أضيف في 1 مارس 2018 الساعة 20:58

عالم السحر والخيال


المصطفى سالمي
انطلقت السيارة من قلب سهول (دكالة) باتجاه سهول (الحوز)، كانت الحقول مكسوة باللون الأخضر، يتخلله بين فينة وأخرى بساط مزركش متعدد الألوان الزاهية المشرقة، استدارت السيارة ـ في منتصف الطريق ـ نحو بستان ورود بنفسجية، كانت عديد الأسر تتناول كؤوس الشاي أو تحيط بطبق وجبة الغذاء. التقط الصديقان عدة صور تذكارية قبل أن تنطلق السيارة من جديد نحو مدينة مراكش. (أمين) و(مصطفى) وحّد بينهما العمل في أقصى الجنوب المغربي، وشاءت الأقدار أن يتعارفا في قلب سهول (دكالة) ويسترجعا ذكرياتهما المتقاربة عن الشاي الصحراوي والموسيقى الحسانية، والحديث عن الإبل والبحر وطقوس وعادات المنطقة الجنوبية.
الفضاء الربيعي هنا والجو المعتدل من العناصر التي تخفف من وطأة العمل بقطاع التدريس الذي أصبح ملتهبا حارقا للأعصاب، وعلى وقع هدير السيارة الخافت والموسيقى المنبعثة من مذياع السيارة كانت التأملات الحالمة تداعب الخيال، تقطعها بين هنيهة وأخرى أحاديث متبادلة عن واقع الحال والمآل. وأخيرا بدت مراكش ببناياتها الحمراء وسط النخيل الباسق، واختلطت حمرة المساء بحمرة المكان، وامتزج عبق الطبيعة بنسائم المدينة وأسوارها التاريخية وبأطياف المرابطين والموحدين، ليجد الصديقان نفسيهما ـ بعد أن ركنا السيارة في مرآب خاص بالسيارات ـ وسط أفواج السياح وجموع أهل المكان من المراكشيين، التقطا مزيدا من الصور التذكارية وأكلا وجبات شعبية شهية، واشتريا تحفا مختلفة قبل أن يأويا إلى فندق من فنادق المدينة. وفي الصباح الباكر كان التوجه نحو منطقة (أوكيمدن) الجبلية. انطلقت السيارة بأقصى سرعة نحو المرتفعات صعودا حيث الثلوج البيضاء تكسو قممها كبياض شيب يعلو هامة شيخ وقور، هنا أشجار اللوز والصنوبر والأرز والسنديان تتحدى بياض الثلج القاسي البرودة، الناس المحليون بدورهم يتحدون الطبيعة وينحتون من الجبال بيوتا. كان (مصطفى) يعتقد أن الثلج الأبيض صلب كما هو في جهاز (الفريزر)، لكنه اكتشف أن ثلج الجبال يتفتت بين اليدين كالملح الهش الناعم، إنها أول مرة يرى فيها ثلجا حقيقيا في الطبيعة الجبلية بشكل مباشر.
استعاد الصديقان طفولتهما وهما يتزحلقان على أرض جليدية بواسطة ألواح التزحلق، وغمرتهما أحاسيس طفولية ربما ذابت منذ عقود وسط ركام العمل ومشاغل الزمن. يا لَروعة المكان، و يا لَروعة المنظر، و يا للدفء الذي كسر أفق انتظار (مصطفى) وهو يدوس بياضا كبياض الحليب وكصفاء الروح. مر اليوم كالحلم وكالطيف العابر، ليعود الصديقان وقد غسلا روحيهما بعبق جزء من طبيعة خلابة يحق فيها أن توصف بأنها جزء من عالم الخيال والأحلام، عادا لدنيا العمل ـ بالفصل الدراسي حيث الجذاذات والامتحانات والتصحيح ـ بزاد نفسي ما أحوج المرء إليه في عوالم القسوة المادية لزمن لا يرحم!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب