أضيف في 21 مارس 2018 الساعة 19:10

ســــؤال الـــتـــواصل بين الــفهــــــم الـــديني والــعلمـــاني ''قراءة في تصور يورغن هابرماس لمجتمع ما بعد العلمانية''


Dr. Mougay Bilal
"لقد اتخذّت إلى حــد الآن موقف المراقب الاجتماعي في محاولــة الإجابـة
عن سؤال لمــاذا لا يمكن تسمية المجتمعات المعلمنة بـ "ما بعد العلمانيــة"،إن الديـــن في هذه المجتمعــــــات يحتفظ بمطالبتــــــه بتـأثير عمـــــومي وأهميــــــــة وثيقة." (يورغن هابرماس، (1)
الملخص:
إن انتشار ظاهرة التطّرف والعنف والإرهاب في العالم، بوصفها أمراضاً للتخاطب والتواصل الإنساني؛ نتيجة ما تحمله من قناعات ايديولوجية متباينة تكّرسها أصوليات متطرفة، أثمرت نتائجها عن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م ـــ أين كان انفجار التوتر والصراع بين ماهو علماني وما هوديني ـــ استدعى من "يورغن هابرماس" Jürgen Habermasباعتباره فيلسوفاً يهتم بالراهن، إلى إعادة النظر في العلاقة التي يجب أن تكون بين ماهو ديني وما هو علماني. لهذا يقترح متجاوزاً إشكالية الديني والعلماني، ما أسماه بـ"مجتمع مابعد العلمانية" "société post-séculière" ، وذلك لدرأ مثالب التطرف الديني و العلماني معاً.
إن المتطرفون بنظر هابرماس، سواء كانوا متديّنيين أم علمانيين هم جينات مختلفة، ولكن بالمقابل الحمض النووي واحد، من هنا دعا إلى بعث ثقافة الحوار والتعايش والتسامح بين الفهم الديني والفهم العلماني.
الكلمات المفتاحية: الدين؛ العلمانية؛ التواصل، الحوار؛ التعايش؛ التسامح؛ مابعد العلمانية.
اشتهر الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس" Jürgen Habermas (1929م) بمواقفه العلمانية الصارمة، المتجسّدة في كتاباته المبكرة، التي لم يركز فيها على الدين بقدر ما ركز على العلمانية الغربية، وهو المعروف بأنه صاحب فكرة أن "الحداثة مشروع لم يكتمل"، لذلك سعى جاهداً إلى تطعيمها واعادة بنائها من جديد وفق عقل تواصلي يسعى إلى الاجماع ويدرأ مثالب العقل الأداتي؛ الذي هو وريث الأنوار.
لكن الملاحظة الجديرة بالالتفات أنه بدءاً من سنة 2001، حدث منعطف هام وحاسم في مسيرة "يورغن هابرماس" تمثّل أساسا في اهتمامه بالمسألة الدينية، التي ستأخذ حيزا هاماً من تفكيره بوصفها رهاناً نتيجة ما تطرحه من تساؤلات وما تستوجبه من استفسارات، من هنا صار يعتقد أن المقولات والتنبؤات القائلة بنهاية الدين وزواله، هي بحاجة ماسة إلى مراجعة نقدية عميقة، حيث عرف الدين عودة قوية في مجال الفضاء العمومي.
وما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد، أن هذه العودة القوية للدين يراها هابرماس مشوهة بأساليب العنف والتطرف والارهاب، نتيجة أَنِميَة في التواصل أو فقر دم في التعايش، ولا يكتفي هابرماس بهذا فحسب بل يرى أن القناعات العلمانية هي الأخرى متطرفة مما يجعلها بحاجة إلى تصويب وتعديل.
إن مثل هذا الوضع استدعى من هابرماس ضرورةَ إعادة التفكير في طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين ما هو علماني وما هو ديني، فكان مفهوم مجتمع ما بعد العلمانية المقترح الذي قدّمه كأساس لتحديد طبيعة هذه العلاقة، ولعل هذا الطرح يدفعنا إلى التساؤل عن معنى مجتمع ما بعد العلمانية الذي يقترحه هابرماس، وكيف له أن يدرأ مثالب الصراع الديني العلماني ؟
1 ــــ في مفهوم الدين والعلمانية:
أ ـــ في مفهوم الدين: Religion
إن تعدد وتشعّب المعتقدات الدينية في العالم، يجعل من مسألة تعريف الدين ــ على مفهوم واحد جامع مانع ـــ ليكاد يكون أمراً عسيراً، الأمر عائد بالأساس إلى أنه لكل ديانة معتقداتها الخاصة وفهوماتها للدين، التي قد تختلف وتتباين من ديانة إلى أخرى. وعلى سبيل المثال إذا ما حاولنا تعريف الدين وفق الأديان التوحيدية الثلاث (اليهودية ـــ المسيحية ــــ الاسلام)، لأمكننا القول بأن الدين تعبيرٌ عن مجموعة من القيم والشعائر الدينية "نحو الله الخالق للوجود و نحو الجماعة ونحو الإنسان" (2)، لذلك كانت هذه القيم الروحية ذات بعد ميتافزيقي متعالٍ على الوجود ومرتبطة بالله الخالق للوجود.
من هذا المنظور يكون الدين عبارة عن "علاقة بين طرفين ــ طرف خالق وطرف مخلوق ـــ يعظم أحدهما الآخر ويخضع له"(3)، ولكن في تعريفنا هذا سنكون اختزاليين، لأن هكذا تعريف لا يصدق على جميع الأديان أو المعتقدات الدينية في العالم.
لهذا من الأفضل القول أن الأديان في العالم جميعها على اختلافها وتعددها تشترك في منظومة من الخصائص، تتضمن "مجموعة من الرموز التي تستدعي الاحترام وتوحي بالرهبة، كما أنها ترتبط بمجموعة من الطقوس والشعائر أو الممارسات الاحتفالية التي يؤدّيها من يعتنقون هذا المذهب الديني أو ذاك، ويحتاج كل واحد من هذه العناصر إلى بعض التفصيل والايضاح، ففي بعض الديانات يؤمن الناس بقوة واحدة سماوية مقدسة يعبدونها، وهناك شخصيات أخرى في بعض الديانات مثل بوذا، وكونفوشيوس تستوجب الاحترام والتقدير، غير أنها لا تستلزم التقديس والعبادة".(4)
ب ـــــ في مفهوم العلمانية: Secularism
إن مسألة العلمانية وما يرتبط بها من مفاهيم، كالحداثة، الديمقراطية، اللائكية...الخ، تجعل من إمكانية حصرها في مفهوم واحد أمراً في غاية الصعوبة، الأمر عائد بالأساس إلى السياق الأوربي الذي ولدت فيه. إذ جاءت لتحلّ المشكلات التي كانت تعاني منها أوروبا في ظل سيطرة الكنيسة وهيمنتها؛ ومعلوم أن هذه الأخيرة حاربت من غير هوادة كل من ينتقدها أو يخالفها أو حتى يأتي بشيء جديد.
إن مثل هذا الوضع عجل بقيام الثورة الفرنسية، التي جاءت كرّدة فعل معارضة وناقمة على تلك الأوضاع المزرية التي وصلت إليها أوروبا معلنة عصرا جديدا عنوانه" ميلاد الفكر العلماني والحداثة الغربية"، ومن ثمة شاع تعريف العلمانية على أنّها فصل الدين عن الدولة، دون تحديد طبيعة هذا الفصل، أهو فصل كلي نهائي، شمولي، أم أنه فصل جزئي أو برغماتي؟ من هنا وجب التمييز بين نوعين من العلمانية (5): (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة)
1 ـــ العلمانية الجزئية: تعني فصل الدين عن الدولة، وهو أكثر التعريفات شيوعا للعلمانية في العالم، سواء في الغرب أو في الشرق والعبارة تعني حرفيا فصل المؤسسات الدينية (الكنيسة) عن المؤسسات السياسية (الدولة)، وهي تحصر عمليات العلمنة في المجال السياسي وربما الاقتصادي أيضا (وفي بعض المجالات في رقعة الحياة العامة)، وتستبعد شتى النشاطات الإنسانية الأخرى أو تَلزم الصمت بخصوصهما، بمعنى أنها تشير إلى العلمانية الجزئية فحسب.
2 ـــ العلمانية الشاملة: تعني فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، لا عن الدولة فحسب، وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، بحيث تنزع القداسة عن العالم وتحوله إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى.
2 ــــ التنبؤات القائلة بزوال الدين:
عرف الدين الإسلامي إبان فترة القرون الوسطى أوج ازدهاره ووصل إلى قمة عطائه، إذ مثّلت عصره الذهبي وجسدت قمّة حداثته، وفي مقابل هذا التصور كان الواقع المسيحي يعيش على أنغام التخلف، الركود والجمود، الأمر الذي جعله يتخبط في مشاكل عديدة تمخّض عنها ميلاد الفكر العلماني، إنه ميلادٌ من طبيعة مختلفة حمل في طياته لواء الفصل بين ما هو ديني وما هو علماني، ومع ما تلى من عصور بات جلياً بأن الدين يسير في طريق مسدود والعلمانية تسير في طريق مفتوح، وهو ما تأكد وتجلى للعيان بعد انهيار الحضارة الإسلامية بقيادة الدولة العثمانية، وتقسيم تركتها على الدول الاستعمارية الأوربية، التي زرعت بذور الفكر العلماني في بلاد المسلمين.
بناء على ما تقدم؛ ظهرت مقولات وتنبؤات تقول بنهاية الدين وزواله في الفضاء العام ــــ سواء من طرف فلاسفة عصر التنوير أو فلاسفة الفترة المعاصرة ــــــ تجسدت من خلال أعمال أغلب المفكرين والفلاسفة أمثال هيجل Hegel (1770 ــــ 1831) الذي يعتقد أن العقل بدقّته المفهومية المتفوقة قد تخطى الدين. وفيورباخ (1804 ــ 1872) الذي صوّر علاقة الإنسان بالألوهية في كتابه "جوهر المسيحية"(1841) على أنها لعبة قوى محصّلتها الصفر، معتبراً الإلحاحَ على الإيمان والتقوى ينتقص من رفعة الغايات الإنسانية.(6)
أما اوجست كونت (1798 ـــــ 1857) من خلال قانون الأحوال الثلاث الذي اشتهر به، اعتبر أن الدين مرحلة تم تجاوزها، و قانونه هذا يتضمن: 1 ـــ المرحلة اللاهوتية 2 ــــ المرحلة الميتافزيقية 3 ـــ المرحلة الوضعية. كما اعتبر كارس ماركس (1818ــ 1883) أن الدين بشكله التقليدي سيختفي، بل لابدا من أن يختفي (...) وعلينا في نظر ماركس أن لا نخشى الآلهة التي صنعناها بأنفسنا وأن لا نضفي عليها المُثل والقيم العليا التي يمكن للبشر أنفسهم أن يحقّقوها، وأعلن في أحدى عباراته الشهيرة "أن الدين أفيون الشعوب"، كونه يرجئ السعادة والجزاء إلى الحياة الأخرى، ويدعو الناس إلى القناعة والرضى بأوضاعهم في هذه الحياة ويؤدي إلى صرف الانتباه عن المظالم ووجوه التفاوت واللامساواة في العالم.(7)
كما يعد فريدريك نيتشه (1844 ــ 1900) من بين أجرأ وأشجع المفكرين والفلاسفة مناهضةً للفكر الديني ومناداةً بالفكر الحر، وذلك من خلال اعلانه موت الإله، إذ يقول: "لقد مات الإله كليا وإلى الأبد، ويجب وعي ذلك بالكامل وبوضوح".(8)
وفي الفترة المعاصرة يُعتبر أنصار الوضعية المنطقية القطب البارز في نقد الميتافزيقا، خاصة مع أهم وأبرز روادها كـ"رودلف كارناب" و "جولس الفرد آير" وآخرون، حيث كان مسعاهم تخليص الفلسفة والعلم من الميتافيزيقا والقضايا الفارغة بوصفها لغواً، مبرهنين بوسائل منطقية وتجريبية على أن قضايا الميتافيزيقا لا معنى لها، انطلاقا من مبدأ التحقق الذي يقتضي ربط القضايا بالواقع.
وإذا انتقلنا إلى هابرماس وموقفه من الدين من خلال كتاباته المبكرة، نجده لم يركّز على الدين بقدر ما ركّز على الحداثة الغربية، مُعتبراً أن الدين بمعناه الكلاسيكي مرحلة تم تجاوزها إلى فكر ما بعد ميتافزيقي. هذا ما نجده متجسدا أساسا في كتابه مابعد الميتافزيقا، الذي عرف فيه "ما بعد الميافزيقا" على أنها "حالة تاريخية معرفية تتجاوز المراحل الأسطورية والميتافزيقية التي حكمت العقل الإنساني، ويعد هذا المصطلح تعبيرا عن البعد النقاشي الذي يعيد للإنسان سلطته في عالم نخره الحضور الميتافزيقي حتى مع التيارات العلموية المتطرفة، لذلك فلا مناص ـــ إذا أردنا دنيوة المعايير والفعالية الإنسانية وتحصيل سيادتها ـــ من أن نعتمد البعد الحجاجي ـــ النقاشي لتحصيل التوافق والاجماع حول الحقائق المتضمنة في خطاباتنا. وكأن هابرماس هنا يريد أن ينشئ لنا قانون الأحوال الأربع المخالف لثلاثية كونت، وهو(9):
ــــ الحـالة الأسطورية ـــ الحالة الميتافزيقيـة ـــ الحالة الوضعية ـــ الحالة ما بعد الميتافزيقية".
