أضيف في 25 فبراير 2018 الساعة 23:39

. العنف النصرانى فى التاريخ ''القول بأن الإسلام المعتدل خرافة هو الخرافة''


إبراهيم عوض
. العنف النصرانى فى التاريخ
"القول بأن الإسلام المعتدل خرافة هو الخرافة"
بقلم: فنسينزو أوليفيتى (مؤلف كتاب "مصدر الإرهاب- العقيدة الوهابية السلفية وعواقبها")
ترجمه عن الإنجليزية د. إبراهيم عوض

فى مقال نُشِر مؤخرًا فى مجلة "السِّبِكْتِيتَرْ" البريطانية يهاجم الزعيم الأنجليكانى باتريك سوكْدِيو المسلمين ودينهم هجوما عنيفا. ترى هل يَثْبُت ما كتبه المؤلف فى ذلك المقال على محك التمحيص؟
الواقع أن مقالة باتريك سوكديو: "خرافة الإسلام المعتدل" فى "السبكتيتر" اللندنية بتاريخ 30 يونيه 2005م تعكس اتجاها خطيرا فى الحرب على الإرهاب، إذ تحت ستار الرغبة فى تعريف الغربيين بالإسلام نجده ينشر نفس التضليل الذى تقوم عليه الكتابات العدائية لذلك الدين على مدار أكثر من ألف عام، وهذا من شأنه أن يكون أداة مباشرة فى يد أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوى وغيرهما، لأنه يشجع فكرة "صراع الحضارات" التى يرغبون فى دوامها على نحوٍ جِدِّ مَقِيت. وإنه لمن المهم جدا أن نعرف الإسلام على نحو أفضل مما نعرفه الآن وأن نكافح وباء التطرف بكل ما فى أيدينا من إمكانات. بيد أن سوكْدِيو وأمثاله يفسدون القضية بطريقتهم التى يَسْعَوْن من ورائها إلى خدمة أغراضهم هم، وذلك من خلال تحويل الحرب على الإرهاب إلى إشعال حرب دينية على الإسلام ذاته.
العنف الإسلامى:
ويتضح انحياز سوكْدِيو منذ البداية، فهو يزعم أن الإرهابيين يمثلون الإسلام حقا، إذ يقول: "ينبغى علينا أن نصدقهم إذا قالوا إنهم يفعلون ذلك باسم الإسلام. أليس من الغطرسة الشديدة والتنكر التام لليبرالية أن ننكر عليهم الحق فى تعريف أنفسهم بأنفسهم؟". أما فى باقى المقالة فهو يبذل جهدا مكثفا لإنكار حق التعريف الذاتى على سائر المسلمين الآخرين الذين يقولون إنهم يرفضون التفاسير المتطرفة للإسلام. والحقيقة أن 5% فحسب من المسلمين هم الذين يمكن تصنيفهم على أنهم أصوليون، وأن 1., . % فقط من هؤلاء الخمسة فى المائة يُبْدُون قدرا من الميل نحو ممارسة الإرهاب أو "العنف الدينى". إنها إذن "قمة التنكر للّيبرالية" أن نعرّف نحو المليار وثلث المليار من المسلمين بأنهم إرهابيون رغم أنهم لا صلة بينهم وبين "العنف الدينى" بأى حال، لمجرد أخطاء يرتكبها هامش ضئيل لا يزيد عن 005,. %. وعلى أكثر تقدير فإن واحدا فقط من كل 200000 مسلم يمكن اتهامه بالإرهاب. أى أن كل ما هنالك من إرهابيين فى العالم لا يزيدون عن 65 ألفا ليس إلا، وهو تقريبا نفس عدد القتلة الطُّلَقاء فى الولايات المتحدة وحدها، فضلا عن أكثر من 200 ألف قاتل أمريكى فى العام الواحد فى أمة تعدادها لا يتجاوز 300 مليون نسمة.
ويدعى سوكْدِيو أن على المسلمين "الالتزام بالصدق والإقرار بالعنف الذى يصبغ تاريخهم". ومع ذلك فحين نأخذ فى الاعتبار أن معظم الكتب التى تتحدث عن اعتداءات المسلمين قد كُتِبت بأقلامٍ مسلمةٍ كان من الصعب القول بأن المسلمين بوجه عام قد اختاروا تجاهل الفظائع التى ارتكبوها فى الماضى. وبطبيعة الحال هناك مسلمون ينكرون بعضا من ذلك الماضى، بالضبط مثلما أن هناك بريطانيين لا يزالون ينكرون فظائع الحقبة الاستعمارية، ومثلما أن هناك أمريكيين ينكرون المجازر التى اجترحوها فى حق سكان أمريكا الأصليين، ومثلما أن هناك ألمانًا ينكرون المحرقة التى قضت على ستة ملايين يهودى. إلا أن الحقيقة المرة مع ذلك كله تقول إن الحضارة النصرانية قد ارتكبت من الفظائع ما يزيد كثيرا جدا على ما ارتكبته الحضارة الإسلامية، حتى لو وضعنا فى الحسبان التعداد الأكبر الذى بلغه أصحابها والعمر الأطول الذى استغرقه تاريخها.
العنف النصرانى:
الحق أنه لا وجود فى أى مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامى لمثل ذلك المبدإ الذى كان ينادى به القديس أوغسطين، وهو : "عليكم أن تنصِّروهم قَسْرًا وإكراهًا". بل إن القرآن ليقول العكس من ذلك تماما كما فى الآية السادسة والخمسين بعد المائتين من سورة "البقرة"، ونصها: "لا إكراه فى الدين". لقد أدت فكرة أوغسطين المرعبة التى توجب إكراه الجميع على "التطابق" مع "العقيدة النصرانية الصحيحة" إلى قرون من سفك الدماء الذى ليس له فى تاريخ البشرية نظير. أجل، لقد عانى النصارى أثناء سلطان الحضارة النصرانية أكثر مما عانَوْا تحت سلطان الرومان قبل مجىء النصرانية أو أى سلطان آخر طوال التاريخ. لقد تجرع الملايين غصص التعذيب وذُبِحوا ذبحا باسم النصرانية أثناء البدع الآريوسية والدوناتية والألبيجينية، ودعنا من محاكم التفتيش المختلفة أو الحروب الصليبية التى كانت الجيوش الأوربية تقول فيها وهى تجزر رقاب المسلمين والنصارى معا: "اقتلوهم عن بَكْرة أبيهم، ولسوف يميز الله من يخصّونه ممن لا يخصّونه". وغَنِىٌّ عن القول أن هذه الاعتداءات التى قام بها النصارى، بل كل الاعتداءات النصرانية على مدار التاريخ، لا صلة بينها على الإطلاق وبين السيد المسيح أو حتى بينها وبين الأناجيل كما نعرفها. أجل لا يوجد مسلم واحد يمكن أن يؤاخذ السيد المسيح (الكلمة التى صارت جسدا بالنسبة للنصارى والمسلمين جميعا)، فكيف إذن تواتى سوكْدِيو نفسُه على محاسبة القرآن (كلمة الله التى صارت كتابا بالنسبة للمسلمين) على الاعتداءات الإسلامية (التى تقلّ كثيرا جدا عن نظيرتها النصرانية)؟
والواقع أن ذلك العنف الأعمى الذى لا يعرف التمييز لا يقتصر البتة على "عصور الظلام" فى أوربا أو على فترة واحدة من التاريخ النصرانى دون سواها، فحركات الإصلاح الدينى والحركات المضادة لها قد دفعت كلتاهما بالمجازر التى ارتكبها النصارى بعضهم فى حق بعضهم إلى آمادٍ قياسيةٍ غير مسبوقة، إذ تمت إبادة ثلثى النصارى فى أوربا خلال تلك الفترة. ثم لا ينبغى أن ننسى الحروب النابليونية من 1792 إلى 1815م، ولا تجارة الرقيق الأفريقى التى حصدت أرواح عشرة ملايين إنسان، أو الغزو الاستعمارى المتلاحق، فضلا عن الحروب والبرامج والثورات والإبادات الأخرى. إن أعداد السكان الأصليين الذين أبيدوا فى شمال أمريكا ووسطها وجنوبها لترتفع إلى رقم العشرين مليونا فى خلال ثلاثة أجيال لا غير.
وبالإضافة إلى ألوان التخريب والعنف الأوربى فى الماضى، أخذت الحضارة الغربية الحروب مرة أخرى إلى مسافاتٍ لم تعرفها البشرية من قبل حتى إن أحد الإحصاءات المتحفظة ليصل بعدد المقتولين قتلا وحشيا فى القرن العشرين إلى أكثر من مائتين وخمسين مليونا يتحمل المسلمون منها وِزْر أقل من عشرة ملايين ليس إلا، على حين يُسْأَل النصارى أو المنتمون إلى النصرانية عن مائتى مليون من ذلك العدد. و يعود معظم أعداد هؤلاء القتلى إلى الحرب العالمية الأولى (20 مليونا، 90 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى") والحرب العالمية الثانية (90 مليونا، 50 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى"، أما الباقى فقد وقع أغلبه فى الشرق الأقصى). وبالتأمل فى ذلك التاريخ المرعب يجب علينا نحن الأوربيين جميعا أن نعى تماما الحقيقة الساطعة التى تؤكد أن الحضارة الإسلامية أقل بما لا يقاس من ناحية القسوة والوحشية من الحضارة النصرانية. ترى هل كانت المحرقة التى راح ضحيتها 6 ملايين يهودى من صنع حضارة المسلمين؟
وفى القرن العشرين وحده نجد أن الغربيين والنصارى قد ارتكبوا من جرائم القتل أضعاف ما وقع من الدول الإسلامية عشرين مرة على أقل تقدير. ولقد تسببنا نحن الغربيين فى هذا القرن الذى لم يشهد التاريخ مثله دموية فى إيقاع الإصابات بين المدنيين بما لا يقاس به ما صنعه المسلمون على مدار تاريخهم جميعا: انظر إلى إزهاق أرواح 900000 رواندى عامى 1992م و1995م فى بلدٍ أكثر من 90% من سكانه نصارى، أو انظر إلى إبادة أكثر من 300000 مسلم، وكذلك الاغتصاب المنظم لأكثر من 100000 امرأة مسلمة فى البوسنة، على يد نصارى الصرب. فهذه الحقائق البشعة تقول بلغة الأرقام والإحصاءات التى لا تعرف الكذب إن الحضارة النصرانية هى أشد حضارات التاريخ عنفا ودموية، وإنها مسؤولة عن إزهاق مئات الملايين من الأرواح.
لقد كان إنتاج الأسلحة النووية واستعمالها كفيلا فى حد ذاته بأن يجعل الغرب يتوارى خجلا أمام باقى شعوب العالم: فأمريكا هى التى صنعت الأسلحة النووية، وأمريكا هى الدولة الوحيدة التى استخدمت الأسلحة النووية، والدول الغربية هى التى تسعى إلى الحفاظ على احتكار الأسلحة النووية. وعلى هذا الأساس فليس لنا الحق بتاتا فى الاعتراض على حيازة الدول الأخرى لهذه الأسلحة إلا إذا أثبتنا أننا متجهون إلى التخلص منها تماما.
ولا بد من القول بأن الإسلام، رغم اشتماله على مفهوم الحرب المشروعة دفاعا عن النفس (كما هو الحال فى النصرانية، وكذلك البوذية)، لا مكان فى ثقافته (أو فى أية ثقافة أخرى من الثقافات الموجودة الآن) لإمكانية تحويل العنف إلى مثلٍ أعلى أو جعله وثنا معبودا كما فعلت الثقافة الغربية. إن الغربيين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ناس مسالمون، بيد أن الرقة والسموّ اللذين يطبعان الأناجيل بطابعهما، وكذلك الطبيعة المحبة للسلام التى تتسم بها الديموقراطية، ليس لها فى الحقيقة أى انعكاس فى الثقافة الغربية الشعبية إلا على سبيل الندرة. بل على العكس نرى الاتجاه التام لتلك الثقافة، متمثلا فى أفلام هوليوود وبرامج التلفاز الغربية وألعاب الفيديو والموسيقى الشعبية والمسابقات الرياضية، ينحو منحى تمجيد العنف وتزيينه. ومن ثم فإن المعدلات النسبية لجرائم القتل (وبخاصة القتل العشوائى والقتل المسلسل) فى العالم الغربى (وبالذات فى الولايات المتحدة الأمريكية، بل حتى فى أوربا كلها بصفة عامة) أعلى من مثيلاتها فى العالم الإسلامى فى البلاد التى لا يوجد فيها حروب طائفية، وذلك على الرغم من أن الغرب يتمتع بثروة أضخم كثيرا. ترى هل قرعت سمعَ سوكْدِيو يومًا الكلماتُ التالية من إنجيل متى؟:
"7 1 لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا،2لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. 3وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ 4أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ 5يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!".
القرآن واللجوء إلى العنف:
ومثل معظم الكتابات الجدلية المعادية للإسلام يشكل باقى مقالة سوكْدِيو خليطا من الحقائق والأوهام. فعلى سبيل المثال يزعم سوكْدِيو أن كثيرا من الآيات القرآنية التى تدعو إلى السلم قد نسختها الآيات التى نزلت بعدها. صحيح أن كثيرا من علماء المسلمين يقولون إن الآيات اللاحقة تنسخ الآيات السابقة، غير أن نطاق النسخ يختلف من عالِمٍ إلى آخَرَ اختلافا بعيدا: فبعض العلماء يرى أن الآيات المنسوخة لا تتجاوز خمس آيات، على حين يرى علماء آخرون أن عدد المنسوخ يتجاوز 150 آية. وعلى ذلك فزَعْم سوكْدِيو بأنه "متى وُجِد تعارض فى الآيات القرآنية كان اللاحق منها ناسخا للسابق" هو تبسيطٌ مُخِلّ. ذلك أن الادعاء بتقدم الآيات الداعية إلى السلم جميعها على الآيات المحبّذة للحرب وانتساخها بها هو، بكل بساطةٍ، ادعاء زائف. فمثلا هناك آيات نزلت فى العامين الأخيرين من حياة محمد (عليه السلام) تنهى المسلمين عن الانتقام ممن أخرجوهم من بيوتهم: "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (المائدة/ 2)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (المائدة/ 8).
ومن الصعوبة بمكان أن يتخيل الواحد منا رسالة أقوى من هذه الرسالة فى الدعوة إلى العدل والعفو والتصالح. وفضلا عن ذلك فكثير من علماء المسلمين يستشهدون بالآيات المبكرة التى تحض على السلام فى دعوتهم للشباب المسلم إلى نبذ تطرف المتطرفين، فهل يُؤْثِر سوكْدِيو أن يُصِيخ الشباب المسلم السمعَ لأولئك الذين يفسرون له تلك الآيات على أنها قد تم نسخها كما يقول؟
ومن اللافت للنظر أن سوكْدِيو، شأنه شأن من يفسرون القرآن من المتطرفين، يسىء الاستشهاد بالآيات القرآنية باقتطاعها عن سياقها الذى وردت فيه، قائلا إن الآيتين التاسعة والخمسين والستين من سورة "الأنفال" تحضان على الإرهاب، رغم أن الآية الأخيرة لا تدعو فى واقع الأمر إلى شىء من هذا، بل تشكل مع الآية التى تعقبها كلا واحدا، ونصها: "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا". وبالمناسبة فهذه الآية هى أيضا من الآيات المتأخرة فى النزول. وفى هذا السياق نجد الآية الستين تأمر المسلمين بألا يقفوا موقفا سلبيا تجاه تهديدات عدوهم، ثم تأتى الآية الحادية والستون لرسم حدود هذا الأمر فى الواقع العملى. وعلى هذا فليس فى الآية على الإطلاق أية دعوة إلى الإرهاب. ولربما لو كان سوكْدِيو يلمّ بالعربية إلمامًا جيدًا لكان فهمه للقرآن أفضل، لكنه يفتقر إلى مثل هذا الإلمام المطلوب، وهو ما يجعل من الصعب علينا الاقتناع بما يقوله عن الإسلام وتعاليمه مهما يكن المنصب الذى يشغله أو اللقب الذى يتحلى به.
