أضيف في 16 مارس 2018 الساعة 20:02

المداح و الشطاح


رشيد اليملولي
المداح و الشطاح .
ارتبط المدح عادة بالتزلف المادي ( الرغبة الجامحة في الهدية ) ، أو التقرب المعنوي ( الجاه بتعبير ابن خلدون ) ، و غدا وفق السياقات التي أنتجها المجال الحضاري الإسلامي ذهنية ثقافية و اجتماعية ، تتغيى غنائم دائمة لا فائدة ترجى منها سوى إنتاج بلاغي فيه من الصور و المحسنات ما يجعله أحيانا " قاموسا " له مقوماته الخاصة ، المفيدة طبعا في دراسة اللغة و الذهنية المبلورة لها .
إلا أن المدح لا يكتفي بهذا المعنى ، بل يتجاوزه إلى إرساء " بنية " سياسية ، تسعى دون كلل أو ملل لاستنبات الرعوية السياسية و الأنساق الذهنية المرافقة لها انسجاما مع الهندسة الاجتماعية التي طورتها الأنظمة السلطوية الفاقدة للشرعية و المشروعية معا ، يحتل فيها المريد وليس المواطن مكانة مثلى ترقى إلى درجة البضاعة التي سرعان ما يتم التخلي عنها ، إذا استنفذت مقومات استمرارها ، بوساطتها يتم توجيه الفعل و الرمز و الحركة ، و تضمينها المعاني و الرسائل المرغوب في إيصالها و تقويتها ، لغاية قصوى هي تكوين كتلة اجتماعية داعمة و " احتياطي " قادر على المنافسة أو المزاحمة في الصراع السياسي ، بإمكانه أحيانا أن يبز بجهل الأفكار و تعويمها ، و يردي الفكرة المتنورة و العقلانية جحودا و إلحادا و مروقا و خروجا عن النص و ابتغاء الفتنة و تاويلها ، بل كفرا و عقوقا و عمالة خارجية ، إذ تعج الساحة السياسية و الاجتماعية بالنماذج المعبرة عن ذلك ، منها ما كان يعرف بالشباب الملكي ، الذي أصبح دوره فعالا في التشويش و أحيانا التقليل من حجم الاحتجاجات و طبيعتها ، حيث لا يتورع في كل محطة أكانت سياسية أو اجتماعية من التعبير عن وجوده ، و لو اقتضى الأمر القفز على الحقوق و المعطيات الموضوعية ، إذ لا هم له سوى العرقلة و التلغيم .
و إذا كان مصطلح العياشة قد اكتسى أهمية في ظل الحراك الاجتماعي الذي عرفه المغرب ، فإن امتداده لا يقتصر على الساحة الاجتماعية ، بل يطال المجال الإعلامي و الرياضي ، لدرجة انتقلت معها الآلية إلى تعميم أجنحة عملها بغية خلق أجيال من المريدين و العياشة ، و الضباع بالمعنى الأخلاقي و الإنساني و القيمي ( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات و المعنى واضح ) ، حيث تحول الإعلام بمركباته المتنوعة ( المرئي ـ المسموع ـ الشبكة العنكبوتية ) ، إلى واجهة نضالية لجحافل و طوائف المريدين ، الذين يسبحون ليل نهار بأولي النعمة سواء سلكوا مسلكا حسنا أو قبيحا ، المهم أن الثقافة الثاوية خلف توسيع الدائرة ، خلق جيشا احتياطيا مهمته السامية و النبيلة ، تحجيم و تكسير أي بنية ذهنية مخالفة ، تعمد إلى خلق مجال اجتماعي مفتوح يعبر عن كل الأطياف و الألوان و الأفكار ، بغية بناء مغرب و دولة مؤسساتية ، تحتل فيها الثقافة و الفكر و العلم المكان اللازم ، عوض تحويل هذا المجال إلا موضة للعرق و القبيلة و تقديس الأشخاص ؛ فحتى الأنبياء و الرسل سمحوا بالاختلاف و لا أدل على ذلك من الآية الكريمة :" لكم دينكم و لي دين " .