وفي عمله الفلسفي الأساسي "نظرية الفعل التواصليthéorie de l’agir communicationnel " (1981، في جزأين)، نجد فكرته المحورية المتعلقة بـ"إضفاء الطابع اللغوي على المقدس"؛ حيث يؤكد فيها هابرماس على أن أفكار المساواة والعدل الحديثة هي استنباطات علمانية من التعاليم والوصايا الدينية؛ ذلك أن "نظرية العقد" في السياسة ــ تلك النظرية التي هي أساس التصور الحديث لـ"الحكم برضا المحكومين"ــ ما كانت لتقوم لولا عهود العهد القديم ومواثيقه؛ والأمر نفسه بخصوص فكرة "الجدارة الداخلية التي تشكل أساس حقوق الإنسان؛ على اعتبار أنها تنبع مباشرة من المثال المسيحي القائل بتساوي البشر جميعا في نظر الإله الأب، ويرى هابرماس أنه لو ضمر هذا المصدر الديني من بين مصادر الأخلاق والعدالة ضُمورا كاملا؛ لكان من المشكوك فيه أن تتمكن المجتمعات الحديثة من تعزيز هذه المُثل وتثبيتها بوصفها مُثلا خاصة بها.(10)
3 ــــ عودة الدين في (الفضاء العمومي*):
إن الفكرة القائلة أن الدين قد ولى في المجتمعات المعاصرة تتطلب اليوم مراجعة حقيقية، حيث يلاحظ "هابرماس" عودة بارزة للدين في الآونة الأخيرة، ويعطى مثال الولايات المتحدة الأمريكية، فرغم أنها تُرتب في قمة دول التحديث والعلمانية، إلا أننا نلمس حضورا متزايدا ومتناميا لدور الدين في الحياة الاجتماعية والسياسة؛ لدرجة صعود مرشّحين رئاسيين بفضل تعاطفهم أو انتمائهم لكنيسة معينة وسقوط آخرين بسبب إهمالهم للدين.(11) وفي هذا الصدد يقول هابرماس "إن القناعة العلمانية بأن الدين سينقرض في كـل أنحاء العـالم فــي خِضـم التحديث المتسارع تتآكل. فوق كل ذلك، أن ثلاثة ظواهر متطابقة تجتمع لخلق الانطباع عن (ظهــور عالمي جــديد للديـن) الامتــداد التبشيــري، الـراديكاليــة الأصولية والتوظيف السيـاسـي للإمكانية المتوفـــرة للعنـف المتأصلة فــــي الكثير من ديانات العالم"(12)
في هذا السياق يمكن تحديد بعض المحطات التي جعلت من هابرماس يهتم بالدين، يمكن تلخيصها فيما يلي(13):
1 ــ خريف 2001م بمناسبة تسلمه جائزة السلام التي تمنحها رابطة الناشرين الألمان، حيث ألقى محاضرة بعنوان "الإيمان والمعرفة".
2 ــ بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وما تبعها من نقاش حول الدين الإسلامي.
3 ــ في العام 2002 أصدر كتابا بالإنجليزية بعنوان: "الدين والعقلانية" مقالات في العقل والله والحداثة".
4 ــ في العام 2004 شارك في حوار مع الكاردينال "جوزيف راتسينغر" حول "جدل العلمنة: العقل والدين".
5 ـــ أفريل (نيسان) 2005، شارك في مؤتمر دولي حول "الفلسفة والدين" بدولة بولونيا بمداخلة عنوانها: "الدين في المجال العمومي".
ويشير هابرماس في محاضرته هذه إلى الفيلسوف جون راولز John Rawls، الذي سبق له أن تناول مثل هذه الموضوعات تناولاً مباشراً في السنوات الأخيرة. ولعل من أهم آراء راولز في خصوص دور الدين في السياسة المعاصرة ذلك "التحذير" أو "الاشتراط" الذي يرى أن على العقليات الدينية إذا ما أرادت أن تحظى بالقبول، فإن عليها أن تكون قابلة للترجمة إلى أشكال علمانية من المحاججة. بل إن راولز يرفع الحاجز العلماني إلى أعلى من ذلك في حالة الموظفين العاملين، مثل السياسيين والقضاة... إلخ؛ إذ يعتقد أن لغتهم ينبغي ألاّ تترك حيزا واسعًا للعقليات غير العلمانية، التي من شأنها أن تثير قطعا الشقاق والخلاف مادامت العقائد الدينية متعددة وكثيرة. يؤكد هابرماس على هذا المطلب الملح، شريطة أن يوضع على باب السياسيين وحدهم، لأنهم "يخضعون ضمن مؤسسات الدولة، لضرورة أن يبقوا حياديين حيال رؤى العالم المتنافسة".غير أن هابرماس، إذ يضع هذا المطلب على باب السياسيين وحدهم، يرى أنّه "على كل مواطن أن يعلم أن العقلية العلمانية؛ هي التي تصلح لاجتياز العتبة المؤسساتية التي تفصل المجال العام غير الرسمي عن البرلمانات والمحاكم والوزارات والإدارات."(14)
إضافة إلى عدة مقالات متفرقة حول الدين و العلمانية ومجتمع "مابعد العلمانية"، وذلك في سنوات متفرقة وما تبعها من نقاشات وسجالات في الفلسفة المعاصرة.
في ظل هذه المعطيات وجد هابرماس نفسه مُنشغلاً بالمسألة الدينية ومهتماً بأمرها، وبالتالي راح يتساءل عن مدى راهنيتها في المجتمع الحالي. وهو اشتغال يمكن تفسيره من زاويتين هما(15):
أولا: الوضع الراهن الذي يتسم بهيمنة أشكال العنف في مناطق مختلفة من العالم (...)، فمباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 سيقدم "يورغن هابرماس" إلى جانب "جاك دريدا" حوارا مطولا مع الباحثة الأمريكية "جيوفانا بورادوري"، تناول فيه موقفه من العنف بوصفه تواصلا مشوها، محذرا من خطورة توظيف الدين في الصراع، ومدى تأثيره على التضامن والاندماج الاجتماعي.
ثانيا: يتعلق الأمر بالخلفية التي ينطلق منها هابرماس بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي يعود فيها إلى الفلسفة السياسية لرولز وكانط، إضافة إلى منطلقات دولة الحق والقانون والديمقراطية، التي يريد توسيعها في مجال تناوله للمسألة الدينية.
ومن بين الأمارات الدالة "على ظهور عالمي جديد للدين في العالم "(16) ـــ على حد تعبير هابرماس ــــ نشير إلى الامتداد التبشيري الواسع. حيث قام البابا الأسبق "يوحنا بولس الثاني" بإرسال تسعة آلاف مبشر دفعة واحدة في افريقيا، وذلك من أجل صد المد الإسلامي عن أوروبا كما يزعم.
على هذا الأساس يمكن القول أن المد الاسلامي عرف تطورا هائلا من خلال ازدياد المسلمين المتواصل في مختلف بقاع العالم فمثلاً "إن الحضور المتزايد للمسلمين ولمعتقداتهم في أوروبا، عجل بعقد محاضرات تتعلق بالحوار حول الإسلام، وخلال الجلسة التي عقدها البرلمان الأوروبي في 29 أيار 2008، ناقش حوالي المائة من المنتخبين ومن الموظفين في المؤسسات الأوروبية وأعضاء من المنظمات والطوائف الدينية، موضوع تشييد المساجد في أوروبا، إضافة إلى موضوع حضور الدين الإسلامي، الملفت للنظر في دول الاتحاد. فلولا حضور الإسلام في أوروبا لما تكلم عن الدين أحد، ولكن لماذا يُسلَّط الضوء على الدين الإسلامي، ولماذا أصبح هذا الدين يشكل قضية رأي عام؟"(17)
كما يشير هابرماس في حديثه عن الدين إلى حَدَثين بارزين في القرن العشرين، هما قيام دولتين على أساس مشروع ديني؛ الأولى هي الدولة الصهيونية والثانية هي الجمهورية الإسلامية في إيران1979، التجربتان اللتان حرّكتا المجموعات الدينية وكان لهما الدور البارز في التراجع عن اعتقاد نهاية الدين وانتصار العلمانية.(18)
اعتمادا على هذا الطرح وبناء على ماسبق؛ يرى هابرماس أن الدين عرف عودة قوية، لكنها عودة مشوهة بأساليب العنف والتطرف والإرهاب، وهي ما اعتبرها أمراضا ناتجة عن انسداد في قنوات التواصل، إضافة إلى عدم تماشيها والطبيعة التقدمية للعصر. حتى كان الحادي عشر من سبتمبر أين انفجر الصراع والتوتر بين العلمانيين والمتديّنين.
4 ــــ الحادي عشر من سبتمبر 2001م ومأزق الصراع الديني العلماني:
كان الحادي عشر من سبتمبر 2001م النقطة التي أفاضت الكأس، وذلك من خلال أحداثه التي جاءت لتؤكد وبلغة صريحة على ذلك التوتر و الصراع الديني العلماني الذي تفجّرت ينابيعه الحارة بعدما كانت دافئة. لهذا نجد هابرماس يقول: "كان الحادي عشر من أيلول، حيث كان انفجار التوتر بين المجتمع العلماني وبين الدين، انفجارا من طبيعة مختلفة" (19). ويقول أيضا في هذا السياق "إن القتلة الذين صمّموا على الانتحار، الذين حولوا أدوات النقل المدنية إلى قذائف مسكونة يّصار لإطلاقها على قلاع الحضارة الغربية الرأسمالية، هؤلاء القتلة (...) كانوا مدفوعين بقناعات دينية تجسد بالنسبة إليهم شعارات المجتمع الحديث المعولم الشيطان الأكبر".(20)
لكن ما استغربه هابرماس، هو طريقة رد الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش الأصغر"، وذلك حينما قدّم خطاباً طرح من خلاله عدة تساؤلات وتطّلب عدة استفسارات، مفاده "لتكن حربا صليبية"، "كما لو أن هذا العدوان بنظره قد ضرب وتراً دينيا في أكثر مواقع المجتمع العلماني حميميةً"(21)، وبالتالي هل المعقول أن تكون الحرب على الإرهاب ــ مواجهة العنف بالعنف ــ السبيل الأمثل لاجتثاثه ؟
إن الحرب ضد الإرهاب Le terrorisme بنظر هابرماس ليست حربا، فهذا خطأ جسيم وغير مقبول "من وجهة نظر قيمية، كما من جهة نظر علمية، فمن وجهة الجانب القيمي، فإنه يرفع هؤلاء المجرمين إلى مصاف المقاتلين الأعداء، ومن الجانب العملي، فإن لفظ الحرب La guerre لا يصلح ما دام العدو شبكة عالمية لا هوية لها".(22)
لهذا يرى هابرماس أن "الأرثوذكسيات المتحجرة ما زالت موجودة في الغرب كما في الشرق الأدنى والأوسط، بين المسيحيين واليهود كما بين المسلمين، وإذا كان علينا أن نتحاشى حرب حضارات، فعلينا أن نتذكر سمة سيرورة علمانيتنا الغربية التي لم تكتمل جدليا".(23)
وفي هذا السياق يرى "روجيه غارودي" أن الأصولية مرض جميع الأديان. لأن الأصولية هي ادعاء الأصولي أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأنه يمتلك من ثَمّ لا الحق فحسب، بل والواجب أيضا في فرض تلك الحقيقة على الجميع ولو بالحديد والنار".(24).
لكن هابرماس ينتهي إلى أن مسألة الأصولية ليست مرتبطة بالدين فقط أو حتى في دين معين كالإسلام، بل تمتد أيضا إلى العلمانية الغربية، التي تعتقد أنها الوحيدة التي تمتلك الحقيقةLa vérité ، بل والأكثر من ذلك تحاول فرضها فرضاً على المجتمعات الأخرى، فإما تكون علمانية أو لا تكون.
ومحصّلة الكلام كما أن هناك أصوليات دينية؛ فإن هنالك أيضا أصوليات سياسية ايديولوجية وثقافية متباينة، تتخذ من مسألة التطرف، الهيمنة والشمولية ميثاقاً لها "سواء تعلق الأمر "بأدلوجة دينية، أو قومية أو علموية".(25)
هذا ما جعل هابرماس يعتقد اعتقادا راسخا بأن هذه الأحداث ــ أحداث 11 سبتمبر 2001م ـــ جاءت لتؤكد أيضا على محدودية العلمانية الغربية، وظرفيتها وسياقاتها التاريخية، والأكثر من هذا كله هي بحاجة إلى مراجعة نقدية، كونها ترى أنها الأنموذج التقدمي الوحيد، إذ لا سبيل إلى اللحاق بالركب الحضاري والتقدم العالمي إلا باتباع نهج العلمانية، فهي طريق الخلاص، كما أنها الباعث على التقدم والازدهار ومن ثمة الابتعاد عن التخلف و الاندثار.
إن مثل هذا الوضع دفع بهابرماس إلى القول بأننا "لا نفهم من وجهة نظر صحيحة الأخطار المترتبة على انزلاقات العلمنة التي حدثت في أماكن أخرى" (26)، ومن هنا يظهر ضعف الصيغة العلمانية التقليدية ومطلب التفكير في مجتمع ما بعد علماني، فالدولة القومية اليوم تكتفي بالحفاظ على حرية المعتقد والحق القانوني في حرية العلم وهذا غير كافٍ، بل عليها بوصفها دولة قانون وديمقراطية البحث عن شرعيتها في جذور المعتقدات، وأن تسمح بإدماج المجموعات الدينية في الحياة السياسية، وتحقيق الاعتراف المتبادل(27)، ومن ثمة كان لزاما عليها الاحتكام إلى مبدأ الحوار.
5 مجتمع ما بعد العلمانية وإمكانية تعايش الديني و العلماني: La société post-séculière
نظمت الكنيسة الكاثوليكية بميونيخ سنة 2004 لقاء جمع بين الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس"؛ بوصفه أحد أبرز ممثلي العقل في الغرب اليوم، وبين الكاردينال "راتسينغر" الذي سيصُبح البابا بينوا 16؛ بوصفه أحد أعمدة الكاثوليكية الأوربية. وقد دار المحور الرئيس للقاء راتسينغر وهابرماس حول الأسس الفكرية لمجتمع يحصّن الكرامة الإنسانية، حيث وجد هابرماس هذه الأسس في العقل العملي للفكر المابعد الميتافزيقي العلماني، بينما وجدها راتسينغر في الإنسان كمخلوق من طرف الله.(28)
إن استفحال ظاهرة الأصولية، والتطرف الديني، ومسألة الارهاب، بوصفها أمراضا للتخاطب والتواصل البشري، إضافة إلى الانزلاقات التي ترتبت عن هيمنة العلمانية، والتي ساهمت الحداثة التقنية عن طريق العولمة في انبعاثها، جعل كلاً من هابرماس وراتسينغر يدعوان إلى إعادة التفكير في موضوع الدين والعلمانية، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وذلك من خلال بعث ثقافة الحوار بين العقل والدين.
وعموما يمكن القول أن كلا من راتسينغر وهابرماس يتفقان على مفهوم ما بعد العلمانية الذي اقترحه هابرماس، هذا الزعم يمكن تأكيده من اعتراف راتسينغر نفسه الذي قال: "أجد نفسي متفقا مع ما قاله السيد هابرماس حول المجتمع الما بعد علماني"(29)
إضافة إلى ما تقدم فهما يدعوان إلى أن يكون هنالك تبادل مزدوج بين العلمانية والدين، ما دام الأساس الذي تقوم عليه العلمانية هو العقل، والدين يستند إلى تصورات لا عقلانية، من هنا توجد أمراض تعصف بالدين وهي أمراض خطيرة تدفعنا إلى ضرورة استعمال العقل ولعل أهمها (التطرف الديني ـــ استفحال الأصولية ــ مسألة الإرهاب...الخ)، كما أن للعقل أمراضا لا تقّل عن أمراض الدين ومنها (الاعتزاز بالنفس ــ السلاح النووي ـــ الحروب...الخ)، لهذا يجب على العقل أن يكون مستعدا للإنصات اتجاه الوحي الديني، وهو ما يمكن تأكيده من خلال اعتراف هابرماس نفسه الذي قال: "إن الفلسفة مستعدة للتعلّم من الوحي الديني"، وإذا أستقل العقل نهائيا ورفض الانصات فإنه يصبح هدّاما".(30)
هذا ما سيفتح آفاق التعددية الدينية والثقافية، وسيرسخ بالمقابل قاعدة أساسية تكمن في الحوار بدلا من الصدام، لأن الرؤية الاختزالية الذاتية للثقافة الواحدة نقيصة ومَثلَبة يجب تجاوزها إلى رؤية مختلفة تدعو إلى الانفتاح على مختلف الثقافات وعدم التعامل معها بوصفها كمية غير نافعة.
وفي مقابل موقف راتسينغر هذا كان منطلق هابرماس ليبراليا، حيث يؤكد فيه على فكرة التعددية الدينية وحرية الاعتقاد التي تضمنها الحقوق الأساسية الواردة في الدساتير الليبرالية مثل الدستور الأمريكي، إذ يقول هابرماس "تعد الدستورية للتدّين مدخلا للجواب على تحدي التعددية الدينية"، وكإجابة على هذا التحدي الذي يطرحه الدين في الفضاء العمومي نحت هابرماس مفهوم مجتمعات ما بعد العلمانية. وعودته للمرجعية الليبرالية تجد مبررها في أنها لا تنظر إلى الجماعات الدينية المختلفة نظرة سلبية إلا إذا لم تلتزم بالقواعد الأساسية.(31)
إن ما بعد العلمانية عند هابرماس تعني بشكل من الأشكال تجاوز النظرة القائلة بأن التحديث يتلازم ويتلاءم مع العلمانية وليس مع الدين الذي أُقصي وهُمش من طرف هذه الأخيرة، وبالتالي لم يعد له دوراً مميزاً في الفضاء العام. من هنا فإن فكرة مابعد العلمانية تدعو إلى بعث ثقافة الحوار بين الديني و العلماني، تجاوزاً لخلافاتهما وتنظيفاً وإشفاءً لبعضهما البعض.
وفي سياق حديثه عن مجتمع ما بعد العلمانية يرى هابرماس أن النظرة القائلة بأن الدين لم يعد له دور ممّيز في الفضاء العام باتت الآن تقف على أرجل من قصب، إذ يقول: "لا تتلاءم هذه الصورة أبدا مع مجتمع ما بعد علماني، يلتمس استمرارية الجماعات الدينية في محيط يستمر بعلمنة نفسه، والدور الدافع للحضارة هو دور محجوب فيها؛ ففي الصخب الناشئ عما يعتبره كل فرد معركته من أجل الحضارة يشقّ طريقه كما لو كان حزبا ثالثا بين العلم والدين"(32). فمشروعه يهدف إلى عقلنة الدين من جهة وتصويب وإصلاح العلمانية المتطرفة من جهة أخرى.
إن الدين بمعناه العقائدي أو غير قابل للجدال الفلسفي، هو سبباً من أسباب تشويه التواصل السليم، وذلك لأنه لا يرضى بالآخر وحججه، ذلك لأن محاججات المتدينين المنغلقين تتخذ من العاطفة والانكفاء على الذات الدوغمائية مرجعا لها في تحديد الحقائق ومنهجية الحوار وغاياته التي قد تخالف الآخر أكثر مما تتفق معه. (33)، كما أن اللاهوتيين الذين يستخدمون اللغة الدينية فقط لما لها من قوة عاطفية أكثر مما يستخدمونها لغرض نقاشي أو حجاجي، إنما يحاولون أن يشوهوا التواصل، ولكن بالرغم من كل هذا فإن للدين دوراً هام في الفضاء العمومي، لأنه يحُول بين أفراد المجتمعات العلمانية وبين أن تطغى عليهم متطلبات الحياة المهنية والنجاح الدنيوي التي تتسم بالشمول. وبذلك يمكن للقيم الدينية (قيم المحبة، التضامن والتقوى) أن تقف قبالة قيم التنافس والكسب والتلاعب الشاملة والمسيطرة.(34)
وكان من أبرز ما قدمه هابرماس في بحثه "الدين في المجال العام" هو فكرته الجديرة بالثناء التي يقول فيها أن "التسامح أساس الثقافة الديمقراطية"، وهو مسار باتجاهين دائما، ولهذا لا ينبغي فقط أن يتسامح المؤمنون إزاء اعتقادات الآخرين، بما فيها عقائد غير المؤمنين وقناعاتهم فحسب، بل إن من واجب العلمانيين غير المتدينين أن يثّمنوا قناعات مواطنيهم الذين يحركم دافع ديني. وإذا نظرنا من منظور نظرية الفعل التواصلي الهابرماسية نجد أن هذا القول يوحي بضرورة أن نتبنى وجهة نظر الآخر.(35)
من هنا يعد مطلب التسامح La tolérance الذي قدمه هابرماس ـــ في إطار مناداته بمجتمع ما بعد العلمانية ـــ بين الفهم الديني والفهم العلماني الأساس الباعث لثقافة الحوار، لهذا نجده يقول: "أني أميل أن يكون التواصل السياسي في المجال العمومي مفتوحا أمام كل مساهمة، وكيفما كانت اللغة التي يستعملها، إنّ السماح بالتعبير عن آراء دينية بحثة في المجال العمومي لا يتطلب ضرورة فصل الشخص بين ماهو ديني وما هو دنيوي"(36)، ومنه سيكون للدين دوراً بارزاً في الفضاء العام.
وبشأن إمكانية دخول العلمانيين والمتديّنيين في حوار عقلاني ضمن ضوابط التواصل التي يطمح لها، يضع هابرماس تساؤلات تمّثل مساطر قياس واختيار لإمكانية حصول الحوار السليم ولوضع شروط تحكم الحوار وتوضّح قواعده وأسسه، هي (37):
1 ــــ هل إن العلمانيين قادرون على التسامح وإجراء حوار صادق مع الطرف الديني بالرغم من أجيال عديدة مرت في ازدراء الدين ؟
2 ــ هل يستطيع العلمانيون أن يصدقوا ويعتقدوا بأن كثيرا من ثوابت العلمانية المفاهيمية هي مدينة للدين بأصلها ؟ وهل يستطيعون تقبل هذا الدين علناً ؟
3 ــــ هل إن الطرفين مستعدان للاعتراف بأن التسامح هو دائما ذو اتجاهين ؟ أي يجب على رجال الدين، وليس فيما بينهم فقط بل ومع الملحدين والعلمانيين؛ أن يدخلوا في حوار تسمه صفة التسامح، وبالعكس على العلمانيين أن لا يقصوا المتدينين من الحوار، وذلك ما يؤيده هابرماس بفكرته حول احترام المواطنين بعضهم لبعض، كأعضاء أحرار ومتساويين في المجتمع السياسي الهادف للتواصل السليم.
لذلك يتوجب على الجماعات الدينية خاصة أن تعقلن تصوراتها الدينية وأن لا تفرض حقائقها الإيمانية بالعنف والقوةpar la force ، وأن لا تستخدم في ذلك المؤمنين وتتلاعب بإيمانهم من أجل فرض هذه الحقائق عن طريق "هجومات انتحارية".
يفترض هذا الموقف المنحدر من جانب المؤمنين تفكير مثلث الجوانب بموقعهم وسط مجتمع تعددي(38):
أولا: من الضرورة بمكان أن يبذل الوعي الديني مجهودا ليتجاوز التفاوت المعرفي الذي لابدا أن يبرز من الالتقاء بالطوائف أو الديانات الأخرى.
ثانيا: على هذا الموقف أن يُماشي سلطة العلوم التي تحتفظ بالاحتكار الاجتماعي للمعرفة على العالم.
ثالثا: لا بدا أن ينفتح هذا الموقف على أولويات دولة الحق الدستوري، هذه الأولويات التي تستند إلى أخلاق دنيوية.
من هنا وحتى يتّم ضمان حرية دينية يتساوى فيها الجميع، فإنه إذا كان الطابع العلماني للدولة شرطا أساسيا فإنه ليس شرطا كافيا؛ ذلك أن وجود سلطة علمانية تسمح بوجود أقليات مميزة لا يحقق أي شيء حاسم أو مقنع؛ إذ يجب على الأطراف المعنية نفسها أن تتفق على الفواصل الهشة أو العابرة، التي تحدِّد من جهة الحق الإيجابي في ممارسة الشعائر الدينية، ومن جهة ثانية الحرية السلبية، التي يراعى كل واحد منها الآخر في ممارسته الدينية.(39)
هذا ما سيجعل من الاندماج السياسي أمراً ممكنا، وذلك بعد أن تعقلن الجماعات الدينية تصوراتها بتخليها عن مطلب الحقيقة بالعنف، بوصفه مرضاً من أمراض التخاطب الانساني ومَثلَبةً يجب تجاوزها إلى قيم التسامح وفتح آفاق التعددية الدينية والحوار بين الأديان. ذلك هو مسعى الطرح الهابرماسي الرامي للتعايش و التحاور لا التحارب والتصادم، وهو ما سيعود بفوائد كثيرة على هذه الأديان.
وعلى كل حال، يجب ممارسة السلطة السياسية في الدولة على قاعدة غير دينية (40)، لأجل ذلك كتب مكررا ومعززا فكرته في إمكانية العيش تحت إطار العلمانية بالنسبة للمتدينين، على خلاف العكس الذي هو غير ممكن بطبعه وهو العلمانية تحت مظلة الديني، ذلك يجعل على المواطن المتدين المؤمن ضرورة قبول الدستور العلماني لأسباب تُختزل في منفعته في إطار أشمل من هوياته الضيقة التي لا يمكن أن تجد لها واقعا اليوم، بسبب خسارة الدول الدينية لرجالها المؤمنين بها وشرعيتها، ولذلك كلّه لا يمكن أن يستمر المواطن المتدين في العيش في جماعة منغلقة دينيا ومنعزلا عن عضويته في الدولة القانونية. وقد خسرت تلك القناعات ــ بشرعية الدول الدينية، وامكانية التمسك بهاــ حصانتها لأجل التوجه الكوني تجاه العقلنة أو التأمل دونما القبول بما هو ليس مشرعنا على الصعيد الإنساني.(41)، من هنا فعلى الدولة العلمانية أن تضمّ الجميع و لا تقصي أحدا بسبب معتقد ما أو شيء من هذا القبيل، وذلك في إطار مجتمع ما بعد علماني.
وعلى ما سبق فإن إقصاء الدين، يبقى موضوعا إشكاليا، كما يتصوره هابرماس، لأسباب الحاجة إلى التضامن والتكامل الاجتماعي والأصل الديني لمفاهيمنا العلمانية المعاصرة، ولفكرة أساسية يتمسك بها هابرماس هي إمكانية استنطاق المعقول في الديني، ودونما دليلا كافيا حسب منظومة الفعل التواصلي. كما لا يمكن أن نحاكيه دون أطر علمانية ترعى التواصل والتعدد والعقلنة؛ وتلك هي مهام السلطة في المجتمع مابعد العلماني. (42)

خلاصة:
مثّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، منعرجا هاما وحاسما في المسار الفكري لهابرماس(43) ـــ وهو المعرف بعلمانيته الصارمة التي ظّل يدافع عنها في مشروعه "الحداثة مشروع لم يكتمل" ــ حيث بعد الأخيرة وما تمخض عنها من صراع وتوتر بين الفهم الديني والفهم العلماني، وجد هابرماس نفسه بوصفه فيلسوفا يهتم بالراهن مهتماً بالمسألة الدينية التي أخذت حيزا هاما من تفكيره؛ بدليل أنه راح يبحث لها عن الترياق المناسب من أجل علاجها، فكان بذلك مُقترحه لمجتمع ما بعد العلمانية هو العلاج الذي قدمة لإشفاء مرض التطرف الديني والعلماني. ومن ثمة عمل على بعث ثقافة الحوار والتسامح والتعايش بينهما.
لهذا نجد هابرماس يقول: "يصطدم المواطنون، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين بعضهم ببعض من خلال القناعات التي كونوها عبر رؤيتهم للعالم، ويجّربون رغم انهماكهم بالتفاوت الناجم عن الصراع العام بالرأي تعددية النظرة إلى العالم. فإذا تعلّموا التكيف مع هذا الواقع وقد وعوا إمكانية الوقوع في الخطأ، إذا وبدون كسر الربط الاجتماعي للجماعة السياسية، فإنهم سيميزون ما تعني الأسس العلمانية للقرار، كما هي في الدستور في إطار مجتمع ما بعد علماني".(44)
من هنا تشكل الرؤية العقلانية للمجتمع المعاصر لدى هابرماس، أساس الانتقال من نموذج الفكر القروسطي والأصولي والعنفي، مرورا بتجاوز العنف المضاد من السياسة العلمانية التي تهدف إلى الإقصاء والتهميش للفكر الديني، إلى نظرية في المجتمع ما بعد العلماني(45)، لكن شريطة أن يعقلن المتدينون تصوراتهم ومعتقداتهم عن الدين، وذلك بتخليهم عن مطلب الحقيقة الواحدة بالعنف والتطرف، وبالمقابل لابدا أن ينفتح هذا المطلب على القبول بالتعددية والاختلاف والاعتراف بالآخر المختلف في إطار مجتمع ما بعد علماني.
من هنا دعا هابرماس إلى ترسيخ قيم التسامح والتعايش بين الفهم الديني والفهم العلماني، ـــ بل وحتى داخل الجماعات الدينية فيما بينها ــــ ما دام كلا منهما يعاني من أمراض خاصة به تشكل خطورة ومثلبة وجب علاجها، ولن يكون هذا الا بالتلاقح والتعاون بينهما تحت هم أو اشتغال واحد، متعلق أساساً بالشأن العام للمجتمع ومصلحته المشتركة فوق أي اعتبار.
وفي هذا الصدد إذا ما حاولنا الالتفات إلى حال المسلمون ودينهم داخليا؛ لأمكننا القول أن ما يمّيزه اليوم هو الصراع والتقاتل، لا الحوار والتعايش الذي نحن بحاجة ماسة إليه؛ نظرا للوضع الكارثي الذي كان ثمرته انبعاث ما يسمى اليوم بالربيع العربي، كرد فعل معارض وناقم على الوضع الحالي من جهة، ومن جهة أخرى المُطالب بالتغيير الذي أصبح مطلباً ملحا وضرورة لا مناصَ منها لما يسود الذات العربية من استلاب واغتراب مزدوج؛ ديني ودنيوي. ديني متجلٍ أساساً في الحقائق المفروضة عليه بالقوة والعنف والتسلط منذ غلق باب الاجتهاد، ودنيوي متمثل في التأخر عن اللحاق بالركب الحضاري و التقدم العلمي. ومنه نقول ما أحوج المجتمعات العربية اليوم إلى مقترح هابرماس حول "مجتمع ما بعد العلمانية" وذلك للخروج من أزمتها وتوحيد صفوفها، وتحقيق استقرارها.
ـــــ الهوامش:
* يشكل هذا المفهوم ــ الفضاء العموميEspace publique ــ الذي هو من اختراع الفيلسوف الألماني كانط مفتاح الممارسة الديمقراطية في نظر هابرماس الذي عمّم استخدامه منذ السبعينات من القرن الماضي. وهو يعرفه كدائرة التوسط بين المجتمع المدني والدولة، أي بين دائرة المصالح الخاصة المتعددة والمتنوعة والمتناقضة ودائرة السلطة الموحدة والمجردة. فهو الفضاء المفتوح الذي يجتمع فيه الأفراد لصوغ رأي عام والتحول بفضله وعبره إلى مواطنين تجمعهم آراء وقيم وغايات واحدة. فالتبادل العقلاني لوجهات النظر حول مسائل تخص المصالح العامة هو الذي يتيح فرز رأي عام. والرأي العام هو وسيلة المواطنين في الضغط على الدولة. (مصدق حسن، يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت النظرية النقدية التواصلية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2005، ص 7.)
1 ــ هابرماس يورغن، مجتمع ما بعد العلمانية ماذا يعني ذلك؟ 24/02/2014:
http://www.resetdoc.org/story/00000001016
2 ـــ القرضاوي يوسف، الدين والسياسة تأصيل ورد شبهات، إصدرات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وهيئة آل مكتوم الخيرية، دبلن، دط، 2007، ص 11.
3 ـــ المرجع نفسه، ص 13.
4 ــ غدنز أنتوني، علم الاجتماع، ترجمة وتقديم: فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005، ص570.
5 ـــ المسيري عبد الوهاب، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مج1، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2002، ص ص 16 17.
6 ــ ثائر ديب، الدين والعلمانية في الفكر الغربي من هيجل إلى هابرماس، 24/02/2014:
http://www.maaber.org/issue_april06/perenial_ethics1.htm
7 ــ غدنز انتوني، علم الاجتماع، مرجع سابق، ص 580.
8 ـــ بيار هيبر، سوفرين، زراديشت نيتشه، تر: الحاج أسامة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط2، 2002، ص 36.
9 ـــ المحمداوي علي عبود، الإشكالية السياسية للحداثة من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل هابرماس أنموذج، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2011، ص 374.
10 ــ ثائر ديب، الدين والعلمانية في الفكر الغربي من هيجل إلى هابرماس، مرجع سابق.
11 ـــ أحمد عطار، هابرماس والعالم الإسلامي، مجلة لوغس، دار كنوز للنشر والتوزيع، تلمسان، العدد الأول، جويلية 2012، ص 65.
12 ــ هابرماس يورغن، مجتمع ما بعد العلمانية ماذا يعني ذلك؟، مصدر سابق.
13 ــ أحمد عطار، هابرماس والعالم الإسلامي، مرجع سابق، ص ص65 66.
14 ــــ ثائر ديب، الدين والعلمانية في الفكر الغربي من هيجل إلى هابرماس، مرجع سابق.
15 ـــ الأشهب محمد عبد السلام، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2013، ص206.
16 ــ هابرماس يورغن، مجتمع ما بعد العلمانية ماذا يعني ذلك؟، مصدر سابق.
17 ــ طهيري خيرة، تشييد المساجد ..انتصار واضح الإسلام في أوروبا، 18/03/2014:
http://islamtoday.net/albasheer/artshow-15-103641.htm
18 ـــ أحمد عطار، هابرماس والعالم الإسلامي، مرجع سابق، ص71.
19 ـــ هابرماس يورغن ، مستقبل الطبيعة الإنسانية نحو نسالة ليبرالية، تر: جورج كتوره، مراجعة أنطوان الهاشم، المكتبة الشرقية، بيروت، ط1، 2006، ص 123.
20 ــــ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
21 ــ المصدر نفسه، ص 124.
22 _ Jürgen Habermas, une époque de transition, écrits politique 1998 _ 2003, trad : christian bouchindhomme, fayard, 2004, p 381.
23 ــ هابرماس يورغن ، مستقبل الطبيعة الإنسانية نحو نسالة ليبرالية، مصدر سابق، ص 125.
24 ــ روجيه غارودي، نحو حرب دينية جدل العصر، تر: صياح الجهيم، دار الفاربي، الجزائر، ط3، ص 37.
25 ـــ حرب علي، الفكر والحدث حوارات ومحاور، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط1، 1997، ص 229.
26 ــ هابرماس يورغن، مستقبل الطبيعة الإنسانية نحو نسالة ليبرالية، مصدر سابق، ص125.
27 ــ أحمد عطار، هابرماس والعالم الإسلامي، مرجع سابق، ص 74.
28. يورغن هابرماس، جوزيف راتسينغر، جدلية العلمنة العقل والدين، تعريب وتقديم: حميد لشهب، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2013، ص 31.
29 ـــ المصدر نفسه، ص 80.
30 ــ المصدر نفسه، ص 57.
31 ــ محمد عبد السلام الأشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس، مرجع سابق، ص 207.
32 ـــ هابرماس يورغن، مستقبل الطبيعة الإنسانية نحو نسالة ليبرالية، مصدر سابق، ص 126.
33 ـــ المحمداوي علي عبود، هابرماس والمسألة الدينية الوضع الديني في المجتمع ما بعد العلماني، ضمن كتاب "يورغن هابرماس" العقلانية التواصلية في ظل الرهان الاتيقي في نقد العلموي والديني والسياسي (مجموعة مؤلفين)، تحرير وإشراف المحمداوي علي عبود، الناصر عبد اللاوي، دار ابن النديم ودار الروافد الثقافية ناشرون، الجزائر و بيروت، ط1، 2013، ص 268.
34 ــــ المرجع نفسه، ص 269.
35 ـــ المحمداوي علي عبود، الإشكالية السياسية للحداثة، من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل هابرماس أنموذج، مرجع سابق، ص 346.
36 ـــ أحمد عطار، هابرماس والعالم الإسلامي، مرجع سابق، ص ص 74 75.
37 ـــ المحمداوي علي عبود، هابرماس والمسألة الدينية الوضع الديني في المجتمع ما بعد العلماني، مرجع سابق، ص 258.
38 ـــ هابرماس يورغن، مستقبل الطبيعة الإنسانية نحو نسالة ليبرالية، مصدر سابق، ص128.
39 ـــ بومنير كمال، قراءات في الفكر النقدي لمدرسة فرانكفورت، كنوز الحكمة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2012، ص 153.
40 ـــ المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
41 ــ المحمداوي علي عبود، الإشكالية السياسية للحداثة من فلسفة الذات الى فلسفة التواصل، هابرماس أنموذج، مرجع سابق، ص 251.
42 ـــــ المحمداوي علي عبود، هابرماس والمسألة الدينية الوضع الديني في المجتمع ما بعد العلماني، مرجع سابق، ص 269.
43 _ Matt Sheedy, Religion in the Public Sphere: The Limits of Habermas’s Proposal and the Discourse of “World Religions”, University of Manitoba: 24/02/2014
http://journals.uvic.ca/index.php/Illumine/article/download/2943/1636
44 ــ هابرماس يورغن، مستقبل الطبيعة الإنسانية نحو نسالة ليبرالية، مصدر سابق، ص 128.
45 ــــ المحمداوي علي عبود، الإشكالية السياسية للحداثة، من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل هابرماس أنموذج، مرجع سابق، ص 348.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Dr. Mougay Bilal

فلسفة اللغة والتواصل   / أدرار , الجزائر