطّم من خلالها أوهام الفلاسفة المتمثلة حسبه في ذلك الالتفاف حول العقل ونسقيته، ولا يكتفي نيتشه عند هذا الحد ــ مرحلة الحداثة ـــ بل أنه يؤصل لنقده ـــ وفقا للمقاربة الجينالوجيا ــ بدأً من العصور القديمة، وبخاصة في المرحلة اليونانية أين اعتبر سقراط والفلسفة الأفلاطونية البداية الفعلية لهذا الانحدار والانحطاط الذي عرفه تاريخ الفكر الفلسفي منذ ذلك الوقت. علاوة على نقده للمسيحية التي شلّت بنظره حركة الفكر والتفكير بادعاءاتها المغالية بتملكها للحقيقة المطلقة.
1 ــ 2 أدموند هوسرل:
إن البحث في اليوم هو من المواضيع الحديثة في التفكير الفلسفي، وفي هذا الصدد تشكل المقاربة الفينومينولوجيا لهوسرل يد السبق وما تلاه فيما بعد "ففنمنولوجيا عالم الحياة اليومية قد تصبو إلى تأسيس نظرية عامة لليومي لفهم صيرورته التأسيسية (...) من أجل فهم الدواعي العميقة التي تجعل الكائن في العالم يتمظهر من حيث هو موجود في عالم الحياة اليومية" . كما أنها "ستمكن من الإمساك بتلابيب الواقع الحياتي اليومي الذي يقوم على التغيير والحركة والنسبية دون أن تسقط في الابتذال أو في الآراء المشتركة (...)، ولعل المهمة الأساسية للتناول الفينومينولوجي تكمن في ايجاد الحقل المنطقي الذي يضمن لنا فهم الحياتي دون انغماس في مجاريه ودون الابتعاد الشاسع عنه، دون تقذيم اليومي ودون مدحه وتفريطه، عندئذ يولد هذا الحقل معقولية خاصة تتأقلم مع فهمنا للمعيش فهما جيدا وخلاقا" .


1 ــ 3 ميشال فوكو:
ينظر فوكو للفلسفة على أنها نشاط تشخيصي؛ مما يعني اهتمامه بالراهن المعاش بحثا في أسبابه وسعيا منه نحو فهم مقتضياته، ولهذا ركزت مقاربته الأركيولوجية على التنقيب والحفر على ما كان مغيبا ومهمشا من ساحة التفكير الفلسفي، الذي ظلّ حبيس النسق المتعالي، ومحاولة ابراز الاختلافات بين الماضي والحاضر.
من هذه الزاوية "حاول الكشف عن مظاهر الإكراه والقهر والإقصاء في المجتمع الغربي وكانت من بين الإنهمامات التي شكلت الأرضية المعرفية لفوكو فيما بعد. هذه المظاهر تمثلت في الجنون والمرض في المرحلة الأولى ،والسجن أو العقاب في المرحلة المتأخرة وهي في نظره تجسد الحقيقة الخفية القابعة في أعماق النسق المعرفي الغربي بتجلياته المتعددة (...)، لذا فإن مهمة فوكو كانت محاولة الغوص في هذه المناطق من خلال المعاينة الواقعية والأرشيفية ". لذلك كتب عن الجنون والمرض والسجن والجنس والعيادة، وكل ما هو هامشي ومتعلق باليومي المعاش.
1 ــ 4 : يورغن هابرماس:
يعد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس اليوم بحق في حقل الفلسفة من الأقطاب البارزة والفلاسفة الراهنيون المرتحلون في ثنايا وهموم المجتمع، بقصد الكشف عن أثفياته والوقوف على تحديد جوانبه. غير أن ما يلاحظ أن ما يميز مختلف أعماله التي اتخذت طابعا مرحليا أنها بالأساس فلسفة عقلانية تواصلية نقدية، تحاول أن تدرأ بعمق مثالب فلسفة الذات المحلقة في سماء الوهم المتعالية.
لهذا "إن هابرماس شأنه شأن باقي الفلاسفة الكبار الذين سبقوه، فإنه يتساءل عن أهمية ودور الفلسفة في عصره" . لذلك كتب كثيرا حول الفلسفة ومدى فائدتها في الفترة الراهنة، كما أنه حاول إعادة تعريفها وإعادة بنائها بالشكل المطلوب، مخلصا اياها من رواسب الميتافيزيقا التي كبلتها، داعيا الى فكر ما بعد ميتافزيقي يؤكد فيه على فكرة التذاوات بذل الذاتية، وعلى التفاعل بدل الاستقلالية، وهذا ضمن اطار مشروعه العام براديغم التواصل الذي يقوم على الإتيقا، التداولية، الحجاج.
ويمكن اختصار انشغال هابرماس بالفلسفة في علاقتها باليومي في التساؤل التالي: أي دور للفلسفة في براديغم التواصل ؟ وهو ما حاول تطبيقه على ميادين عديدة انطلاقا من ايمانه بفكرة الفضاء العمومي بما هو فضاء للنقاش والحوار، من هذه الزاوية عالج مسائل من قبيل، مسألة التقنية، قضية البيوإتيقا، قضايا العنف والتطرف والإرهاب...الخ.
ب ــ تمثلاته في الفكر العربي المعاصر:
1 ـــ فتحي التريكي:
يعد المفكر التونسي "فتحي التريكي (1947)، من بين المفكرين العرب القلائل الذين انشغلوا بمسألة اليومي في الفلسفة، فهو صاحب كتاب "فلسفة الحياة اليومية" تناول فيه موقفه من اليومي في الفلسفة، معتبرا أن هذا الأخير هو "كل الأشياء التي تحدث بصفة منتظمة في عالمنا وتصبغ حياتنا العادية" . وفي مسعاه هذا تحدث عن مجموعة من المفاهيم لعل أهمها "الفيلسوف البهرج" الذي " لا يعير اهتماما للمجلات العلمية والاجتماعية، فيرتفع عن الخوض فيها وفي مجلاتها المتعددة، فهو الذي يبقى رهينة الأفكار المجردة والتصورات المتعالية دون ربطها بالحاجيات الإنسانية الملحة" .
مما يفهم من هذا أن الفيلسوف البهرج عند التريكي هو الذي يعيش في أبراجه العاجية، منعزلا عن الناس وعن الواقع المعاش وهمه الوحيد هو نسقه الفكري المتعالي الذي يشتغل عليه. وهي مفارقة غير مقبولة بنظره لأنه كيف لهذا الأخير أن يحظى بقبول اجتماعي وهو مترفع عن هذا الواقع أصلا.
وفي سياق حديثة عن اليومي في الفلسفة يوضح التريكي الاختلاف بين التحليل الفلسفي للواقع وغيره من التحليلات الأخرى كالاجتماعية مثلا، أو حتى النفسية التي تجري دراسات بحثية لعينات معينة مطبقة عليها خطوات بحثية معينة، إن التحليل الفلسفي للواقع" يتمثل في استخراج المعنى المؤسس لليومي وطبيعة الحركية التحولية، موضحا في ذلك امكان هذا المعنى الذي يبدو وكأنه بديهي في عالم الحياة، فالفلسفة تبحث داخل الحاضر العادي اليومي حضوريته وداخل الظاهر ظاهرايته، وهكذا لن تتخلى الفلسفة عن كنهها الأصلي المتمثل في التعالي والتجريد والبحث عن المعنى والكلمات" .
خلاصة:
من خلال تطرقنا في هذه المداخلة للعنصرين التاليين:
1 ــ الفلسفة ووهم التعالي.
2 ــالفلسفة واستيعاب اليومي.
توصلنا إلى نقاط مهمة هي كالتالي:
1 ــ وهم التعالي في الفلسفة موقف نَخِر الحضور الفلسفي منذ اللحظة اليونانية إلى غاية المحطة الهيجيلية، أين بقيت الفلسفة حبيسة أبراجها العاجية، مترفعة عن الحياة العادية.
2 ــ أختلف الفلاسفة المعاصرون حول طبيعة اللغة الفلسفية بين الصرامة المنطقية، الأمر الذي انتج لغة مثالية أو اصطناعية، وبين الخضوع للحس والواقع، الأمر الذي أنتج لغة عادية مرتبطة بالحياة اليومية.
3 ــ إن اليومي مفهوم زئبقي، لا يمكن القبض عليه بسهوله، نظرا لحركيته وتجدده المتواصل.
4 ــ وفق هذا التصور حاولت الفلسفة أن تجد له معنى، يجعله يرتقي إلى مستوى التفكير الفلسفي دون الإخلال بطابع الفلسفة المتعالي.
5 ــ هذا ما يمكن اعتماده من خلال مقاربات تقدمها الفلسفة لليومي حسب السياقات الغربية والعربية.
6 ــ كل ذلك يجعلنا نرى بضرورة خلق تقارب بين اليومي أو الواقعي والفلسفة لنصل إلى تفكير فلسفي يومي رصين قَمِين بمعالجة اشكالات الحاضر.
قائمة المصادر والمراجع:
أ ـــ قائمة المراجع:
ـــ بشير خليفي، الفلسفة وقضايا اللغة قراءة في التصور التحليلي"، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر وبيروت،ط1، 2010.
ـــ فتحي التريكي، فلسفة الحيــاة الــيومية ،الــدار المتوسطية للنشر، بيروت وتونس، ط1، 2009.
ـــ محمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، التفكير الفلسفي، دار توبقال، ط2، 2004.
ــ مهيبل عمر، من النسق إلى الذات، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر وبيروت، ط1، 2007.
ـــ زيدان محمود فهمي، في فلسفة اللغة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، دط، 1985.
ب ــ المجلات:
ـــ الأشهب عبد السلام، دور الفلسفة في براديغم التواصل، مجلة لوغوس، مجلة سنوية محكمة تصدر عن دار كنوز، العدد الأول، تلمسان، جويلية 2012.
جـ ــ المعاجم والموسوعات:
ـــ صليبيا جميل، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والانجليزية واللاتينية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، دط، 1982.
ــــ اندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، مج 1، تعر: خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت وباريس، ط2، 2001.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Dr. Mougay Bilal

فلسفة اللغة والتواصل   / أدرار , الجزائر