إن المدح في صيغه و أساليب تعابيره ثقافة يتم إرساء بنودها ، مخافة الشك في شرعية أو مشروعية أصلها محط نقاش و شك حقوقي و فلسفي و دستوري حتى لا نقول شرعي ، و هي أيضا ذات عطل سياسي و فلسفي عميق ، و هذا المنحى في التصور و الفعل ، يحول الجهة الممدوحة إلى كائن عابر يتغذى فقط على حسن " إدارة " الصراع العرقي و القبلي ، و رفعه إلى درجة الصراع النموذجي ، في إلغاء صارخ لكل مبادئ الحق و العدالة و القانون ، حيث ترقى هذه القيم إلى أدوات للسيطرة و الإمعان فيها ، عبر سياسة الانتقاء و التنفيذ ، أو ما يمكن أن يسمى " الظلم المنظم " ، و لا أدل على ذلك من إخلاف المغرب للعديد من المحطات التي وجب محاسبة المسؤولين فيها عن نهب و تهريب الثروة .
إن المدح هو التعبير الأمثل عن التلميذ الكسول ، الذي يجد في البحث عن الطرق الملتوية بغرض الحصول على الغنائم ، و يتوسل بكل الطرق الميكيافيلية ، و التي تكفل له حقا يموت بالحصول عليه ، و من ثم إعادة الكرة مرة أخرى .
لعل من الوجوه العديدة للمدح ، يكمن في وجه لا يقل أهمية و فائدة في تأسيس الرعوية و هو الشطاح أو ما يسمى تجاوزا الفنان و الصحفي و المحلل السياسي ، إذ لا يكل و لا يمل هذا النموذج من التغني بلا هوادة بكل " القيم " الخيرية للسلطة ، و يترجمها بانحناءة مقصودة و مشفوعة بإرادة تقفز على كل الحقوق و تستحضر الواجب و الطاعة ، لدرجة أن الانحناء تحول و انتقل إلى قاعدة فنية تختتم بها كل الوصلات و الشطحات ، و لا حاجة هنا للتذكير بالصورة و المعنى المراد تبليغه ، حتى أضحت السكنات و الحركات المرتبطة بجل الأسماء إلى " أيقونة " لتصريف ثقافة الترقي الاجتماعي وفق ما تقتضيه الأدبيات المدحية و الشطحية ، و نماذج القدوة ، إذ لا تخلو الساحة و المشهد الوطني من الأسماء التي تبدع المدح و المديح و السماع و الهرولة وراء كل قطرة قد يشتم منها رائح " الإدام " ، تتقاطر و تتناسل هذه الأسماء كل بدوره و غايته و المعنى المراد تبليغه ، بغية الارتقاء إلى خدام الدولة و الحصول على البركة و البقعة و المأذونية بالأثمنة الرمزية ، كل ذلك بغرض بناء نمط وعي يفوق وقع السيف المهند و الرصاصة القاتلة ، تعقبها رقصة ـ شطحة ، تجعل من المريد عجينا قد يتحول إلى سم زعاف يقتل الأب و الابن و الأخت و العم و الخال إن هو نبس بكلمة حق ، أو تعرض لنقد أولي النعمة ، و حاول أن يثور على فكر الطاعة و التغلب و العصبية باسم أنبل المبادئ الدستورية منها و الحقوقية ، و الأدهى تكاثر الشطحات و المدح في الفترات الحرجة و العصيبة التي تستدعي تحركا شعبيا و نضاليا ، فالمداح شطاح و الشطاح مداح ، كل بوسيلته ، غايتهما واحدة قتل الوطنية المسؤولة ، و البحث عن نزوة عابرة و سلطة لا تملك إلا صولجانا تهش به على رعاياها ، مخافة أن يثوروا من أجل كسرة خبز، و النتيجة جعل فواكه السنة فاكهة واحدة لا تسمن و لا تغني من جوع في عالم التنمية ؛فالاحتجاج لتحسين الوضع مهما كان بسيطا ، يتحول عند الشطاح و المداح ، إلى صورة مختزلة في نشرة إخبارية مفادها ، أن الأوضاع في المدينة و الشارع رجعت إلى مجاريها ، و تدخلت السلطات و تم تحديد برامج و مشاريع إنمائية ، لا تمس السلطة بتقصير أو تحاسبها بكلمة ، و تردي الأوضاع في الفصل الماطر و الثلوج العاثية بقدرة قادر إلى قافلة طبية تتدخل ، و مؤسسة توزع بعضا من بركاتها من قبيل سكر و طحين و شاي و قفة بيئية ، و كأن الأمر غير مرهون بتقعيد أسس تنمية في الإنسان و البيئة و البنية التحتية ، إن الأمر أشبه برقصة أو شطحة أو قصيدة مدح تموت عند قولها أو تنفيذها ، و القول ماذا تبقى من أصالته إذا تولاه نصاب و مداح .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب