أضيف في 23 فبراير 2018 الساعة 14:37

أيام الحرب


سعيد مقدم أبو شروق
أيام الحرب
أطلقت صفارة الإنذار، لم تمض ثوان وانقطع التيار
الكهربائي تباعا، وغاصت المدينة في ظلام دامس.
صرخ طفل رضيع، وخافت أمه أن يسمع الطيار
صوت صراخه فيقصفهم، فألقمته ثديها لتسكته.
واشتد عطش طفلها الثاني، ومن شدة فزعه وخوفا
من أن يسمعه الطيار، همس في أذن أمه طالبا شربة ماء.
فسقته ماء من الماء الذي أحضرته من النهر عند الأصيل،
وهي تدعو من كل قلبها:
اللهم عديها علينا بخير وسلامة.
ثم بفزع شديد وذعر هائل التفتت نحو شيخ أشعل لفافته
وسحب نفسًا عميقا منها، وضجت الأصوات معترضة عليه:
اطفئها يا (زائر حمدان)، هل تريد أن تعرضنا إلى
القصف والدمار؟! ألم تسمع أنهم قصفوا الفلاحية ليلة أمس؟!
ويسحق حمدان سيجارته بنعله ويفتتها غيظا، ويعبث
بسبحته مرارا ثم يبدأ يلعن من أشعلوا فتيل الحرب
وأجبروه على النزوح من مدينته المحمرة إلى قرية نائية
تقع على ضفاف نهر الجراحي، فهجر بيته وحديقة نخيله
وسكن دارًا لأقاربه بنيت من الطين وسقفت
(بالچندل والبواري)¹، دارا واحدة هو وزوجته
وبناته الخمس.
بعد مضي ساعة تطلق صفارة الأمان، وتضيء البيوت
بمصابيح خافتة النور.
ويلف حمدان سيجارتين، يشعل كبريته ويدخن الأولى
إلى نهايتها ويشعل الثانية من الأولى ويدخنها ويلعن
الحرب ومن أذكاها ثانية وثالثة...
ثم يتوجه إلى الدار يخطو بغيظ، يزيح الستار ويدخل
معه كتلة كبيرة من البرد القارس، ويخاطب زوجته
في شيء من الغضب:
سنسير غدا إلى مشهد أو إلى طهران، إلى حيث لا
يصل زفير هذه الحرب الملعونة.
قالت والخوف يقطع صوتها: واللغة؟ هل تعرف الرطانة؟!
أم تريد أن تضيعنا في بلاد العجم؟!
قال وهو يحكم كوفيته على رأسه:
سأجلب البنات معي، ابقي هنا حتى تموتي تحت
القصف.. والرطانة سأتعلمها.
ثم قال بعد حين في رفق:
سامحيني يا أم صبرية، الهموم تراكمت علي! ولست
أرى من النزوح إلى ديارهم بدا.
ثم تدثر لينام، ولم يغف إلا عند صياح الديكة فجرا.
وفي صباح ذلك اليوم الكئيب، ركبوا القطار واتجهوا
إلى الأهواز، ثم وبقطار ثان إلى طهران أو مشهد،
أو إلى أي مكان بعيد لا يصله لهيب هذه الحرب الكافرة.
....
1 - چندل: أخشاب قوية، تستخدم في بناء أسقف البيوت ويقال لها شندل أو کندل.
بواري: مفردها بارية وهي نوع من الحصير المنسوج من شرائح أعواد القصب وتسمى منقور في بعض الدول العربية.

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : سعيد مقدم أبو شروق

مدرس   / الأهواز , إيران