أضيف في 26 فبراير 2018 الساعة 22:00

سؤال الترجمة في فلسفة ''بول ريكور'' بين ضوابط النصّية ورحَابة التأويل


Dr. Mougay Bilal

مقدمة:
يعرف بعض الفلاسفة المهتمين بالشأن الترجمي الترجمة بوصفها ممارسة للسؤال، هذا التعريف يفيد بأن درب الترجمة شائك ومحير، مما يجعل مسألة تفعيل السؤال وممارسته في البحث عامة وفي المجال الفلسفي خاصة تقتضي الصبر وتستدعي الاحترافية، وما من شك إن توافر مثل هذه المؤهلات ليس يسيرا، حيث يتطلب جهدا كبيرا وعملا متواصلا، بالشكل الذي يؤهل الباحث أن يحوز على آليات العمل الترجمي، وذلك بتعميق فكره ووسم أعماله بطابع أكثر رصانة وجدّية.
وما دامت الترجمة في عمقها الفلسفي تحيل إلى ممارسةٍ للسؤال؛ فإن هذا الأخير وكما هو معلوم يأتي نتيجة لجملة من الصعوبات التي نتصادف معها أو تعترض سبيلنا؛ وعليه يكون طرح السؤال متعلق أساسا بالفهم، هذا الأخير الذي هو متعدد ومختلف، بحيث لا يوجد فهم واحد ووحيد، وهو ما يبرره تعدد وجهات النظر بين الناس.
إذا الفهم متجدد لأنه مرتبط بالتأويل، والسؤال متكرر لأنه ناتج عن الفهم والتأويل، تلك هي الأرضية التي ينطلق منها الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" (1913 ــ 2005) في مساعيه الرامية إلى تبيان منزلة التأويل في براديغم الترجمة.
وفق هذا التصور وانطلاقا مما سبق يتشكل التساؤل التالي:
ما حقيقة الترجمة عند بول ريكور وما منزلة التأويل فيها ؟ أو بعبارة أخرى: هل تتأسس منطلقات وأبعاد العمل الترجمي على مركزية الألفاظ أم مِحوَرِيَة المعاني؟
ـــ تتخلل هذه الإشكالية التساؤلات التالية:
1 ــــ مالترجمة ؟
2 ـــ مالتأويل ؟
3 ـــ ماهي المحنة الذي يعاني منه المترجِم أثناء فعل الترجمة ؟
4 ـــ ماهو المخرج أو البديل من هذا المحنة ؟
5 ــــ كيف يمكن للفعل الترجمي أن يحمل أبعاداً إنسانية وحضارية نبيلة ؟
انطلاقا من هذه التساؤلات فإن فرضية العمل الأساسية التي نحاول تبريرها في هذا المقال متمثلة أساسا؛ في أن الترجمة ما دامت موجودة فعلا، فإنه يجب أن تكون ممكنة، وما دامت كذلك فهي تمثل جسرا للتواصل بين الأمم والشعوب، ومحركا ديناميكيا لعلاقات وثقافات العالم المتباينة.

1 ـــــ بيوغرافيا عامة حول بول ريكور(1):
النشأة والمسار أهم أعماله
ـــــ ولد بول ريكور بمدينة "فالانس" Valence بالجنوب الفرنسي سنة 1913.
ـــــ نشأ ضمن عائلة بروتستانتية محافظة، وتكفل به جدّاه بعد وفاة والديه.
ـــــ درس الفلسفة بجامعة السوربون، وتابع حلقات "جابريل مارسيل" حول الوجودية.
ــــ تعلم اللغة الألمانية، وأطلع على كتابات فلاسفتها.
ـــ في سنة 1939 ألقي عليه القبض وسجن، وترجم حينها في سرية تامة كتاب "أفكار مسددة".
ــــ عين أستاذا بالسوربون سنة 1959.
ـ في سنة 1964 قام بتأسيس قسم الفلسفة بجامعة "نانتير" Nanterre.
ــــ في سنة 1969عين عميدا لجامعة "نانتير" Nanterre، ليستقيل سنة بعد ذلك.
ـــــ من 1970 إلى 1985 درس بجامعة شيكاغو Chicago.
ـــــ تتموضع فلسفته في نقطة تقاطع بين تيارات فلسفية أهمها:
ــــ الفلسفة التأملية الفرنسية، الفلسفة القارية الأوربية، الفلسفة الأنجلو ــ ساكسونية.
ـــــ توفي سنة 2005، بإحدى الضواحي الجنوبية لباريس.
من أهم مؤلفاته:
ــــــ الزمان والسرد (ثلاثة أجزاء).
ــــــ بعد طول تأمل.
ــــــ فلسفة الإرادة الإنسان والخطأ.
ــــــ الذات عينها كآخر.
ــــــ الذاكرة، التاريخ، النسيان.
ـــــــ صراع التأويلات.
ـــــــ محاضرات في الإيديولوجيا واليوتوبيا.
ـــــــ من النص إلى الفعل أبحاث التأويل.
ـــــــ نظرية التأويل الخطاب وفائض المعنى.
ـــــــ في التفسير محاولة في فرويد.
ـــــــ الإستعارة الحية.
ـــــــ العادل.
ـــــــ النقد والصناعة.
ـــــــ مسار الاعتراف.
ــــــ عن الترجمة.
2 ــ في مفهوم الترجمة والتأويل:

أ ـــ في مفهوم الترجمة:
إن تعدد الحقول والتخصصات التي تتقاسم مهمة فعل الترجمة من لغة إلى أخرى ــ حيث نجد الترجمة الأدبية، والعلمية، والنفسية، والتاريخية، والفلسفية...الخ ــ يجعل من إمكانية تعريفها في مفهوم واحد ودقيق يكاد يكون أمرا عسيرا، لأن ما قد يصدق على الترجمة الأدبية، قد لا يصدق على غيرها من الترجمات.
ومن ثمة يمكن القول بأن الترجمة هي علم وفن بالدرجة الأولى، يفيد النقل والتواصل بمختلف أشكاله اللغوية والرمزية، وذلك إما داخل لغة واحدة أو بين لغتين مختلفتين، الأولى تكون ترجمة داخلية، والثانية تكون ترجمة خارجية، كما سنشير إلى ذلك لاحقا.
وقد ظهرت الترجمة بوصفها وسيطا حضاريا ومعرفيا، وكوسيلة مثلى للتفاهم والتواصل بين الشعوب والأمم الناطقة بلغات مختلفة، وذلك منذ الحضارة المصرية القديمة، فقد كان للفراعنة مترجمون محترفون مصنفون في مرتبة الأمراء لمدى نبل مهمتهم، كما ظهرت الترجمة في عصر النبي (ص)، حيث كانت رسائله التي يبعثها إلى الملوك تترجم في دواوينهم حين الوصول إليها. وفي عهد المأمون أيضا احتلت مكانة متميزة، حيث كان يكافئ المترجم بوزن كتابه ذهبا، نظرا لأهمية الترجمة ودورها في التقريب بين الشعوب والحضارات. (2)
وقد قطعت دراسات الترجمة في العصر الحاضر، أشواطا مرموقة منذ السبعينات لتحديد معالمها وإبراز مشاكلها ورسم قواعدها وتفهم عملياتها، فشكلت بذلك هيكل ما يسمى علم الترجمة، (...)، وقد خطت تلك الدراسات خطوات عملاقة، لكنها بقدر ماهي تتقدم تعود إلى الوراء، لأن الأسئلة الأزلية ما زالت مطروحة: إلى أي حد تكون للمترجم حرية التصرف ؟ وماهي معايير النوعية ؟ وكيف يمكن الحكم على الترجمة والمراجعة، علما أن الحدود قد تلاشت وأصبح الاستهداف والغرض هما المعياران الرئيسيان للأمانة في الترجمة.(3)

ب ـــ في مفهوم التأويل:
قبل أن نشرع في تعريف التأويل، لابدا لنا من التذكير بذلك اللغط والجدل الذي أثير حول كلمتي "التأويل" و "الهرمينوطيقا"، ومثال ذلك تأكيد الباحث "عبد المالك مرتاض" على مفهوم التأويل وتحبيذ استعماله بمقابل مصطلح الهرمينوطيقا، وفي ذلك يقول: "فهو أقبح ما ينطقه الناطق في اللغة العربية، ونحن لا نقبل بهذه الترجمة الهجينة الثقيلة، ما دام العرب عرفوا هذا المفهوم وتعاملوا معه تحت مصطلح التأويل". (4)
وبالمقابل هناك من يعترض على هذا الموقف ويرى بأنه كان من الأجدر بنا أن نستعمل لفظة "هرمينوطيقا" بدلا من التأويل وهو ما نجده عند الباحث "محمد شوقي الزين" في ترجمته لكتاب جونس هانز غادامير: فلسفة التأويل، حيث يقول: "أما استعمال صيغة "هرمينوطيقا" فهو أقرب إلى روح الكلمة نفسها، فهناك دوما كلمات أجنبية هي في عداد المتعذر ترجمته Intraduisible".(5) هذا ما يجعلنا نعتقد بأن المشكل راجع بالأساس إلى إشكالية الترجمة ضمن الاشتغال المعرفي العربي، الذي لم يستطع إلى حد الآن تبيئة العديد من المفاهيم والمصطلحات.
ولو بحثنا عن الاشتقاق اللغوي لمصطلح "هرمينوطيقا" Herméneutiqueفي المصطلح اليوناني القديم، فإننا نجده يرجع إلى الفعل Hermeneien الذي يترجم عادة بالفعل يفسر، وتشير الكلمة اليونانية Hermeinos إلى كاهنة معبد دلفي، كما نجد لفظ Hermineia الذي يشير إلى الإله المجنح هرمس Hermes.(6) هذا الأخير الذي كان واسطة بين الآلهة والبشر، وهنا تغدو الهرمينوطيقا: ترجمة، شرحا و تفسيراً.
وفي الفترة المعاصرة ارتبطت الهرمينوطيقا بسؤال الفهم، حيث تجاوزت أزمة المعنى التي كان يعاني منها الإنسان من خلال جهوده الرامية إلى فهم المعنى من وراء قصد الكاتب الواحد والوحيد، إلى الانفتاح على تعدد القراءات والدلالات، حيث تتعدد المعاني للنص الواحد.
على هذا الأساس يمكن القول بأن "النظرية التأويلية الحديثة حولت السؤال الفلسفي التقليدي كيف يجب أن يكون المعنى حتى أفهمه ؟ إلى سؤال جديد هو كيف أفهم حتى يكون المعنى ؟ وهو تحويل من بنية المعنى إلى بنية الفهم، من المعنى المعطى من طرف الله في الدين أو من طرف العقل الأول في الفلسفة إلى المعنى المنبثق عن الذات".(7)
3 ـــ حيرة الترجمة بنظر بول ريكور:
إن شغف "بول ريكور" بالمطالعة والقراءة منذ صغره جعله يترجم عديد الكتب من أجل شحن زوادته الفكرية، خاصة ما تعلق باللغات الأجنبية، خصوصا الألمانية والانجليزية، وفي هذا الصدد تعتبر ترجمته لكتاب "هوسرل" "أفكار مسددة" في سنة 1939 أول أعماله في الترجمة.
أثمرت نتائج هذه الترجمات بإصدار "بول ريكور" كتابا موسوما بـ" عن الترجمة" ــ والصادر في 2004 قبل وفاته بما يقارب سنة ــ تعرض فيه إلى واقع الترجمة وما تحمله من رهانات في المستقبل، ورغم صغر حجمه ــ الذي ترجمه إلى العربية "حسين خمري سنة 2008 في حدود 78 ص ـــ ، إلا إنه غني وثري ومركز بالمعاني العميقة التي تحتاج لفهمها استعمال تقنيتي التفسير والتأويل.
إن السؤال المحير والمركزي الذي حاول "بول ريكور" في هذا الكتاب الإجابة عليه متعلقا أساسا برهان الترجمة بين الإمكان والاستحالة ؟ لذلك يقول: "سأتكلم في البداية عن الصعوبات المرتبطة بالترجمة باعتبارها رهانا صعبا، وفي بعض الأحيان من المستحيل رفعه".(8) ومنه بنظر "بول ريكور" إننا أمام محنة ولكن أي محنة ؟ إنها محنة الترجمة، ما دامت هذه الأخيرة تمثل معاناة مستديمة وامتحانا صعبا، إذ أن المؤلف الذي ألف كتابه يكون طليقا بين معانيه، وبالمقابل يكون المترجم الذي يقوم بفعل الترجمة أسيراً لمعانيه ويالها من صعوبة !
في هذا المعنى يقول "عمر شيخ الشباب": "كما أن النص المترجم مقيد بالنص الأصلي، الأمر الذي يحصر الإبداع في الترجمة في العودة إلى النص الأصلي والمرور عبره لتوليد أفكار النص المترجم وكلماته". (9) وهو ما يؤكد محنة المترجم وصعوبتها.
وفي سياق حديثه عن صعوبات الترجمة يعود بول ريكور إلى كتاب "أنطوان بيرمان" من خلال كتابه "محنة الغريب" أو الأجنبي، وذلك لتوضيح هذه المحنة التي يعاني منها المترجم، فمن جهة أن النص المترجَم غريب عن المترجِم وكذا الكاتب أيضا، ومن جهة أخرى أن المترجِم يكون وسيطا في ترجمته بين صاحب النص وبين القارئ أو المتلقي، والذي هو الآخر غريب عن صاحب النص، فكيف له أن يتلقاه ؟ وهل سيوفق في هذا المسعى صاحب فعل الترجمة؟
كلها أسئلة وإشكالات محيرة تقف في وجه المترجم، وهو ما يلخصه "بول ريكور" مستفيدا من "شلايرماخر" في جملتين هما: "ربط القارئ بالكاتب" و"ربط الكاتب بالقارئ"(10)، علاوة على ذلك يقول:" ماذا نستطيع أن نفعل مع اللغة، ليس فقط قول نفس الشيء بطريقة مغايرة، ولكن قول شيء آخر لما هو كائن، هذه الفكرة ذكرها أفلاطون ويالها من حيرة !! إنها صورة السوفسطائي". (11)
والسؤال المحير بنظر "بول ريكور" يتمثل أساسا في أنه لماذا هناك لغات متعددة وليس لغة واحدة ؟
إن هذا الأمر بنظر "بول ريكور" يتطلب منا العودة إلى أسطورة بابل أين تبلبلت الألسن، حيث يقول: "إن أسطورة بابل تبدو قصيرة جدا ومضطربة في شكلها الأدنى، فإنها تدفع وبأثر رجعي باتجاه لغة فردوسية مقترضة ومفقودة وتعمل هذه الأسطورة كدليل على قيادتنا داخل متاهة". (12) مما يعني أنه بسبب هذه البلبلة تعددت الألسن واختلفت بعدما كانت لغة واحدة ولسان واحد، وهنا تولدت الترجمة، وصار هناك دافعية للترجمة، أو بالأحرى حتمية الترجمة من أجل التواصل والتفاهم مع الآخر الذي يشبهني، لكنه مختلف عني في لغته وفي ثقافته.
علاوة على ما سبق يرى ريكور أنه رغم هذه الدافعية للترجمة، إلا أنه هناك صعوبة أخرى تقف عائقا أمامها، وهي أن البشر يتكلمون لغات مختلفة، وفي الوقت ذاته يستطيع أي منهم تعلم لغة أخرى خارج لغته الأصلية، وهو ما جعل الترجمة بتعبير "بول ريكور" " تنغلق داخل بديل مدمر يجب التخلص منه ــ خصوصا ـــ وأن تنوع اللغات يعبر عن تنافر جذري، ومنه تكون الترجمة مستحيلة نظريا، لأن اللغات قابلة للترجمة فيما بينها قبليا.". وما دامت الترجمة موجودة فعلا، فإنه "يجب أن تكون ممكنة. وإذا كانت ممكنة، فإنه ومع الاعتراف بتنوع اللغات، فإنه توجد بنيات خفية؛ إما لأنها تحمل أثر لغة أصلية مفقودة والتي يجب إيجادها، وإما وجود شفرات قبلية في شكل بنيات كلية، أو كما نقول بنيات متعالية Transcendantalles يمكن إعادة بنائها." (13)
من خلال ما تقدم يوجز "بول ريكور" حصيلته حول الصعوبات المتعلقة بالترجمة في القول التالي: "هذه هي الحصيلة الموجزة للمعركة التي تتواجه فيها نسبية الميدان التي يجب أن تصل إلى نتيجة مفادها استحالة الترجمة وشكلانية المكتب التي أخفقت في تأسيس فعل الترجمة على أساس بنية كونية يمكن البرهنة عليه (...)، ورغم الانشقاقات فنحن نناضل من أجل الأخوة الجامعة، ورغم تنافر اللهجات يوجد مزدوجو اللغة ومتعددو اللغات وتراجمه محترفون" (14)، على هذا الأساس حاول "بول ريكور" أن يجد حلا لهذه المحنة التي يعاني منه المترجم، فكيف صاغ موقفه من أجل الخروج من هذا المحنة ؟ أين يكمن الحل إذا ؟
4 ـــ الهرمينوطيقا (التأويل) المخرج من محنة الترجمة:
من خلال مأزق الترجمة، ولتذليل تلك الصعوبات، يقدم "بول ريكور" مخرجا هرمينوطيقيا يتمثل في ثنائية الأمانة/ الخيانة. وهو ما عبر عنه قائلا: "أقترح وجوب الخروج من هذا البديل النظري: قابل للترجمة، غير قابل للترجمة، وتعويضه ببديل آخر أكثر عملية ينبثق من الممارسة الترجمية ذاتها وهذا البديل هو الأمانة مقابل الخيانة."(15)
إذا البديل الذي يقدمه ريكور في مقابل الاستحالة/ الامكانية للترجمة، هو الأمانة مقابل الخيانة، وهو ما يمكن توضيحه من خلال المثال التالي: (16):
.since that time "dead letter" It has remained
تكون ترجمتها الحرفية كما يلي:
بقي "حرفا ميتا" منذ ذلك الوقت، وهنا نكون أوفياء للغة الأصلية على حساب المعنى.
كيف سيكون الأمر لو استخدمنا ترجمة وظيفية ؟ وقلنا ما يلي:
بقي "حبرا على ورق" منذ ذلك الوقت، ألا نلاحظ أن المعنى أصبح أكثر قوة ووضوحا من المعنى الأولى الذي كنا أوفياء فيه للغة الأصلية.
وكيف سيكون الأمر أيضا لو استخدمنا ترجمة حرة ؟ وقلنا:
ولم يتم تطبيقه منذ ذلك الوقت، ألا نلاحظ أن المعنى يتناسب أكثر مع طبيعة لغتنا العربية
من خلال هذا المثال يتضح إننا إزاء معادلة صعبة، الإخلاص للغة النص وبالتالي الترجمة الحرفية، وهاته الأخيرة قد تخل بالمعنى بالنسبة للغة المترجَم إليها، وبين خيانة لغة النص الأصلية، الذي يوصل المعني لذهن القارئ بالشكل الصحيح، من هنا لابدا للمترجم وخاصة في مجال الأدب أن يكون حرا، لأن الترجمة في النهاية سلبية كانت أم إيجابية هي فعل تملك، فالصعوبات المتعلقة بها على حد تصور "بول ريكور" وكما أكد "هومبولت" عليها راجعة بالأساس إلى تنوع اللغات وتعددها، وهنا يعود ويرجع بول ريكور مرة أخرى إلى أسطورة بابل أين تبلبلت الألسن، "هكذا نحن، وهذا وجودنا متناثرون ومضطربون، ما لمطلوب منا إذن ؟ طبعا الترجمة". (17)
من هنا وبعد مرحلة بابل كما يرى ريكور نكون قد دخلنا عتبة الترجمة، مستشهد في ذلك بمقولة "جورج ستاينر" ــــ من خلال كتابه "ما بعد بابل Après Babel الصادر سنة 1976ــــ التي مفادها "أن الفهم هو الترجمة"، هذا ما سيستثمره من خلال مقاربته لسؤال الترجمة بين ضوابط النصية ورحابة التأويل.
بعد تعدد الألسن صارت الترجمة "وظيفة ليس بمفهوم الواجب المجرح والمضايق، ولكن بمعنى الشيء الذي يجب فعله من أجل أن يستطيع العمل الإنساني أن يواصل الاستمرار"، أو كما يقول "فلتر بنجامين"أنه بدءا من حقيقة هذه الحياة ــ أي التشتت بعد البلبلة ــ لنترجم. (18)
والترجمة هنا تغدو مطلبا ملحا وضرورة لا مناص منها، ذلك أنه إذا ما أردنا السفر أو الترحال، فإننا سنتصادف لا محالة مع أناس آخرين مختلفين عنا في اللغة والثقافة، بل وحتى المعتقد، ولا بد لنا لقضاء حاجياتنا أن نتواصل معهم، وهذا لن يكون إلا باللغة، وبما أن لغتهم ليست كلغتنا وجب علينا فهمها، وذلك لن يكون إلا بواسطة الترجمة.
إذ لولا الترجمة من اللغات الأخرى، لما تعرفنا على كتابات المفكرين والفلاسفة والرحالة أمثال أفلاطون، أرسطو، كريستوف كولومبوس، بل وحتى بول ريكور نفسه الذي نحن بصدد الحديث عنه.
من هنا يتضح جليا أن الترجمة عند بول ريكور وفق هذا المنظور تنقسم إلى نوعين:
1ـــ ترجمة داخلية: والتي تتم في إطار اللغة الواحدة، أي ترجمة رموز من نفس اللغة إلى ترجمة أخرى لكن بمعنى مختلف، حيث نجد كلمة واحدة داخل اللغة الواحدة تحمل أكثر من دلالة، في هذه المنطقة تحمل دلالة معينة، وفي منطقة أخرى تحمل دلالة أخرى رغم تشابه النطق والحروف ورغم أنهما من جنس اللغة الواحدة.
2 ــ ترجمة خارجية: وهي الترجمة التي تتم بين لغتين أو أكثر مختلفين، وهذا هو المقصد من الترجمة، مثلا من الفرنسية إلى العربية، أو من الألمانية إلى الفرنسية أو الإنجليزية...الخ، وهنا مكمن الصعوبة، أين نكون أمام لغتين مختلفتين.
وبالنظر إلى ثنائية الأمانة والخيانة التي يقترحها ريكور، يرى أنه لا يوجد معيار مثالي للترجمة الجيدة، أو بالأحرى لا وجود لترجمة مثالية، كما أن التقيد بالترجمة الحرفية كما تبين معنا من خلال المثال السابق الذي قدمناه تتوفر على الأمانة اللغوية وبالتالي الوفاء لصاحب النص الأصلي، لكن للأسف ليس هذا من جنس لغة الهدف والمراد من الترجمة. من هنا فإن الخيانة للحرفية على حساب الأمانة للمعنى، هو معيار الترجمة الناجحة حسب ريكور.
في هذا المعنى يقول "بول ريكور": "الطريقة الوحيدة التي ننقد بها ترجمة، وهو ما يمكن أن نقوم به دائما، هو أن نقترح ترجمة أخرى مفترضة نعتقد أن تكون أجمل أو مختلفة، وهذا بطبيعة الحال ما يحدث في ميدان عمل المترجمين المحترفين."(19)
من هنا تغدو الترجمة تأويلا ويغدو كل مؤول مترجما، وهكذا فإن الترجمة لا تحدها حدود، كونها مرتبطة بالتأويل، هذا الأخير الذي لا ينتهي، كونه سلسلة مستمرة متواصلة، إننا أمام تعدد في الترجمات تبعا لتعدد التأويلات، وكل تأويل هو مفتاح لتأويل آخر. هذا ما عبر عنه ريكور قائلا: " وبالنسبة إلى المشتغل في الهرمينوطيقا، فإن للنص معنى متعددا (...) ـــ كما ــ أن أي تعبير له أبعاد متغيرة، فهو إذ يعني شيئا، فإنه يعني في الوقت نفسه شيئا آخر."(20)، كما أن الكلمة الواحدة في القواميس تحمل أكثر من دلالة، ويتحدد المعنى الأخير حسب الاستعمال أو السياق.
وبلجوئنا إلى السياق كما يقول ريكور: "نكون قد مررنا من الكلمة إلى الجملة، هذه الوحدة الجديدة هي بطبيعة الحال الوحدة الأولى للخطاب (...)، والجمل تشكل نصوصا والنصوص هي نسيج يصوغ الخطاب في شكل مقاطع تتراوح بين الطول والقصر."(21)
ضمن هذا الاطار وفي معرض استنتاجه حول ثنائية الأمانة/ الخيانة، يقول ريكور: "نلتقي بهذا الثنائي على أمل تحقيق الأمانة إلى أقصى حد، لكن الأمانة لمن ولأي شيء؟ الأمانة لإمكانات اللغة للمحافظة على السر ضد سعيه لخيانته."(...)، هكذا هي عظمة الترجمة ومخاطر الترجمة، إنها الخيانة للأصل وتملك خلاقّ أيضا من طرف لغة الاستقبال وبناء ما يمكن مقارنته". (22)
من هنا تكون مهمة المترجم هنا هي الوساطة بين قصد الكاتب وفهم القارئ، وهنا تغدو الترجمة تواصلا، فكيف يتم ذلك ؟
5 ـــ الترجمة والتواصل:
من خلال المخرج الهرمينوطيقي الذي قدمه "بول ريكور" لمحنة الترجمة عبر ثنائية الأمانة/ الخيانة، فإنه يكون قد فتح قنوات للترجمة والتواصل والحوار مع الشعوب والمجتمعات خارج اللغات الأصلية.
في هذا السياق نجده يقول: "أبقى حائراً وأعترف بذلك، لقد اندفعت وهذا أكيد إلى ايثار المدخل الأجنبي بدل غيره، ألم يحركنا واقع التعددية الإنسانية وباللغز المزدوج للاتواصل بين اللغات والترجمة رغم كل شيء ؟ وبعد كل ذلك هل يمكن أن نلتفت إلى غرابة الخصوصية دون محنة الغريب ؟ وأخيرا ألم نكن دون هذه المحنة مهددين بالانغلاق داخل برودة مونولوج منعزلين مع كتبنا ؟ كل الشرف إذن للضيافة اللغوية."(23)
إذا تشّكل الدافعية للترجمة آفاقا للحوار والتواصل مع الآخر، هذا الغريب عنا والذي بالإمكان أن يصبح قريبا منا عبر براديغم الترجمة التي هي لقاء مع الآخر، فالمترجم أثناء فعل الترجمة يقوم بإرسال رسالة عبر ترجمته إلى مستقبِل وهو المتلقي أو القارئ.
إن مثل هذا الأمر، وبما أن الترجمة لقاء مع الآخر، فإنها تقتضي بحسب مفهوم "الضيافة اللغوية" الذي صاغة ريكور أن يكون هناك أخلاقيات لهذا المحاور من: احترام، وتقدير، واعتراف، وأمانة...الخ، وهو ما يفتح قنوات الحوار البينذاتي ويكرس إتيقا النقاش. أضف إلى ذلك أن تعدد اللغات في العالم كما يرى ريكور يعد حافزا قويا وباعثا حتميا للترجمة، وذلك من أجل التواصل البشري والحضاري بين الأمم والشعوب، من أجل تلاقح الحضارات فيما بينها.
في هذا السياق يرى الشاعر الفرنسي "فيكتور هوجو: "إن المترجمين هم بناة الجسور التي صارت الشعوب تعبرها فيما بينها لتبادل الزيارات (...)، كما إن الشاعر الروسي "بوشكين" يعتبر المترجمين كالخيول التي تنقل الحضارات، هذا وإن دل على شيء، فإنما يدل على الهدف الرئيس لعملية ترجمة نصوص من لغة إلى أخرى. (24)
ومن هنا تغدو الترجمة محركا ديناميكيا لثقافات العالم المتباينة، حيث أن الازدهار الحضاري الذي عرفته الفترة المعاصرة إلا نتيجة لهذه الحركة ــ الترجمة ــ وذلك في عديد المجالات الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية، وهو ما عبر عنه "سالم العيسي قائلا: "الترجمة هي بنت الحضارة ورفيقتها الدائمة عبر الزمان والمكان، إنها النافذة التي تفتحها عبر الشعوب المختلفة لتستنير بنور غيرها."(25)
كما أن هنالك أهمية للترجمة لا تقل عما سبق، وهي أنها تساعد بشكل كبير الذين لا يحسنون التكلم باللغات الأخرى، وربما يجدون ضالتهم من خلال هذه الترجمات من أجل استثمارها والاستفادة منها في إنجاز بحوثهم أو ما شابه، وتبقى الترجمة فعل إنساني نبيل يجمع بين الأمم والشعوب في بوتقة واحدة.
خلاصة:
انطلاقا مما سبق يمكن القول أننا حاولنا التأكيد في هذا المقال على ما يلي:
1 ــــ رغم تباين الحقول والتخصصات التي تتقاسم مهمة فعل الترجمة من لغة إلى أخرى، فإنه يمكننا تعريف الترجمة بوصفها علماً وفناً بالدرجة الأولى، يفيد النقل والتواصل بمختلف أشكاله اللغوية والرمزية، وذلك إما داخل لغة واحدة أو بين لغتين مختلفتين، الأولى تكون ترجمة داخلية، والثانية تكون ترجمة خارجية.
2 ـــــ رغم تباين الآراء بخصوص مصطلحي التأويل والهرمينوطيقا، كون الأول عرفه السياق العربي والإسلامي والآخر عرفه السياق الغربي، فإن التأويل (الهرمينوطيقا) في الفترة المعاصرة ارتبط بسؤال الفهم، حيث تم تجاوز أزمة المعنى التي كان يعاني منها الإنسان من خلال جهوده الرامية إلى فهم المعنى من وراء قصد الكاتب الواحد والوحيد، إلى الانفتاح على تعدد القراءات والدلالات، وبذلك تتعددت المعاني للنص الواحد.
3 ــــــ حاول "بول ريكور" من خلال مساعيه الرامية للتأكيد على محنة الترجمة من حيث الإمكان والاستحالة ـــ انطلاقا من تصوره بأن الترجمة تمثل تحد كبير ــ ، على أن المترجم أثناء ترجمته يكون في حيرة بين فهم المؤلِف، وبين تلقي القارئ لهذا العمل المترجم من قبله.
4 ــــــ للخروج من ضيق هذا الحيرة يقترح "بول ريكور" منظورا هرمينوطيقيا، يتمثل أساسا في عدم الاكتفاء بالمظهر الشكلي للغة أو التقني ـــ وبالتالي عدم الاكتفاء بالتنظير ــ والانتقال إلى الواقع الخارجي للغة المتمثل أساسا في الممارسة، وهنا تغدو الترجمة في واقعها ترجمات ويحمل النص الفلسفي الواحد بذلك أكثر من دلالة أو يحتمل أكثر من تأويل.
5 ــــ انطلاقا مما سبق كان لهذه الترجمة أبعادا إنسانية عميقة، حيث أصبحت بمثابة إعادة بناء للخطاب الإنساني أو بالأحرى أصبحت وظيفة إنسانية تتخذ من البعد الأخلاقي أساسا لها. تلك هي عظمة الترجمة التي لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال أو في أي وقت من الأوقات، إنها الوقود المحرك لثقافات الأمم والشعوب.
ـــ قائمة الهوامش:
1 ــــ ريكور بول، عن الترجمة، تر: خمري حسين، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر، بيروت، ط1، 2008، ص 7 وما بعدها.
2 ــ بوحلاسة سارة، أهمية نظرية قواعد الحالات لتناول فيلمور في ترجمة النصوص الأدبية ترجمتا "منير البعلبكي" و "دار أسامة" لقصة مدينتين لتشارلز ديكنز نموذجا، رسالة ماجستير، غير منشورة لنيل شهادة الماجستير في الترجمة، جامعة قسنطينة، الجزائر 2011/2012، ص 21.
3 ــ الديداوي محمد، الترجمة والتواصل، دراسات تحليلية عملية لإشكالية الاصطلاح ودور المترجم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص 06.
4 ــ مرتاض عبد المالك، التأويلية بين المقدس والمدنس، مجلة عالم الفكر، الكويت، مجلد29، عدد 1، 2000، ص 263.
5 ــ هانس جورج غادامير، فلسفة التأويل الأصول ــ المبادئ ــ الأهداف، تر: الزين محمد شوقي، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، المركز الثقافي العربي، بيروت، الجزائر العاصمة، ط2، 2006، ص 35.
6 ــ عبد السلام صفاء على جعفر، هرمينوطيقا (تفسير) الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، نشأة المعارف، الإسكندرية، 2000، ص23.
7 ــ كيحل مصطفى، الأنسنة والتأويل في فكر محمد أركون، منشورات الاختلاف، دار الأمان، الجزائر العاصمة، الرباط، ط1، 2011، ص 251.
8 ــ ريكور بول، عن الترجمة، ، ص 15.
9 ــ شيخ الشباب عمر، التأويل ولغة الترجمة نحو نظرية لغوية لدراسة الإبداع والإتباع في الترجمة، مطبعة، العجلوني، دمشق، ط1، 2000، ص 6.
10 ــــ ريكور بول، عن الترجمة، ص 16.
11 ــــ المصدر نفسه، ص 51.
12 ــ ريكور بول، عن الترجمة، ص ص 32 33.
13 ــ المصدر نفسه، ص ص 34 36.
14 ــ المصدر نفسه، ص 39.
15 ــ المصدر نفسه، ص 34.
16 ــ بوحلاسة سارة، أهمية نظرية قواعد الحالات لتناول فيلمور في ترجمة النصوص الأدبية ترجمتا "منير البعلبكي" و "دار أسامة" لقصة مدينتين لتشارلز ديكنز نموذجا، ص ص 35 36.
17 ــ المصدر نفسه، ص 40.
18 ــ المصدر نفسه، ص ص 41 42.
19 ــ المصدر نفسه، ص 44.
20 ــ ريكور بول، صراع التأويلات دراسات هرمينوطيقية، تر: منذر عياشي، مراجعة: جورج زيناني، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، ط1، 2005، ص 99.
21 ــ ريكور بول، عن الترجمة، ص ص 49 50
22 ــ المصدر نفسه، ص 52 67.
23 ــ المصدر نفسه، ص 52.
24 ــ يورغن هابرماس، جوزيف راتسينغر، جدلية العلمنة العقل والدين، تعريب وتقديم: حميد لشهب، جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت، ط1، 2013، ص 12.
25 ــ العيسى سالم، الترجمة في خدمة الثقافة الجماهيرية: تاريخها ـ تطورها، إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1999، ص 10.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Dr. Mougay Bilal

فلسفة اللغة والتواصل   / أدرار , الجزائر