ويمضى سوكْدِيو قائلا إن الإنسان يمكنه الاختيار بين الآيات التى تحبّذ العنف وتلك التى تدعو إلى السلام. وهذا صحيح، إلا أنه سيكون فى هذه الحالة متسرعا تسرعا شديدا فى القول بأن القرآن يرحب بالعنف أكثر مما يرحب العهد القديم (كما هو الحال مثلا فى سفر "اللاويين" أو سفر "يوشع"). فإذا قلنا إن القرآن يحبذ العنف، فما القول إذن فى نصوص العهد القديم التى تأمر أمرا صريحا بالقتل وإبادة البشر؟ ففى الفقرة رقم 17 من الأصحاح الحادى والثلاثين من سفر "العدد" يقول موسى بشأن الأسرى المديانيين الذين قتل بنو إسرائيل أقاربهم: "فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا". كما أن الفقرات 1- 9 من الأصحاح الخامس عشر من سفر صموئيل الأول تحكى لنا قصة النبى صموئيل حين أمر الملكَ شاول بمحو العمالقة من الوجود على النحو التالى: "3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا". أما النبى محمد فقد نهى أتباعه عن مثل هذا التطرف قائلا كما جاء فى تفسير ابن كثير للآيات 190- 193 من سورة "البقرة: " اغزوا فى سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع"، ومثله ما ورد فى "المغازى" للواقدى (3/ 117- 118): "اغزوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة، ولا تمنَّوْا لقاء العدو".
أما الزعم بأن الحرب التى حضت عليها بعض آيات القرآن تسوّغ الأعمال الحربية العدوانية فهو دليل على الجهل بأن المفسرين التقليديين قد ضيّقوا نطاق تلك الآيات. فمثلا هناك الآية الرابعة من سورة "التوبة" التى أسىء تفسيرها فى عصرنا، ونصها: "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ". فمن ناحيةٍ نرى المتطرفين يستغلون هذه الآية فى إراقة الدماء البريئة، ومن الناحية الأخرى فإن أعداء الإسلام يستغلونها فى الزعم بأن القرآن إنما هو كتاب عدوانى يحض على شن الحرب دون توقف. لكنْ بالاستناد إلى الروايات التقليدية فإن هذه الآية لا يمكن اتخاذها صَكًّا على بياضٍ لقتال غير المسلمين، إذ لا تَصْدُق فى الواقع إلا على أولئك المشركين الذين ناهضوا المسلمين الأوائل وهددوا وجودهم ذاته تهديدا. وكما قال أحد كبار الفقهاء، وهو أبو بكر بن العربى (من أهل القرنين الحادى عشر والثانى عشر)، فـ"قَوْله تَعَالَى: "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ" عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكٍ، لَكِنَّ السُّنَّةَ خَصَّتْ مِنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَرَاهِبٍ وَحُشْوَةٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَبَقِيَ تَحْتَ اللَّفْظِ مَنْ كَانَ مُحَارِبًا أَوْ مُسْتَعِدًّا لِلْحِرَابَةِ وَالإِذَايَةِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالآيَةِ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحَارِبُونَكُمْ".
ويمكن المضىّ فى الاستشهاد بهذه التفسيرات إلى ما لا نهاية. ومنها يتبين بكل وضوح أن تسوية سوكْدِيو بين "المسلمين المتشددين" و"علماء المسلمين القدامى" الذين يقولون إن "الإسلام هو دين السيف" ليست متهافتةً فقط بل تشويهًا مطلق للحقائق. وعلى هذا فإما أن سوكْدِيو غير مؤهل لتحليل التراث الإسلامى والمقارنة بينه وبين الانحرافات الحديثة، وإما أنه يحرّف على نحوٍ متعمدٍ تعاليم الإسلام، وهو فى الحالتين يبرهن على أنه غير جدير بالثقة بتةً.
العِلْم المُرِيب:
ويتبدى العلم المريب عند سوكديو خلال مقالته كلها، وبخاصة عندما يستخدم التفرقة البالية بين مصطلحَىْ "دار الإسلام" و"دار الحرب" من أجل الزعم بأن المسلمين لا يقبلون شيئا سوى الحرب أو النصر. وهذا المصطلحان هما فعلا مصطلحان قديمان مهمان، إلا أن علماء المسلمين قد ذكروا أيضا عددا من الدُّور الأخرى بين هاتين الدارين: فبعضهم يذكر ثلاثا، وبعضهم يذكر خمسا، وبعضهم يذكر سبعا. وفى العصر الحديث نجد أن أغلبية علماء المسلمين ينظرون إلى أوربا وأمريكا بوصفهما "دار صلح"، وهو ما يعنى أن المسلم بإمكانه أن تقوم بينه وبين ذلك العالم علاقات على عدة مستويات، وأنه ينبغى عليه التقيد بقانون تلك البلاد متى ما قرر الإقامة فيها أو القيام بزيارتها. وبناء على هذه التفرقة رأينا من علماء المسلمين من يُفْتِى بأن بمستطاع المسلم الخدمة فى الجيش الأمريكى حتى عندما يكون ذلك الجيش فى حرب مع الدول الإسلامية الأخرى. لكن من يَسْعَوْن فى إثارة الصراع هم وحدهم الذين يمضون فى تضليل الجمهور من خلال تضييق شُقّة العالم بحيث لا يكون هناك إلا دار الإسلام ودار الحرب.
العِلْم الإسلامى:
كذلك يتضح سوء الفهم لدى سوكْدِيو عندما يتناول بالحديث مؤتمر علماء المسلمين الذى عٌقِد مؤخرا بالأردن، والذى أعلن فى بيانه الأخير معارضته لتكفير المسلم، وحدَّد الشروط التى لا بد من توفرها قبل إصدار أية فتوى. وفى رأيه أن هذا من شأنه "أن يلغى الفتوى القيمة التى أصدرها علماء المسلمين فى إسبانيا باعتبار بن لادن مرتدا". ومع هذا فإن حرب البيانات التى يكفر فيها المسلمون بعضهم بعضا هى بالضبط ما يريده متطرفو القاعدة وأمثالهم. ذلك أنهم، بهذه الطريقة، يمكنهم الحكم بالردة على أى شخص يختلف معهم ويقتلونه. ولا ينبغى أن ننسى أن القاعدة، قبل الحادى عشر من سبتمبر 2001م بيومين اثنين، قد اغتالت أحمد شاه مسعود. ولم تكن هذه مجرد مصادفة، بل كانت مسألة إستراتيجية مقصودة، إذ إنهم بالتخلص من أشد المسلمين التقليديين جاذبية ومقدرة على السيطرة على النفوس فى أفغانستان قد استطاعوا التخلص من أعتى العقبات التى تمنع تشويههم للإسلام، إذ هو القائد المصدَّق الذى كان بمكنته فضح الطبيعة الزائفة لادعائهم بأنهم هم الذين يمثّلون الإسلام.
ولكى يمنع الفقهُ الإسلامىُّ التقليدىُّ قَتْلَ البشر من أجل الأخطاء أو الذنوب التافهة فإنه لا يجيز لأى إنسان "حرمان" أى مسلم آخر أو تكفيره فى ذنبٍ اجترحه. وبتأكيد هذا المعنى والقضاء على أية إمكانية لتكفير المسلم فى عصرنا الحالى فإن مؤتمر الملك عبد الله قد جعل العالم أكثر أمانا. ولا يصدق هذا الكلام على المسلمين التقليديين "المعتدلين" فحسب، وهم المسلمون الوحيدون الذين يمكنهم عزل المتطرفين وحماية غير المسلمين من ثَمّ، بل يصدق أيضا على اليهود والنصارى وغيرهم، الذين يَعُدّهم القرآن (وكذلك أكابر الفقهاء القدماء من أمثال الإمام أبى حامد الغزالى) "كتابيين". الواقع أن سوكْديو يريد الإبقاء على هذا "الباب" مفتوحا كى يمكنه إخراج المسلمين الذين يبغضهم من دائرة الإيمان. إنه يريد الإبقاء على هذا "السيف" مصلتا على الرقاب، ناسيا تمام النسيان ما جاء فى إنجيل متى (26/ 52) من أن "كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!".
وبالمثل يكشف سوكْديو عن عجزه التام عن فهم الفقه الإسلامى إذ يتساءل قائلا: "ألا يمكن أن يستدعى الملك عبد الله أعضاء مؤتمره إلى الاجتماع كرة أخرى ويأمرهم أن يصدروا فتوى تحرم العنف ضد غير المسلمين أيضا؟". والحق أن هذا هو ما وقع فعلا حين أعلن العلماء المذكورون أن الفتاوى التى تعضد العنف غير المبرَّر هى فتاوى تنقصها الشرعية، إذ ما من شخص يرتكب عملا من أعمال العنف باسم الإسلام إلا ويحاول أولاً تسويغ عمله من خلال إصدار فتوى وإساءة استعمالها، وما من شخص يرتكب عملا من أعمال الإرهاب إلا وهو مقتنع أن الإرهاب الذى يمارسه له ما يسوغه. لقد أكد المؤتمر أن جميع الفتاوى لا بد أن يحكمها نظام ثلاثى من المراجعات والتوازنات الداخلية، ومن ثم كان لا بد لكل من يريد إصدار فتوى أن يكون متحليا ببعض المواصفات الشخصية والعلمية الصارمة، كما لا بد أن يتبع أحد المذاهب الثمانية المعروفة فى الفقه الإسلامى بحيث لا يجوز إصدار أية فتوى تخرج عن حدود تلك المذاهب، وهو بالضبط ما يريد المتطرفون أن يفعلوه. لقد ضم المؤتمر ما يزيد على 180 من العلماء الكبار ينتمون إلى 45 بلدا إسلاميا، واستصدر 17 فتوى هامة تتعلق بذلك الموضوع من أعظم فقهاء المسلمين فى العالم (بما فيهم شيخ الأزهر وآية الله السيستانى والشيخ يوسف القرضاوى). وبهذا لا يكون المؤتمر قد خلع عن المتطرفين رداء الشرعية فحسب، بل (كما قال فريد زكريا فى "النيوزويك" بتاريخ 18/ 6/ 2005م) يكون أيضا قد "شن هجومًا جَبْهَوِيًّا على الأفكار الدينية التى يقوم عليها فكر القاعدة". وهذا، بكل تأكيد، سلاح حيوى فى الحرب ضد الإرهاب، وهو ما يستحق عليه الملك عبد الله ومؤتمره الثناء والتقريظ.
القضاء على التطرف:
ومع ذلك فلا يبدو أن غرض سوكْدِيو هو عزل المتطرفين والقضاء عليهم، بل تتلخص رغبته فى تشويه معانى القرآن وتحريف التاريخ والإساءة إلى المسلمين المعاصرين، وذلك بغية تعضيد دعواه بأن الإرهاب والتطرف كامنان فى طبيعة الإسلام ذاته. وهذا الأسلوب هو بالضبط الطريق الذى سيؤدى بنا إلى خسران الحرب على الإرهاب. إن الحرب الحقيقية هى حرب الأفكار، والأساس الذى تقوم عليه أفكار بن لادن والزرقاوى وغيرهما هو أنهم يظنون أنهم الممثلون الحقيقيون للإسلام. وقد أكد العلماء المسلمون التقليديون من أرجاء العالم أن مثل هذه العقائد والأعمال المنحرفة تمثل فى الواقع انتهاكا لمبادئ ذلك الدين. ونحن بتعاوننا مع أولئك العلماء التقليديين إنما نساعدهم فى تثبيت الفكر الإسلامى الوسطى التقليدى، كما نفضح أفكار المتطرفين وأعمالهم. وهذا هو أنجع الأسلحة وأكثرها مسالمة وفعالية فى الحرب ضد التفسيرات المتطرفة للإسلام، وإذا لم نستخدمه نكون قد فقدنا الموقع الأفضل فى حرب الأفكار. وبالرد على التطرف بتطرف مثله يكون سوكْدِيو ومن على شاكلته قد أعطوا المتطرفين الفرصة كى يحسموا لصالحهم الجوَّ العامَّ الذى يحدّد علاقة الأديان، ومن ثم يمكنهم أن يقرروا مجرى الأحداث أيضا. وبدلا من تزويدنا بتشخيص واقعى للتحديات التى تواجهنا والحلول السلمية الواقعية التى تصلح لها، فإنهم يريدون استغلال الموقف للعمل على طرح أفكارهم وأوهامهم المعادية للإسلام. وهم بهذا إنما يعملون لا ضد المسلمين والإسلام فحسب، بل ضد الإنسانية جمعاء بما فيها النصارى (بل ضد النصارى فى المقام الأول). نيافةَ الأب سوكْدِيو، هل نقول: إلى الأمام يا جنود النصارى؟
Vincenzo Olivetti is the author of Terror’s Source: The Ideology of Wahabi-Salafism and its Consequences.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر