أضيف في 22 مارس 2018 الساعة 20:01

قصة ( حكايتي مع الحب)


فاطمة الشبي
250 حرف على الأقل، 24 ساعة للنشر من جديد.
عندما جاءتني ابنتي "ليلى" تخبرني بأنها وقعت في شباك الحب، انتابني إحساس فيه مزيج من الخوف والفرح والحذر، فابنتي الآن في مقتبل العمر، زهرة من زهور الشباب، وفي سن المراهقة وقد يكون الإحساس الذي تملكها لم يحن وقته، خاصة أنني أراها مازالت لم تنضج بعد، ولم تصل إلى السن الذي يتلاحم فيه عقلها بقلبها، السعادة الكبيرة التي غمرت حياتها أخذت على العكس تسعر مخاوفي وتزيد من لهيب الحيرة في داخلي، لذلك فكرت أن أخبر زوجي بسر هذا التحول المباغث الذي اقتحم فضاء ابنته، عله يقاسمني الهم ويجتهد معي لإيجاد حل لهذا المشكل الذي لن تؤمن عواقبه.....
عدت بذاكرتي إلى الوراء، إلى سنين خلت من حياتي، أسترجع عبرها ذكرى أول علاقة حقيقية نسجتها مع رجل شعرت معه بالحب والاطمئنان والحماية.
كان سني ساعتها يتجاوز سن ابنتي الآن بسنوات، وكانت علاقاتي بزملائي من الذكور عفوية لكن لم يشبها طيش الشباب، عشت أيام مراهقة عادية لدرجة يخيل إلي أنني لم أعشها قط، لم أكن أعرف فيها الحب إلا عبر روايات جبران خليل جبران أو أغاني أم كلثوم.... أما الحديث عنه بالمباشر والمكشوف، فكان لا يتم إلا خلف الستائر، كأنه طابو محرم يخدش الوقار ويحط من الاحترام... وبالتالي لم تكن الشجاعة متوفرة لدي أو حتى لدى زميلاتي للتعبير عما يخالج شعورنا من أحاسيس مرهفة خوفا من "عيب"، "غلط"، "كلام الناس..." كنا نحب في صمت و نكره في صمت... فما أكبر الفارق بيني و بين ابنتي، هذه التي أتت الساعة تكلمني عن "سيرة الحب"، فعلا إنه جيل التحرر والثورة على كل العقد، ولا أدري ما أفعل، هل أعاتب ابنتي على جرأتها أم ألوم نفسي على تحجرها؟؟؟؟
بعدما تعرفت على "خالد" من خلال تعاملي معه بحكم أنه كان مديرا بإحدى الشركات وأنا كنت المسؤولة عن العلاقات العامة بشركة أخرى، أحببته كثيرا، فقد كانت تتوفر فيه كل المواصفات التي تحلم بها أي فتاة مثلي تخطت العشرين بسنوات، أذكر أن الدنيا لم تسعني من الفرح حين اعترف لي:
_ أحبك....
ساعتها طرأ تغيير مفاجئ على حياتي، فصرت بالفعل عاشقة لها ومحبة لبني البشر كلهم، أخذت أحن للغد وأعد صباحاته بالدقائق، بل لا أغمض عيني في المساء إلا بعد أن أرسم أطيافا وردية لما سيحمله الغد من آمال سعيدة، أصبحت أجلس أمام المرآة لفترات طويلة، أصفف شعري وأرتب ملابسي عشرات المرات، ولا أبرحها إلا بعد أن أجهز لملاقاة أعز الناس، وأنا في أبهى صورة وأجمل شكل.
لم أستطع إخفاء شعوري، وأضحى أمره باديا للجميع، لأهلي، لزملائي، لصديقاتي، للدنيا بأكملها. او ليس "ذلك أمر العشاق مفضوح"؟؟؟ استمرت علاقتي ب"خالد" سنة كاملة، وكانت مدة كافية للتعارف بيننا وانصهارنا في بعضنا البعض، فقد تكسرت كل الحواجز بيننا، بطهر وعفاف وبراءة... أصبحت أعرف عنه كل شيء، ما يحب وما يكره، ونفس الشيء بالنسبة له، كانت لقاءاتنا شبه يومية وجلساتنا تستمر لساعات، همس الحب فيها كلامنا، وكلماته الحنونة غذاؤنا وشرابنا. مازلت أذكر ذلك اليوم الذي غاب فيه عني "خالد"، بعدها فوجئت بصوت سكرتيرته ترد على هاتفه:
_ مرحبا أنسة "سميرة".. السيد "خالد" في مهمة مستعجلة تدوم لثلاثة أيام.
كانت هذه هي المرة الاولى التي يسافر فيها دون إخباري... داخت بي الدنيا ولم تعد قدماي قادرتان على حمل جسدي و بدأت الشكوك تهيم بي في كل واد....
وأنا في متاهة البحث عن علة هذا السفر الذي ألهى الحبيب عني، رن الهاتف، فانبعث صوته من السماعة باردا كرنة موسيقية:
_ "سميرة"... هل أستطيع رؤيتك على وجه السرعة، لمناقشة أمر يهمنا.....
غادرت عملي و قلبي يرفرف فرحا.. ارتبكت خطاي، وصرت أمشي مرة وأعدو مرات، أطوي الطريق طيا وأشواقي تسبقني بمراحل لملاقاته، و آآآآآآه.... كم غرت من تلك الأشواق في تلك الساعة، أن تسبقني فتكون هي أول من يسمع البشرى والخبر السعيد الذي طالما انتظرته: "موعد الخطوبة" الذي وعدني بأنه سيكون مفاجئا ! ... نعم كانت المفاجأة !!!! ويا لها من مفاجأة... لقد أخبرني بنبرة أبرد من قطعة ثلج عن موعد الخطبة... لا ليس خطبتنا... بل خطبته على قريبة اختارتها أمه، وإن غيابه عن العمل لم يكن إلا لهذا الغرض، بقيت واقفة، كالحة الوجه، أحاول تمرير الريق عبر الحلقوم دون جدوى، وأنا لا أدري ما أصنع بنفسي...
كيف يفعل بي ذلك؟ هل ما كان بيننا مجرد وهم نسجه خيالي الرومانسي؟ أم هو حلم عشته انفلت من بين أصابعي ؟
بدا كل ما بنيته مجرد سراب، أخل بتوازني وأخل بقدرتي على النطق، تركته يحكي ويبرر دون أن آبه لما يقول.
رجعت لتوي و أنا لا أعلم أين المسير، قطعت المدينة بأكملها سيرا على الأقدام دون أن أشعر، حاولت ابتلاع الخيانة التي وأدت كل أحلامي، كرهت الدنيا وما فيها، كل شيء بدا مظلما، أستشعر الفراغ يكتسحني من الداخل، كل شيء عبث في عبث، لما عدت إلى البيت، أجهشت في بكاء طويل ودخلت دوامة من الصمت والشحوب، لا أكلم أحدا ولا أطيق أن يكلمني أحد، كنت مجبرة على طلب إجازة طبية علها تساعدني في اجتياز الانهيار العصبي الذي ألم بي، وأبقى في مأمن من نظرات الشامتين.
كانت أياما عصيبة تلك التي مررت بها، أثقلتني بالهموم حتى صرت لا أقوى على التنفس، إذ لم يكن من السهل علي تحمل الخيانة والفراغ الذي تركه "خالد" في حياتي، كان الموت أهون علي مما أنا فيه، تمنيته مرارا لكن الأجل بيد الله، وحدها "لطيفة" أقرب إنسانة إلي ومازالت الشاهدة على مأساتي، وتحكيها بالتفصيل كلما جرى الحديث بيننا عن الماضي، كانت بالفعل صديقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى فلقد فعلت كل ما بوسعها لمساعدتي على تخطي المحنة.
أذكر أنها توسطت ل"خالد" بعد أشهر من الفراق، و طلبت مني العفو عنه، لقد حاولت إقناعي بأنه نادم على كل ما بدر منه وأنه مازال يحبني ولا يستطيع التفاعل مع امرأة أخرى لا يشعر نحوها بالحب الذي يشعره اتجاهي، في البداية رفضت مقابلته، وأصررت على موقفي، وآليت على نفسي ألا أسمح له بإسالة دماء أخرى من جراح ما اندملت إلا قريبا، ولا أنكر أنني أحسست ببعض الارتياح وأنا أرى كرامتي التي أهدرها بحديثه عن عروسه المرتقبة يعاد لها الاعتبار، رفضت المقابلة وامتنعت عن الاستجابة لمكالماته المتكررة عبر الهاتف، لكن "لطيفة" رتبت اللقاء بدون علم مني – وهذا ما سأعرفه بعد سنوات - لقد أخبرته بمكان لقاءنا الذي دعتني للجلوس فيه، وضربت له موعدا لم يخلفه، فعلا جاء "خالد" وما إن رأيته حتى اهتز له قلبي من جديد، اقترب مني وصافحني، وجدت نفسي لحظتها غير قادرة على التحكم في أحاسيسي أمامه، حاولت المقاومة لكنني استسلمت، وبدون شعور رددت عليه السلام...
غادرتنا "لطيفة"، وبعد إلحاح استجبت لدعوته بتناول فنجان قهوة، رأيت شكل "خالد" قد تغير، فلم يعد بتلك الأناقة التي عهدتها فيه، كان متعبا ومنهكا، يتكلم لحظة ويسكت لحظات، وكأنه يبحث بعينيه عن كلام ضائع، أبدى الندم واعترف بالخطأ ورجا السماح، أما أنا فلم أقوى على الرد، وكانت نظراتي المشفقة على حاله كافية للتعبير عما يزال يحمله قلبي اتجاهه، ففي لحظة واحدة نسيت أشهر العذاب والمعاناة وتمنيت لو أسعفتني كرامتي لأصيح بأعلى صوتي:
_ نعم سامحتك...
حاولت أن أخفي مشاعري اتجاهه فلم أستطع، وجدت يدي تمتد نحوه لتمسح دمعة نزلت على خده ثم نطقتها أخيرا بصوت دافئ يموج بالعاطفة التي يحملها قلبي:
_ سامحتك...
إذ ذاك أشرقت بسمة مختلطة بالبكاء على محياه ، وهوى على خدي يبصمه بقبلة أمام الملأ أخجلتني.
لم أكن أتصور أن عودتنا لبعضنا البعض ستكون بالشكل الذي هي عليه اليوم، فقد مضى على زواجنا الآن أكثر من عشرين سنة قضيناها كلها في حضن معاشرة دافئة كلها حب وود واحترام، رزقنا فيها بأربعة أولاد وثلاثة أحفاد، "خالد" الذي قضى حياته يتقاسم معي مشاكل البيت ومشاغل الأبناء، هو أبو ابنتي "ليلى" أخر العنقود التي جاءتني تحكي لواعج الحب اليوم، وهو ذاته الذي يتقاسم معي الخوف عليها من تجربة قد لا تنتهي بالشكل الذي انتهت به تجربتنا...
فاطمة الشبي
تمت


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : فاطمة الشبي

استاذة لغة عربية   / سلا , المغرب